القاهرة ـ «القدس العربي»: ما زالت قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول والضجة العالمية الهائلة بسببه، واعتراف السعودية بحادثة القتل، وصدور قرارات بإعفاء مسؤولين كبار في جهاز المخابرات والديوان الملكي للعزل والتحقيق معهم، وتبادل الناس المعلومات عن طريقة قتله وتقطيع جثته، رغم عدم صدور بيان تركي رسمي عن ذلك، تحتل اهتمام الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 20 و21 أكتوبر/تشرين الأول.
ومن الأخبار الأخرى التي تمس معيشة المواطنين، ما جاء به وزير النقل هشام عرفات عن قرب كارثة جديدة يعدها لهم، وهي رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق مرة أخرى.
دعوة لزراعة سطوح المباني لمواجهة غلاء الخضراوات والفواكه وملايين الشباب وجدوا بابا لتجربة المخدرات والأزمة تجاوزت الخط الأحمر
كما أن الصحف لا تزال تنشر عن حجم الدعم الذي تقدمه الدولة للوقود، ما دفع البعض لاتهامها بأنها تهيئ الرأي العام لزيادة أخرى ستؤدي إن حدثت إلى زيادات في جميع أسعار السلع، وإن كانت أسعار الدواجن قد انخفضت ثلاثة جنيهات في سعر الكيلو.
وحملت الصحف نبأ مفرحا لمرضى الروماتيود، وهو أن الدولة ستتكفل بعلاجهم مجانا وصرف الأدوية لهم. ووصول عدد من تم فحصهم للكشف عن فيروس سي، أربعة ملايين من بين خمسين مليون سوف يشملهم الفحص، والانتهاء من قوائم الحالات الحرجة التي تحتاج جراحة على نفقة الدولة. واهتم آخرون من الذين اغتصبوا اراضي الدولة بالموجة الحادية عشرة من إزالة التعديات واستعادة الأراضي، ووصلت إلى ثلاثة ملايين متر مباني ومئة وستة وخمسين ألف فدان. وتوسعت الصحف في الاحتفال بيوم البحرية الموافق 21 أكتوبر/تشرين الأول 1967 حيث أغرقت لنشات الصواريخ المدمرة الإسرائيلية أيلات. كما توالت الكتابات عن انتصارات حرب أكتوبر وعيد القوات الجوية الذي يوافق الرابع عشر من أكتوبر حيث دارت معركة جوية في المنصورة بين الطائرات الإسرائيلية والمصرية، استمرت اربعا وخمسين دقيقة سقطت فيها ثمان وعشرون طائرة إسرائيلية، وللأسف لم يتم ذكر اسم قائد سلاح الطيران الذي أدار هذه المعركة وهو الرئيس الأسبق حسني مبارك. وإلى ما عندنا..
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي حيث شبه محمد السيد صالح في «المصري اليوم» اختفاءه بحادثة اختفاء الصحافي المصري في «الأهرام» رضا هلال عام 2003 وعدم معرفة مصيره حتى الآن.. هل مات أم قتل أم لا يزال حيا؟ وأين هو؟ ومن اختطفه؟ وتم إسدال ستار من النسيان على القضية بعكس جمال خاشقجي وقال محمد:
«على المواقع الإخبارية وصفحات الجرائد وعلى السوشيال ميديا تواتر اسم الزميل والصديق رضا هلال المختفي منذ عام 2003، في إطار المقاربة لما حدث مع جمال خاشقجي واختفائه الغامض داخل قنصلية بلاده في إسطنبول. عندى أكثر من حكاية عن رضا هلال، حيث اقتربت منه لمدة أربع سنوات قبل اختفائه، والطريف أنه رغم هذا القرب لم أعلم أنه بلدياتي ومن السنبلاوين بالتحديد، إلا بعد اختفائه. كان رضا صحافيا صاحب موقف عرفته من مقالاته في «الأهرام»، والموضوعات الرائعة التي كان يكتبها من تركيا حين كان مراسلا لـ«الأهرام» هناك، أو من الولايات المتحدة. قرأت كتابين له هما «السيف والهلال- تركيا من أتاتورك إلى أربكان- الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي»، وكذلك كتابه الأهم «المسيح اليهودي ونهاية العالم»، وهو كتاب كان يؤصل للعلاقة العقائدية بين تيارين بارزين، ديني وسياسي، في أمريكا.
وكان جورج بوش الابن ينتمى إليه وإسرائيل. أتذكر عرضا شيقا لهلال عن القضية في فضائية خليجية عملت فيها، وكان معنا ضيف آخر لا أتذكره حاليا، كان هلال هو من نحت مصطلح «بن لكن» وقلده آخرون. كانت أحداث سبتمبر/أيلول قد غيرت المعادلة في العالم كله، وتبارت تيارات عديدة منها إسلامية وقومية في تقديم بعض الأعذار لأسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة»، لكن رضا هلال انتقد هذا الموقف واصفا هذه الفرق بجماعات «بن لكن». رحم الله رضا إن كان ميتا واقتص ممن قتله. هكذا استوقفتني حكاية بسيطة لرضا هلال كما هو الحال مع خاشقجي حاليا. هكذا هي سيرة الصحافيين، خاصة من يتركون أثرا في الجماهير.
أشعر بالفخر أحيانا أنني أنتمي إلى هذه المهنة، فرغم كل المخاطر والمشاكل والأزمات التي تتعايش معها، فإننا أحيانا نؤمن وبالأدلة، بأننا لسنا في معزل عن الناس، بالطبع كما نفيدهم، فهم يهتمون بأمرنا. الفارق بين رضا وجمال، أن الأخير كانت قضيته أكثر حظوظا لحدوثها في أرض محايدة. أما رضا فإن من تخلصوا منه – غالبا- عملوا بعد ذلك على تضليل الرأي العام والعدالة وتخلصوا من كل الأدلة داخل مصر».
يتساءل عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» في مقاله: «لماذا نحن دون غيرنا عندنا هذا الكم من الخطاب المُغيَّب، والكلام الذي يهين العقل ويقضى على الفطرة الإنسانية؟ لماذا نحن دون غيرنا لا نستطيع أن نناقش قضية دون الدخول في ألف قضية فرعية لا علاقة لها بجوهر الموضوع المُثار؟ هل نتذكر كيف يرد البعض على رفضك منع المسيحيين من الصلاة في المنيا والاعتداء عليهم؟ فستجد الرد عند البعض: وماذا فعلتم لمسلمي الروهينجا الذين هُجِّروا من ديارهم وصاروا لاجئين؟ وهل نتذكر كيف تعامل البعض مع قضايا الإرهاب وكيف حاول الدواعش وحلفاؤهم أن يبرروا قتل الجنود والمدنيين والمسيحيين والشيعة، وكل مَن يخالفونهم تحت حجة أنهم عملاء «النظم الطاغوتية»، وهل نسينا كيف خلط بعض المؤيدين بين الدعم العاقل لأي نظام والتطبيل والفُجر في الخصومة وفبركة الأكاذيب الرخيصة حتى يبدو المجتمع ونخبته غير مؤهلين للمشاركة في الحكم لأن فيهم كل العِبَر؟ وقد أصبح لكل مُهلِّل مفردات خاصة، ألغت عقله وقضت على إنسانيته، وغابت لدى الكثيرين المشاعر الإنسانية الفطرية التي تعودنا عليها طوال الوقت في بلادنا نتيجة أسباب ثقافية وتعليمية وإعلامية.
هل وقع نظرك على كلام هؤلاء الذين يعتبرون الحملة الإعلامية ضد قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، مؤامرة دولية ضد السعودية، وكأن هذه الحملة هي التي قتلت الرجل؟ صحيح أن خبرتنا مع الغرب تقول إنه كثيرا ما يوظف أحداثا بعينها أو انتهاكات تجري عندنا لصالح أجندته السياسية، ولكن هذا لا يلغي وجود جوهر الموضوع، أي الحدث أو الخطأ أو الجريمة.
إن جوهر قضية خاشقجي هو في اختفائه أولا، ثم إعلان موته ثانيا، وليس موقفنا من سياسات أمريكا أو تركيا، أما عندنا فقد ترك بعضنا الموضوع الأصلي، «وهو موت إنسان»، وتمسك بكل توافه وهوامش الأمور، فنسمع فجأة كلاما عن صمت أمريكا، «مثل العرب والعالم»، على جرائم إسرائيل في فلسطين ومناطق أخرى، ونستمع لقصص عن جرائم أمريكا في فيتنام والعراق، ولا أفهم لماذا عندنا لا نجد تضامنا ضميريا وإنسانيا فطريا مع صحافي اعترفت حكومته بأنه قُتل في قنصليته، «دار الأمان»، مثلما فعلت كل صحف العالم؟ صادم أن يقول رئيس أكبر وأقدم جامعة عربية إنه متضامن مع السعودية في تحقيق جنائي حول موت صحافي في قنصلية بلده، أو أن يصف وكيل البرلمان ما جرى له بأن «مخطط قطر سيفشل وستبقى السعودية شامخة»، نعم سأتضامن مع السعودية ضد الإرهاب، وسأتضامن مع السعودية لو اعتدت عليها إيران، وسأتضامن معها في مواجهة أي تهديد لكيانها الوطني ودولتها، لأن التضامن الحقيقي معها سيكون بالعدل وجلاء الحقيقة كاملة وغير منقوصة، وهذا في حد ذاته أكبر تضامن مع الشعب السعودي ومع الإنسانية، لا ترديد نظرية المؤامرة لإخفاء جريمة بشعة».
أما محمد سعد عبد الحفيظ فكان عنوان مقاله في «الشروق» (لعنة خاشقجي): «في مقاله الأخير الذي نشرته «واشنطن بوست» الأمريكية قال الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي قتل مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي في قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية أن «العالم العربي كان مفعما بالأمل خلال ربيع عام 2011.. كان الصحافيون والأكاديميون وعامة الشعب يفيضون بتوقعات لمجتمع عربي مشرق وحر.. توقعوا التحرر من سيطرة حكوماتهم والتدخلات المستمرة والرقابة على المعلومات، لكن التوقعات بمجتمع عربي مشرق وحر سرعان ما تحطمت، هذه المجتمعات بعضها عاد إلى وضعه السابق أو واجه ظروفا أكثر قسوة من ذي قبل».
وتحت عنوان «أشد ما يحتاجه الوطن العربي هو حرية التعبير»، كتب خاشقجي «إن العرب يعيشون داخل بلدانهم إما غير مطلعين أو مضللين، فهم لا يستطيعون علاج مشاكلهم التي يمرون بها يوميا، ناهيك عن مناقشتها في العلن». صدق خاشقجي، فالعالم العربي بالفعل مضلل، الحكومات أحكمت قبضتها على المنابر الإعلامية، ظنا منها أنها تستطيع أن تتحكم في عقول مواطنيها، لا تعلم إنها بذلك تدفعهم دفعا إلى البحث عن الحقائق عبر منصات أخرى. ربما، إصرار خاشقجي في السنوات القليلة الماضية على توصيل صوت الأغلبية المكتومة من أبناء منطقته إلى منصات يثق فيها العالم، ربما، كانت سببا في قتله، فتراث المنطقة في التعامل مع أصحاب الرأي من معارضين وصحافيين وحقوقيين مليء بالدم والسجن والتضييق. المتابع لتاريخ دول المنطقة يعلم يقينا أن مقتل خاشقجي على يد مسؤولين يرون في صاحب الرأي المعارض خطرا على «أمن الدولة واستقرارها» ليس غريبا ولا حادثا معزولا، بغض النظر عن الروايات المتعارضة بشأن الوفاة، سواء تلك الصادرة عن السلطات السعودية بأنه قتل «إثر مشاجرة مع بعض الرجال في القنصلية»، أو المتداولة في وسائل الإعلام الدولية عن تعرضه «للقتل العمد». بعد اختفاء خاشقجي في قنصلية بلاده بأيام، أكد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة مع وكالة أنباء بلومبرغ، أن الصحافي المعارض أنهى أوراقه في القنصلية ورحل بعد 20 دقيقة، الرواية نفسها قدمها القنصل لمحرري وكالة رويترز خلال جولة في القنصلية، حاول فيها أن يثبت لهم أن خاشقجي ليس موجودا لديهم، تمسك المسؤولون السعوديون بتلك الرواية، لحين خرج النائب العام السعودي ليعلن «وفاة المواطن جمال خاشقجي إثر مشاجرة مع بعض الأشخاص في القنصلية» وأن سلطات المملكة في الرياض تعرضت للتضليل من جانب المتورطين في الحادث، الذين حاولوا التستر عليه. ردود أفعال دوائر الإعلام والسياسة في العالم، بل والتصريحات الصادرة من الرياض تشير إلى أن الرواية السعودية لن تكون نهاية المطاف، في ظل الضغوط التي يمارسها الإعلام والمجتمع المدني والكونغرس في أمريكا على إدارة الرئيس ترامب، التي بدت أنها تسعى إلى قبول الرواية السعودية. قتل خاشقجي أريد به، ليس فقط كتم صوته، أو دفن الأسرار التي حملها بحكم قربه سنوات من دوائر السلطات السعودية، بل توصيل رسالة إلى كل من تسوّل له نفسه ويشرد عن القطيع ويرفع صوته في وجه تلك الأنظمة، «لا صوت يعلو فوق صوتنا.. ولا رأى يخالف رأينا.. لنا العزة والحكمة». رغم قتله، خرج خاشقجي منتصرا ليس لنفسه فقط، بل للصحافيين وللصحافة كأداة لكشف الظلم. رد خاشقجي للصحافة في منطقتنا بعضا من تأثيرها ووزنها.. والنتيجة أن العالم تنبه إلى الجرائم التي ترتكب في حق صحافيي العالم العربي، والظن أن ما جرى مع الصحافي المعارض لن يتكرر مرة أخرى على الأقل في القريب المنظور، فاللعنة في انتظار كل من يحاول».
والتزمت الصحف الحكومية الصمت إزاء القضية في ما عدا «الأهرام» التي أشار فيها مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام إلى مسؤولية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وانتقد الأنظمة العربية، مطالبا باتاحتها الفرصة أمام حرية الرأي في بلادها. وقال تحت عنوان «ماذا بعد اعتراف السعودية؟»: «حسنا أن غادرت الدولة السعودية دائرة الإنكار التام، لتعلــن في بيان رسمي أن الصحافي السعودي جمال خاشقجي قُتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، خلال مشادة تطورت إلى عراك وقتال بينه وبين مجموعة من المواطنين السعوديين داخل القنصلية، بما يؤكد رغبة السعودية في كشف غموض الحادث وتقديم المتورطين إلى العدالة.
وبصرف النظر عن الخلافات بين الرواية السعودية وما سربه المسؤولون الأتراك عن قصة قتل خاشقجي، فإن اعتراف السعودية الأخير بأن التحقيقات التي يجريها المدعي العام السعودي أثبتت مسؤولية 18 شخصا سعوديا، لكن ثمة أسئلة عديدة يتعلق بعضها بموقف ولي العهد السعودي، لا تزال بغير إجابات شافية بما يجعل القفز إلى نتائج مؤكدة الآن أمرا صعبا، لكن ما من شك أن تعاون الدولة السعودية للكشف عن أبعاد الحادث، يكشف عن موقف مسؤول يرعى مصالح الدولة السعودية، بصرف النظر عن الأشخاص، وقد يكون من الصعوبة بمكان التنبؤ بتطورات قضية خاشقجي وانعكاساتها المحتملة على الدولة السعودية وعلى ولي العهد والعالم العربي على وجه العموم، لكن من المهم ولمصلحة السعودية كدولة ولمصلحة العالم العربي أن تجرى مراجعة شاملة لموقف الحكومات العربية من قضية حرية التعبير، التي أصبحت واحدة من حقوق الإنسان يصعب تجاهلها وتتطلب في الوقت نفسه مراجعة شاملة من جانب الحكومات العربية ،تحافظ على ضماناتها الأساسية التي تكفل حرية الرأى وحق الاختلاف في إطار سلمي، متى كان واضحا أنها لن تكون في خدمة التطرف والعنصرية».
انتقال الصحافة إلى مرحلة التسريبات هو أمر بغيض في صلاحية الخبر ومصداقيته ودرجة الوثوق فيه، في رأي فراج إسماعيل في «المصريون»، لأنها مرحلة تنبئ بأشياء كثيرة سلبية. أولها أن الخبر المؤكد لم يعد متاحا، وأن المصادر لا تتعاطى مع الصحافيين مخافة العواقب. ثانيا.. غلبة الخطوط والدوائر الحمراء حتى أصبح المرور منها صعبا أو عملية انتحارية. ثالثا مهارات الصحافي المخبر التي تقلصت كثيرا في عالمنا العربي وباتت نوتة التليفونات الشهيرة ضحلة جدا أو غير ذات أهمية. في الصحافة الغربية الأمر يختلف. الصحافي المخبر المتصل بمصادره ما يزال متقدما الصفوف ويحظى بالرعاية والأهمية والتقدير، كونه المهاجم الذي يحمل رقم 10 ويسجل الأهداف. نزق التسريبات بدأ بتجربة ويكيليكس التي ظهرت على الإنترنت 2006 لنشر تقارير خاصة سرية من تسريبات إخبارية مجهولة. صاحبها جوليان أسانج، ناشط إنترنت أسترالي. استقطبت التجربة اهتمام العالم وصارت مصدرا للأخبار لصحف العالم، خصوصا أنها اعتمدت على تسريب وثائق بالغة الأهمية تتعلق بالبرقيات الدبلوماسية للخارجية الأمريكية، والحرب في أفغانستان والعراق. فاز موقع ويكيليكس بعدة جوائز صحافية مرموقة، مع أنها كانت في الحقيقة صرخة عالية من تراجع الحريات الصحافية التي لم تسمح للصحافة باقتناص أخبارها بوسائل مشروعة وفي الضوء. بعض الصحافيين العرب أعجبتهم الفكرة لكن لم تنقذهم قدراتهم، فهم لا يملكون وثائق مثل أسانج، وإنما يتحدثون عن إشاعات بوصفها تسريبات، وهذا هو الفارق بين تسريبات ويكيليكس وتسريباتهم. الأول له مصادره التي تسرب له الوثائق والبرقيات السرية لينشرها، بينما التسريبات العربية تعتمد على ما يشبه كلام المقاهي. ظهر حديثا موقع عربي باسم «تسريبات» يركز على القنوات الفضائية البارزة مثل «أم بي سي» و«الجزيرة» و«العربية» و«الحدث» وغيرها من القنوات التي تقضم معظم كعكة المشاهدين العرب. لكن الملاحظ هنا أن الخبر يأتي في صيغة تحتمل الكذب أكثر من الصدق، ولا يمكن التأكد من درجة صحته. ربما قيل خلال جلسة على مقهى أو دردشة عابرة ونقلها الصحافي وكتبها. وربما اخترعها بواسطة انطباعاته وخياله. إذا وصلت الصحافة العربية لهذا المستوى فالأمر جد خطير، لأنه يعني وفاة صحافة الخبر وجر صحافة الرأي إلى التعليق على الإشاعات باعتبارها تسريبات لحقائق ربما لم تحدث إطلاقا إلا في خيال كاتبيها».
«العرب ظاهرة صوتية» هكذا وصف المفكر عبدالله القصيمي العرب في كتاب بهذا العنوان. الكتاب صدر بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، التي داهمت المواطن العربي بعد سنين طويلة كان ينام ويستيقظ فيها على أنشودة: «أمجاد يا عرب يا أمجاد»، ويسكر فيها بخمر الكلمة التي لا تُعبّر عن واقعه المرهق والمتراجع، بل تأخذه بعيدا عنه، ليفيق في النهاية على الكارثة. كتاب القصيمي حسب رأي محمود خليل في «الوطن»، أتى تعبيرا عن حالة جَلد للذات والسخرية المرة من النفس بعد النكسة، لكنه كان يحمل توصيفا لواحدة من السمات الأساسية التي تدمغ الشخصية العربية عموما، وهي السمة نفسها التي أدارت رأس المصريين بعد دخول العرب إلى مصر، فجعلتهم يؤدون بالطريقة المزرية نفسها، فعاشوا في خيالات الأغاني والخطب العنترية والأناشيد القومية حتى استيقظوا على الهزيمة المرة.
