كما كان متوقعا من حكومة العسكر الانقلابيين، مرت الذكرى الثالثة لثورة يناير دامية جدا ملونة بالدم الزكي في الميادين والساحات. الرئيس المؤقت منصور والفريق السيسي'(الحاكم الفعلي) يؤكدون انهم ماضون بخارطة المستقبل غير عابئين بكل هذا الدم. ميدانا التحرير والاتحادية فتحا فقط للمؤيدين للعسكر ليستمتعوا بالرقص والغناء والاحتفالات، حيث هناك لا دم ولا اعتقالات، مكّرسة المقولة المخزية، ‘انتو شعب واحنا شعب’. ما كان ينقص المشهد’حقا هو ظهور مبارك ونجليه وباقي الطاقم وتكريمهم لما فعلوا لمصر، أو بالأصح بمصر.
ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، ماذا تبقى منها؟ المطاردون ليسوا الاخوان فقط، بل شباب الثورة من ستة ابريل والحركات الأخرى، الذين أودعوا المعتقلات، بعدما تبيّن لهم الخيط الابيض من الخيط الاسود، ولأن العسكر لم يكونوا يتمتعون بقدر عال من الحنكة، فانهم لم يستطيعوا اقناعنا بأن معركتهم مع الأخوان فقط، خاصة بعد دخول الجامعات أيضا بقوة على خط استرجاع الثورة التي سرقت في وضح النهار، وتحت أعين الشرطة والجيش، بل كانوا هم العسكر والحرامية.
الكل يتكلم الان عن الدولة العميقة وكيف أن مبارك غادر كشخص وبقي كل نظامه من الاعلام الى القضاء الى العسكر على حاله القديم، وكيف أن الثورة أخفقت في مهمة التكنيس الثوري الشامل. أتذكرون كيف حاول مرسي عزل النائب العام، وأحال المشير الطنطاوي وآخرين الى المعاش، وأجرى تعديلات دستورية في خطوات جريئة، تحسبا للأخطار التي تحيق بالثورة. ماذا كان الرد؟ اعترضت القوى الثورية واعتبرت خطواته بداية للديكتاتورية وتدخلا في القضاء، وقامت الدنيا ولم تقعد، وها هم الآن يتباكون على أنهم لم يجتثوا هذا النظام الفاسد من جذوره، ‘بدري، وصح النوم يا شباب’.
الكثير من القوى الثورية أصبحت ترى في العسكر والانقلابيين امتدادا صريحا لنظام مبارك، ولكن تأخذهم العزة بالأثم من أن يسموا الأسماء بمسمياتها، فهم ما زالوا يسمونها ثورة الثلاثين من حزيران/يونيو وليس’ انقلابا، فقط لأنهم يكرهون الأخوان لأسباب عقائدية وتاريخية وسياسية، باعتبار الاخوان يملكون قاعدة جماهيرية واسعة ويشكّلون منافسا لهم في اي انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية، طبعا هذه المنافسة نظرية الان بعد ان وشم الاخوان بالارهاب، وابعدوا عن خوض الانتخابات.
سؤال جريء لأحد قادة جبهة الانقاذ (من احد مذيعي الجزيرة في برنامج المشهد المصري) عما اذا كان يأمن على نفسه من الاعتقال، فأجاب انه في هذه الظروف لا احد بمأمن، ومع ذلك يتهم الشرطة بقتل المتظاهرين ويتورع عن اتهام الجيش، لماذا؟ لا بأس فانها بداية ليقظة من الاحلام، او على الاصح الكوابيس. هناك تباين واضح في آراء أعضاء جبهة الضمير، بعضهم يدافع عن العسكر بشدة ويبدون ملكيين اكثر من الملك، والبعض الاخر يدافع عن الحقوق المدنية والحريات. يبدو لي ان جبهة الضمير عندها اكثر من ضمير واحد، فهناك ضمير مستتر وضمير متصل وضمير منفصل تماما عن الواقع.
أيها المصريون، وكأني بغسان كنفاني يخاطبكم : ما تبقى لكم، وأنتم الان رجال في الشمس، وهو يصرخ بحرقة لماذا لم تدقّوا جدار الخزّان، لماذا؟ ولعل مقولته التي قالها قبل اكثر من اربعين سنة تتحقق الان ‘ستصبح الخيانة في يوم من الايام مجرد وجهة نظر’ وقد كان.
‘ كاتب فلسطيني