حيوية النصّ الشعريّ وتجانسه

يستند الكثير من نصوص السياب، الى ثقافةٍ أسطوريةٍ وحضاريةٍ وروحيةٍ واضحة. ورغم هذه الكثافة الشعرية المبتغاة، يظل بعض هذه النصوص مشوبا بحضورٍ كبير لا للهاجس الشعري وحده، بل للكائن الإنسانيّ أيضا. هناك لحظتان، الواقعية والشعرية، ينقسم النصّ بينهما أكثر من مرة، في أرجحةٍ لا تختطئها العين. وكلّ منهما تهيمن على حصتها مما في النصّ من حيويةٍ انفعاليةٍ ودلاليةٍ متأججة، وكما يتجلى في قصيدته «غريب على الخليج» على سبيل المثال.
لا أقصد بذلك أن على القصيدة أن تكون دائما كتلة من الغموض المتراصّ. غابة متشابكة من أحـراش اللغة، وليس على النـصّ أن يجـافي شــرارة الوضوح، التي تندلع في ثناياه بين فتـرة وأخرى. لا بد من ومضة محسوبة بدقة ورهافة، لا بد من رفيف من الشرر الخافت، الذي يشرح بدون ابتذال ويكشف بدون مباشرة فاضحة، بل لا بد من التوازن الحيّ بين الغموض ونقيضه، وبين الوضوح المريح ولذة المفاجأة . فالشعر الجيد، على رأي لوتمن، هو اجتماع المتوقع واللا متوقع في وقت واحد. وبين هذين الحدين، المتوقع واللا متوقع، تتفجر طاقة النصّ وتتموج شعريته. أما إذا اطمأن النصّ إلى واحدٍ منهما فإن مصيره إلى عدمين مؤكدين، انعدامُ المعنى في الحالة الأولى، وفقدانُ القيمة في الحالة الثانية.
شديدةٌ، إذن، حاجةُ القصيدة الى جدلٍ بالغ الخفاء والجاذبية بين هذين الحدين، أو هاتين اللحظتين، الشعريّة والإنسانيّة. فالنصّ لا ينصرف إلى ذات الشاعر كلية ولا إلى الكائن بشكلٍ مطلق، بل هو معلقٌ بين الشفافية والكثافة اللتين تحدثنا عنهما في فقرة سابقة.

ضغط اللحظة الحياتية لم يقف في تأثيره عند هذا الحد، بل اندفع أكثر في توسيع الفجوة بين الشاعر والقصيدة ليسيطرعلى النص في خاتمته خاصة.

يواجهنا السارد الذاتي، في «غريب على الخليج»، وهو يستدرج ماضيه، في نبرةٍ يشتبك فيها الحنين الموجع والإحساس بالفاقـة. وتتــدافع إلينا لحظة الانفعال بالحياة ولحظة الشعر، صورا و تداعياتٍ عبر احتدامٍ سرديّ مؤثر، طوال القصيدة، التي تتفجر منذ المقطع الأول بهذا التلهف الطاغي:
صوتٌ تفجّـرَ في قرارة نفسيَ الثكلى: عراقْ
كالمدّ يصعـدُ، كالسحابةِ، كالدموعِ إلى العيونْ
الريحُ تصرخُ بي: عراقْ
والموجُ يعـولُ بي: عراق، عراقُ، ليس سوى عراقْ
البحـرُ أوسعُ ما يكون وأنت أبعـد ما تكونْ
والبحر دونك يا عراقْ..
فيضٌ من الحنين يصعد به التكرارُ وتوالي الأفعال وهذه الغزارة اللافتة في حروف المدّ إلى ذرى تعبيريةٍ ملتاعة. غير أنّ هذا الحنين كله يصطدم بحواجز البعد والسعة، الشاعر فريسة ملقاة في العراء، والقصيدة تتمدد وتتصاعد، من خلال السرد، والاْغنية، والعادات والإيماءات التراثية، وذكريات الحب، حتى تصل ذروة توترها الوجدانيّ واللغويّ في هذا المقطع النادر :
الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظلامْ
– حتى الظلامُ – هناك أجملُ، فهو يحتضن العراقْ
يتماس الكائنان الإنسانيّ والشعريّ، في هذا الجزء من النصّ، تماسّا حميما. لحظة الوعي يتلبسها أداءٌ شعريّ عالٍ، وذاكرةٌ تجسيديةٌ خصبة. غير أن هذا الصوت المنفتح على الواقع وعلى الذكرى معا، وهذه اللغة التي يمتزج فيها الخاص بالعام برهافةٍ مؤلمة، لا ينتظمان القصيدة كلها حتى النهاية، فالنصّ ينشطر على نفسه أيضا. وها هي اللحظة الواقعية، أو صوت الكائن الصارخ في براري العالم من فــرط الفاقـة، أو فـرط الإحساس بالكرامة المجـرحة يؤكـد، أكثر من مـرة، انتماءه للبرهة الحياتية العابرة، خارجا على القصيدة وتناغُــم نبرتها الحارة:
– متخافقَ الأطمار أبسط بالسؤال يدا نديةْ
صفراءَ من ذلٍّ وحمّى: ذل شحاذٍ غريبِ
بين العيون الأجنبيةْ
بين احتقارٍ، وانتهارٍ، وازورارٍ، أو «خطيةْ»
والموت أهون من «خطيةْ»
ثم تبلغ هذه اللحظة الواقعية أقصى مباشرتها المؤذية في المقطع التالي:
– واحسرتاهُ.. فلن أعود إلى العراقِ
وهل يعودُ
من كان تعوزه النقودُ؟ وكيف تـُدّخَـر النقودُ
وأنت تأكل إذ تجوعُ ؟ وأنت تنفق ما يجودُ
به الكرام على الطعام؟
يتكشف لنا هذان المقطعان عن هيمنةٍ واضحةٍ للانشطار القلق، حيث يندفع صوت العذاب الشخصيّ أو الواقعة الحياتية غير المصفاة، عارية من أغطيتها الشعريّة، وكأنها ما تزال مادة خاما، لم تلمسها لغةٌ خلاقةٌ ولم تمكث، كما ينبغي، في مصهر المخيلة. وبسبب ذلك فإن هذين المقطعين لم يرتقِيا إلى ما في القسم الأول من هذه القصيدة من فتنةٍ أخاذةٍ ووجدانٍ وطنيّ متجانس. الفرديّ والعام يتباعدان الآن، وليس هناك من نقطة تماسٍ حارة بينهما.
ويمكنني القول، هنا، إن المقطع الثاني من القصيدة، يكاد أن يكون تخطيطا أوليا، متعجلا للمقطع التالي ذائع الصيت من أنشودة المطر
أصيحُ بالخليجِ: يا خليجْ
يا واهبَ اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى
كأنّه النشيجْ:
يا خليجْ
يا واهبَ المحار والردى ..
المكابدة الإنسانية، في المقطعين، واحدة. والحالة السردية التي يتولى إنجازها السارد الذاتيّ واحدة أيضا. غير أن المقطعين مختلفان، في العمق الشعريّ، اختلافا كبيرا. فهذا المقطع من «أنشــودة المـطـر»، يبدو شـعريا الى أبعد الحدود مقارنة بالمقطع السابق من «غريب على الخليج». إنه في ذروة تضافره التشكيليّ والدلاليّ: حيوية التكرار، الدلالة المرئية للنصّ حين يلتهمها البصر لا البصيرة، الترابط المتصل أو المبتوت بين الصوت وصداه، إضافة الى تداخلات السرد وتراجعاته.
أما المقطع السابق، من «غريب على الخليج» ، فقد كان فـقـرهُ الشعريّ واضحا، وكأنه تعبيرٌ مباشر عن لحظةٍ واقعيةٍ طاحنة، عن افتقارٍ يوميّ، في أكثر مستوياته تدنياُ: الشاعر يندفع مسرعا خارج نصه، الى آدميته المجرّحة.الى كيانه الاجتماعيّ الموشك على الهلاك، حيث الحاجة تفتك بالجسد وبالقصيدة معا.
يمكننا القول أيضا إن ضغط اللحظة الحياتية لم يقف في تأثيره عند هذا الحد، بل اندفع أكثر في توسيع الفجوة بين الشاعر والقصيدة ليسيطرعلى النص في خاتمته خاصة. هـمٌ فرديّ، أو حاجةُ يوميةٌ صريحة، يفقـد الشاعر معها سيطرته على حركة التعبير الشعريّ ونضحه الدلاليّ على الوجه الأكمل.
وهكذا لا يتوازن الكائنان، الشعريّ والإنسانيّ، في هذه القصيدة حتى النهاية، بل يتجاذبان أطراف النص حتى يكاد أن يتشظى بينهما، إلى كتلٍ شعريةٍ متباينة. يغذيها، منفردة، شعورٌ لاهبٌ، غير أنها لا تحقق، في اجتماعها الكلّيّ، وحـدة شاملة في النبـرة والمزاج.

٭ شاعر عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية