حَذَارَى الكلمات

الحذارى هم القوم الذين بهم حذَرٌ، والحذر ليس الخوف وإنّما هو التزام اليقظة في فعل أو قول حتى لا يحصل المكروه. الحذر في القول يشبه المشي على حذر اتقاء السقوط إن كانت الأرض زلقة. السقوط أثناء المشي يمكن أن يكون شبيها بالسقوط أثناء الكلام، وتستعمل عبارة سقطة، للكلام الذي لا يحسن فيه صاحبه القول فيقع أسيرا لكلامه ويعاب عليه أنّه قال ما قال لخروجه عن السنن والنواميس. لكنّ هناك من يتسقّط الكلام على المتكلمين بمعنى أنّه يتتبّع بدقّة وبنقد ربّما كان مبالغا فيه تسامح الناس في القول، ليستخرج منه معايب يستخدمه للتشهير أو للنيل من المتكلم.
الكلام اليومي من سماته التسامح، ويعني التسامح أنّ المتكلمين لا يستعملون الدقة في الكلام، أي لا يستعملون العبارات المناسبة التي يتطلبها الكلام. في السوق نستعمل كثيرا من الكلام غير دقيق، لكنّنا لا ننتبه إلى أنّ فيه تسامحا. فعلى سبيل المثال تسأل الجزّار هل عندك لحم؟ وأنت لا تعني لحم النعام، ولا لحم الخنزير بل تعني لحم الضأن أو الماعز لا غير. وحين يجيبك الجزار قائلا: ليس لي غير الماعز، فهو عرف بحكم العادة أنّك لست من مستهلكي هذا النوع من اللحم، لذلك يبدو كالمعتذر، على الرغم من أن الماعز لحم أيضا.

وفي كلامنا اليومي لا نتقيد بالسؤال فنجيب أحيانا إجابة تبدو لا صلة لها بالسؤال كأن تقول: لماذا لم أرك في القطار هذا الصباح؟ فتقول: تذكرت الأوراق فعدت إلى البيت. أنت لم تجب مباشرة، ولكنك لمّحت إلى أنّك حين نسيت الأوراق عدت إلى المنزل القريب من المحطة لاستجلابها فلم تركب القطار الذي يجمعك بمحدّثك مثل العادة. بالطبع لن يسألك محاورك ماذا تقصد بقولك ؟ لأنّه سيفهم ما قصدت اعتمادا على آليات ذهنية خاصة. حتى تفهم تلميحا عليك أن تسمع ما قيل، ولكن أيضا أن تتأوّل منه ما لم يقل بأن تربط كلّ ذلك بالمقام وبالعلاقة بالشخص وبمعرفته بموقع بيتك وبقيمة الأوراق بالنسبة إليك وغير ذلك من المعطيات. المهمّ من كلّ هذا أنّنا لسنا في لغتنا اليومية ملتزمين بالدقة التي من بينها الانضباط للسؤال ولمضمونه، وعلى الرغم من ذلك فإنّنا نتفاهم.
الحذر في استعمال الكلمات عادة ما يكون في المقامات التي تفرض فيها قيود صارمة بين المتكلمين وأيّ استعمال للعبارات خارج الأنساق الأخلاقية، أو الثقافية يقود إلى تورط القائل. فعلى سبيل المثال إن كنت ضيفا ولم يعجبك الطبق ولا تريد إكراه نفسك بتناوله، فإنّ فرص التعبير عن ذلك تكون قليلة والحذر من قول الحقيقة يكون هو السلوك الأرقى، لذلك عليك أن تبحث عن أنسب العبارات لكي تفرّ من قول الحقيقة ومن إكراهاته كأن تقول مثلا إنّه لذيذ جدّا.. لكنّه لا يناسب معدتي. وحتى لو قلت ذلك لن تأمن من مزلق التهمة، بأنّ من طبخ لا يوازن بين الجيّد والصحي.
الحذر في استعمال الكلمات غير الدقيقة هو شأن علميّ بالأساس ذلك أنّ العلوم تستعمل الألفاظ بالدقّة الفائقة والمطلوبة حتى لا تضيّع الكلمات التي ليست في مواضعها، المضمون العلمي المطلوب. في البحوث العلمية الوسطى، أو المتقدّمة عادة ما يوصى الطالب بأن يتحرّى وهو يكتب بأن يستعمل اللغة العلمية المحايدة والذاهبة إلى الفكرة ذهابا مباشرا.

كثير من العبارات التي تبدو لنا سليمة هي غير كذلك من الناحية العلمية، فعلى سبيل المثال، إنّ قولنا إنّ اللغة العربية الفصحى هي أفضل من العاميّات العربية ليس قولا علميا، على الرغم من شيوعه. فمستخدمو هذه العبارات وما شابهها متسامحون غير مدقّقين لا يستعملون الألفاظ العلمية في مواضعها. وحتّى نعدّل هذا الكلام لا بدّ لنا من مرجع علمي نستند إليه حتى يتسنّى تدقيقه؛ وهذا المرجع هو اللسانيّات الحديثة. من وجهة نظر لسانيّة يبدو مفهوم الفصاحة المهيمن في التراث البياني العربي غير دقيق. فهذا المفهوم يستعمل في الحديث عن الكلمة أو الكلام؛ وتعني فصاحة الكلمة خلوّها من الأصوات المتنافرة، التي تتألّف منها، أو التي تكون غريبة عن الاستعمال العامّ أو المخالفة في اشتقاقها للقياس. ومن الناحية العلمية فإنّ تلاؤم الأصوات من جهة تقارب مخارج الحروف، أو تباعدها ليس مقياسا في الحكم على الكلام من جهة استساغة الأذن التي تستمع لتلك الأصوات. صحيح أنّه يمكن لنا أن نشعر بثقل في الأداء، أو أن نمجّ سماع كلمة لكنّ ذلك انطباع والانطباع شيء معياري غير علميّ وحكم ذوقي على الكلمة المستعملة. فمن الناحية العلمية تكون الكلمة مفيدة، ما دامت تستعمل ولها مكانها في المعجم المتداول.

أمّا فصاحة الكلام فتعني أن يكون واضحا سهل الألفاظ، مركّبا تركيبا حسنا خاليا من التعقيد فيسهل فهمه. هذا الوصف مقبول للكلام، لكنّه غير علميّ أيضا، لأنّه سيقودنا إلى أن نميز بين ضربين من الكلام، أحدهما هو الذي استجاب للشروط التركيبية والتعبيرية المثلى وهذا هو الفصيح والثاني لا يستجيب لذلك. الحقيقة أنّ الكلام الذي لا يستجيب لذلك إمّا أن يكون لاحنا خاطئا فهو يخرج عن نواميس اللغة؛ وإمّا أن يكون فيه عدول عن أصل الاستعمال بالتقديم والتأخير مثلا. وفي هذه الحالة فإنّ ذلك العدول، إمّا أن يكون مقبولا، أو لا يكون من الجهة النحوية. يبقى أنّ الأساليب ليست متساوية من جهة الإبداع فبعضها يكون أكثر أدبية من آخر وفي هذه الحالة نكون قد غادرنا التقييم اللساني إلى التقييم الأسلوبي، وهو أمر خارج عن مجال اختصاص اللسانيّ. اللغة الفصيحة أو الفصحى هي بهذا الاقتضاء كلّ لغة جمعت كلماتها ما كان فصيحا من الكلمات، أو كان بيّنا من الكلام، وهذا أمر يعسر الحكم عليه لأنّه يتطلّب مواضعة على الأصوات أو الحروف غير المقبولة وعلى أشكال التأليف المقبول وغير المقبول، وعلى الكلام الذي يكون بيّنا أكثر من غيره، وهذا مشغل علميّ غير مفيد لأنّه لا يحتكم إلى مقياس موضوعي صارم. فعلى سبيل المثال فإنّ تسمية البدو بعض أوراق الشجر الذي ترعاه النوق بالـ(عُهْخُع) أو استعمال (افرنقع) بدلا من (تفرّق) وما قاله البلاغيّون فيهما من أّنهما من العبارات الغريبة وغير الفصيحة، ليس كلاما علميّا. ذلك أنّ من استعملهما وهو يخاطب من لم يفهمهما فسيقود ذلك إلى الاستغراب، والاستغراب سيكون أدخل في باب سوء التقدير بأن تستعمل لمن تحدّثه عبارات لا يفهمها لأسباب لهجيّة وليس لأسباب تركيبية وهذا حادث اليوم بين اللهجات ويزول بشرح المتكلم للغريب. أمّا أن يكون ذلك موضوع غرابة واستغراب واستهجان فهذا موقف ليس لسانيّا لأنّ في كلّ لهجة كلمات لا تفهم في اللهجات الأخرى. بناء على ذلك فإنّ قولك إن العربية الفصحى هي أفصح من لهجاتها، ليس كلاما دقيقا لأنّ كل اللغات جعلت لتعبّر ولتُبِين أوّلا ولأنّ المقارنة بين اللغات في هذا المعنى لا يستقيم لأنّ الفائدة من كلّ لغة في الوظائف التي تقدّمها عند التواصل والتعبير والعربية ولهجاتها يقدّم كلّ منهما هذه الأدوار، ولذلك هما تستعملان ولا فائدة علمية ترجى من المقارنة في مجالات غير مفيدة.
للعلم شروطه التي قد لا يستسيغها منطق الأشياء في الكون، ولا العادات التي جبلنا عليها لذلك فإنّ الوقوف على عتبة العلم غالبا ما يكون وقوفا على عتبة الجحيم على حدّ عبارة قديمة لباشلار ففي الخارج جنّة من لا رقيب له وفي الداخل العلمي كلّ رقيب.

 أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية