القدس المحتلة- “القدس العربي”: لا يكون أمام عشرات الشبان الذي يأتون من مناطق القدس المختلفة صوب الجهة الغربية من حي الشيخ جراح إلا إشعال النار في “كانون نار” ضخم مع بداية كل غروب للشمس.
هذا الكانون الكبير نسبيا يقوم بأدوار كثيرة من ضمنها تشكيل حلقة حوله تضم عشرات النشطاء والأهالي طلبا للدفء وأمور أخرى.
ومن يعرف القدس المحتلة يدرك تماما بردها في ساعات المساء، إنها مدينة إضافة لكونها محتلة فهي جبلية، وهو ما يجعلها في ساعات المساء الأكثر برودة.
“كانون النار” المشتعل قامت قوات الشرطة الإسرائيلية “باعتقاله” مساء السبت، كما قال نشطاء مقدسيون تواجدوا في المكان.
وبحسب الناشط المقدسي وعضو إقليم حركة فتح عاهد الرشق فإن الشرطة الإسرائيلية هجمت على مجموعات النشطاء والأهالي التي كانت تجلس أمام منزل عائلة محمود العسو المقدسية وصادرت الكانون بالقوة.
الشبان تندروا كثيرا على سلوك الشرطة الاحتلالية وقالوا: “سيكتب التاريخ أن الشرطة قامت هذه الليلة بمصادرة “كانون نار” من حي الشيخ جراح”.
وبحسب الناشط الرشق في حديثه لـ”القدس العربي” فإن الشبان لم يعدموا الوسيلة أو الحيلة حيث جلبوا صينية واسعة (إناء مسطح)، وقاموا بإشعال النار عليه واستمروا بتأدية الأغاني الوطنية والتصفيق إلى أن عادت الشرطة وقامت بقلبها (الصينية) في محاولة لمنع تجمع المقدسيين “بحجة الإزعاج”.
وطوال الأيام الخمسة الماضية يعكف عشرات الشبان على التواجد في القسم الغربي من حي الشيخ جراح حيث عائلة فاطمة السالم التي تنتظر تنفيذ قرار بإخلائها من منزلها برفقة 40 فردا من عائلتها الممتدة مطلع الشهر القادم.
يؤكد الرشق أن الأجواء في الحي متوترة جدا، هناك تهديد متواصل للعائلات، قطعان المستوطنين لا تتوقف عن الهجوم، وقضايا كل المنازل في المحاكم الاحتلالية.
ويرى أن حماية المنازل ومنها منزل عائلة سالم واجب مقدس وبقاء النشطاء في المكان حتى ساعات متأخرة من الليل هو إحدى الطرق لتحقيق ذلك الأمر.
وخلال الأيام الأولى لتواجد المستوطنين في الساحة المقابلة لعائلة سالم قام المستوطنون بشن هجمات دورية على المنازل حيث قذفوا الحجارة وضربوا الأهالي وشتموا النساء.
ورغم أن قوات الشرطة تفرض طوقا أمنيا على الحي وتحديدا الجزء الغربي منه إلا أن “ولاد البلد” لا يعدمون الوسيلة للوصول إلى الحي والرباط فيه.
ويقول الرشق: “نستخدم طرقا بديلة، نقفز عن الأسطح، نسلك دروب “الحواكير”، المهم أن نكون مع الأهالي المهددين بالإخلاء”.
وفي نوع من تجسيد الدعم وبث الحماس يقوم الشبان بإشعال النار في كانون ضخم حيث يتحلق حوله العشرات من النشطاء، قسم منهم يجلس على كراسٍ وقسم آخر يقف والجميع يأخذ بالتصفيق والرقص والدبكة مع ترديد الأغاني الوطنية.
ويرى الرشق أن هذا يحقق وظيفة دعم الأهالي وتلطيف جو التوتر في الحي وإخافة المستوطنين وزرع الحماس في نفوس الحاضرين، كما أنه يغضب الشرطة الإسرائيلية التي لا تريد أي مظهر يجمع المقدسيين أو يدعمهم.
ويؤكد الرشق أن هذا الغضب انعكس في ساعات متأخرة من مساء السبت إلى مخالفة كل من يمتلك سيارة وجاء يتضامن في الحي.
وبين فترة وأخرى تنشب مشادات بين مقدسيين ومستوطنين أو عناصر من الشرطة، ويخوض النشطاء وتحديدا من هم كبار السن في حوارات غاضبة تغلف بشعارات وتحديات وشتائم وهو ما ينتج عنها صدامات محدودة.
ويؤكد أحد الناشطين: “يمكنك النظر، كل هذا التوتر في بقعة أرض صغيرة جدا، إنه مكان يمنحك تكثيفا لعلاقة الاحتلال مع الفلسطينيين وفعل تهويد المدينة الذي لا يتوقف”.
يؤكد بدوره الناشط عاهد الرشق: “نحن شعب نتحمل البرد ولا يمكن أن نتحمل الاحتلال”.
وقال “نحن في القدس كشبان محسوبين على حركات وفصائل مختلفة قررنا أن نتوحد، نطمح أن توحد القدس بقية فلسطين”.
ويضيف: “في كل ليلة ننشد الأغاني الوطنية وتلك التي تعرف بأنها لفصائل فلسطينية، نحن هنا بصفتنا مقدسيين، وعلى قلب رجل واحد، والوحدة الوطنية هي التي تجمعنا قولا وفعلا”.
وشنت الشرطة الاحتلالية حملة مخالفات واسعة في صفوف سائقي السيارات التي قدمت للحي، وجلبت لهذا الغرض فاحصين قاموا بفحص المركبات بدقة وقدموا مخالفات مالية تراوحت بين 1000 شيقل إلى 7000 شيقل كنوع من العقوبة على تضامنهم مع العائلات.
ومن الأشخاص الذين تم معاقبتهم كان الناشط كبير السن محمد أبو الحمص الذي تم إنزال سيارته عن الشارع في عقوبة أسبابها سياسية ولا علاقة لها بحال المركبة التي يقودها.
أما صباح الأحد فقد جلب المتطرف والنائب إيتمار بن غفير طاولته محاطا بالمستوطنين وعناصر الأمن أمام منزل عائلة محمود العسو وهو ما قاومه النشطاء وضغطوا حتى قام بإبعادها عن مدخل العائلة.
ورفع الشاب موسى خلف علم فلسطين وركض أمام طاولة بن غفير وردد عبارات: “مش خايف.. هاي أرضي”.
أما زوجة المقدسي محمود أم رمضان فتفتح منزلها للمتضامنين وتحرص على تلبية كل طلباتهم.
ويبدو المنزل المتواضع الذي تتوسطه شجرة من نوع كينيا ضخمة لكنها ميتة (يابسة) مشرع الأبواب أمام جميع النشطاء والمرابطين سواء للراحة أو لتناول الطعام.
وفي حكاية الشجرة يؤكد محمود أنها قديمة جدا، لكنها يبست لوحدها مع الزمن.
ويتذكر العسو قصة نائب رئيس بلدية القدس، الذي رفع قضية على العائلة من أجل إخلاء المنزل حيث كتب في كتاب الدعوة على العائلة أن قلبه يؤلمه على الأشجار المحيطة للمنزل لكون هدمه وبناء منزل فوقه سيترتب عليه اقتلاعها.
ويشير إلى أن القاضية قالت له طالما تشعر بالأشجار الأجدى بك أن تشعر بالعائلة التي ستتهجر بسبب الدعوى التي ترفعها فما كان منه إلا أن قال “هذا أمر لا يعنيني”.
ورغم أن العسو ربحت القضية سابقا إلا المستوطن أعاد رفع القضية وطالب بالبناء وهو ما سمحت به المحكمة.
وما يوجع ويؤلم عائلة العسو أنها لا تعرف متى يأتي قرار الإخلاء والتهجير، فهي تنتظر وتعيش في حالة من الضغط النفسي القاتل.
وتعكف العائلة يوميا على توفير كل المقومات للشبان المتواجدين، حيث تتقاسم العائلة، التي سجن أبناؤها الثلاثة قبل فترة قصيرة بتهمة حرق سيارة مستوطن، المهام والمسؤوليات.
وتقف أم رمضان على الغاز حيث تعد شراب القهوة في طنجرة كبيرة لتلبي حاجة النشطاء الذين يجلسون على مدخل البيت حيث يقوم ابنها محمد 18 عاما بواجب الضيافة وتقديم القهوة، تفكر بابنها معتز الذي ما زال مسجونا بتهمة حرق سيارة مستوطن.
وتعمل الشرطة الاحتلالية على تقديم استدعاءات يومية للعائلة بهدف تخويفها ومنعها من تقديم الضيافة للنشطاء لكن محمود العسو يؤكد أن “الموت أهون”.
ويضيف: “لن أقبل أن نكون لاجئين مثل الأجداد”.
يذكر أن المواطن العسو أصيب بجلطة دماغية قبل فترة قصيرة وهو ما يعيق عمله، ورغم ذلك يعاني من إرهاق مالي بسبب الكفالات المالية التي دفعها على أمل الإفراج عن أبنائه من السجون الإسرائيلية.
يضيف: “دفعت 14 ألف شيقل كفالات وأجرة محامين”.
وما يلبث أن يتابع قائلا: “ما تقلق، الحمد لله، صامدين وصابرين”.
ويوفر جلوس العشرات من الشبان لساعات متأخرة من كل ليلة حماية مادية ومعنوية لأهالي الحي من اعتداءات المستوطنين وشرطة الاحتلال، أما حراك الغناء اليومي وترديد عشرات الأغاني الوطنية والحماسية ورفع أعلام فلسطين وشرب قهوة أم رمضان “رائدة العسو” وكانون النار المشتغل فهي تفاصيل تلون ليل القدس الحالك.
ويعتبر مكتب بن غفير بؤرة توتر في حي الشيخ جراح الذي يشهد منذ أكثر من أسبوع هجمة شرسة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، أما عشرات العائلات في الحي فتواجه وحيدة خطر التطهير العرقي والتهجير القسري من منازلها لصالح مشاريع استيطانية.