العرب أقوام تعيش في اللغة أكثر مما تعيش في الواقع، لذا فقد اشتُهروا بالشعر أكثر من غيره من الأجناس الأدبية، لأن الشعر غناء. لديهم غرام خاص بفكرة الأسواق التي يتبارى فيها صناع الكلام في «حلبة الكلام». ولست أجد حال الإعلام العربي في اللحظة الراهنة بعيدا عن تلك الحالة التي عاشها العرب في أسواقهم الأدبية، مثل سوق عكاظ. أغراض الشعر العربى القديم لا تفارق كثيرا أهداف أي رسالة إعلامية عربية معاصرة. زمان كان الشعر مدحا أو ذما أو بكاء على الأطلال ولطما عليها، أو غزلا عفيفا أو صريحا، أو مناظرات وتبادلا للسب والشتم في ما عُرف بشعر «النقائض».
لو أنك تأملت المشهد الإعلامي المصري أو العربي المعاصر فستجد أننا لم نبتعد كثيرا عن تلك الأغراض. فالإعلام لدينا يتراوح بين المدح الذي يرفع أشخاصا أو مؤسسات أو دولا إلى مستوى التأليه، أو سبا وشتما واتهاما لآخرين بكل نقيصة، أو مناظرات يتبارى فيها طرفان في الجعجعة اللفظية التي تتوه فيها الحقائق، أو بكاء ولطما على الأزمات والكوارث التي تتواتر في حياتنا فتُفسد علينا أمرنا، وتشدنا أكثر نحو القاع. إنه إعلام الجهل وأنصاف الموهوبين. صرخ العرب وهاج المصريون وماجوا بعد نكسة يونيو، ارتفعت أصواتهم وجلجلت حناجرهم بالحديث عن «المؤامرة» العالمية التي حيكت لنا، ورغم انتصارنا في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 لم يزل تفكير الكثيرين يأبى الخروج من مربع «المؤامرة». أشر إلى أي دولة عربية لا يفسر أهلها أزماتهم ومشكلاتهم بعيدا عن هذا المربع. الجميع يتحدث عن المؤامرة، وواقع الحال أن العالم كله يتآمر على بعضه بعضا، العرب أنفسهم يتآمرون على بعضهم. وفي سيرك المؤامرات ينجح من يجيد اللعب على حمق خصمه. الآخر يتآمر على العرب، هذه حقيقة، لكنه ينجح بفضل الحمقى الذي يسهّلون له إنفاذ مؤامراته ويساعدونه بغبائهم على نجاحها. لا ينجح متآمر إلا بغباء أحمق. مشكلة العرب أن بلادهم لا تُدار بفكر مؤسسي، بل باجتهادات أشخاص، بسبب ميلهم إلى الفردية وبُعدهم عن الحكم القائم على المؤسسات، وترك الأمور في يد أفراد يمثل رهانا خطيرا على مستقبل أي أمة، لأن خطأ الفرد في هذه الحالة قد يضيع أمة بكاملها. قبل أن يُجعجع البعض بالحديث عن المؤامرات التي يحيكها لنا الآخر، عليهم أن يستخرجوا المؤامرة التي تتسكع في أعينهم».
ارتفاع أسعار الفواكه والخضراوات كان موضوعا كتب عنه كيرلس مجدي في «الوطن قائلا: «بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخضراوات والفاكهة في الأسواق، ناشدت مديرية الزراعة في الإسكندرية، المواطنين والعاملين، لزراعة سطوح المنازل والمباني الحكومية والخاصة بالخضراوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك ضمن المبادرة التي أطلقتها منذ عامين، ولم تلقَ أي استجابة.
الدكتور مصطفى البخشوان، وكيل وزارة الزراعة في المحافظة، قال إن المواطن يحتاج إلى ثقافة ووعي بأهمية زراعة السطوح، مؤكدا أن المديرية نظمت ندوات تثقيفية عديدة لتوعية المواطن بزراعة السطوح ومساعدته في تهيئة الظروف المناسبة للزراعة، إلا أن المديرية لم تجد أي رد فعل إيجابي. وأكدت المهندسة مها فوزي، إخصائية زراعة السطوح في مديرية الزراعة، أن الاهتمام بزراعة السطوح يعد أمرا ضروريا في الفترة الحالية، لما تعود به من نفع اقتصادي كزيادة الدخل من خلال بيع الحصاد إذا كان كبيرا، ونفع إنساني لما تحققه من اكتفاء ذاتي وبيئى حيث تساعد على التجميل وخلق بيئة نظيفة من خلال زيادة الرقعة الخضراء.
ولفتت مها إلى أنه من الممكن أن يوفر المواطن من خلال زراعة السطوح على الأقل مكونات طبق السلطة، الذي ارتفع ثمنه حاليا مع ارتفاع أسعار الطماطم والخيار والخضراوات الورقية كالجرجير والبقدونس وغيرها، موضحة أن زراعة السطوح لا تعني سطوح المنازل فقط، بل سطوح المؤسسات والمباني الحكومية والخاصة. وأضافت أن من شروط تلك الزراعة أن يكون السطح خاليا من أي مصادر تلوث ويكون بعيدا عن أي مصدر تلوث خارجي، وبعيدا عن التيارات الهوائية من خلال إنشاء مصدات هواء، بالإضافة إلى حتمية وجود مصدر الشمس على السطح لمدة 6 ساعات على الأقل».
الرسام تامر في «الأهرام» أخبرنا أنه ذهب لزيارة جاره فوجده يصرخ في زوجته وقد أخرج جيبي بنطلونه ويقول لها: دفاية أيه اللي عايزة نجيبها عشان الشتا كفاية علينا نار الأسعار.
وإلى المشاكل والانتقادات، حيث أثار في «أخبار اليوم» يسري الفخراني مشكلة خطيرة هي تفشي تعاطي المخدرات بين الشباب من الجنسين، ونصح الآباء بالتالي: «أرجو من كل أب يقرأ هذا المقال أن يذهب بابنه أو ابنته لإجراء تحليل يثبت أو ينفي تعاطي المخدرات، لا بد أن نواجه الأزمة لا أن نؤجلها أو ننكرها. انتشار تعاطي المخدرات بأنواعها بلغت حد الخطر وبمراجعة النسبة المفجعة التي وصلت لها حالات الطلاق التي تركت في كل بيت طفلا أو أكثر يفتقد كود الأمان العائلي، سنعرف أن ملايين من الشباب والفتيات وجدوا بابا مواربا على تجربة المخدرات أو إدمانها. لدينا أزمة تجاوزت الخط الأحمر وهو ميراث من سنوات الانفتاح التي أسست لدخول ثروات المخدرات في تغيير نظام المجتمع وتركيبته الإنسانية وطبقاته الطبيعية، الثراء غير المبرر لأشخاص بعينهم وقدراتهم على إزاحة كل حدود الأمان لنشر تجارتهم في كل بيت وكل شارع وكل قرية ومدينة ومدرسة وجامعة، أربكت كل الحسابات لتنمية المجتمع ودهست الأصول والتقاليد والمنطق ومهدت الطريق لدروشة وتغييب العقول».
ومن وباء المخدرات إلى مصائب نظام البيع بالتقسيط الذي قال عنه محمد عمر في العدد نفسه من «أخبار اليوم»: «بعد «خراب مالطا» وما حولها، تنبه البنك المركزي إلا قليلا لخطورة البيع بالتقسيط، فأصدر تعليمات قيل إنها أكثر تشددا في منح القروض لأصحاب «سوق القسط والمتحكمين فيه». صحيح أن التقسيط كان نعمة وفرصة للبعض «للمنظرة» و«البغددة»، لكنه كان في الحقيقة نكبة ووبالا على البلد كله، مازلنا نعاني منه «لأنه أشبه في خطورته وتداعياته السلبية بقرار «السح الدح أمبو» المعروف بالانفتاح الاقتصادي، فالقسط أو التقسيط نسف مبادئ القناعة «وعلى قد لحافك مد رجليك» «واللي يبص لفوق يتعب» ورفع سقف التطلعات إلى ما لانهاية، وخلق حالة سعار ونهم للرغبة في التملك وامتلاك كل شيء وأي شيء بما تيسر من مقدم، وعلى فترات وأقساط، وظلت الحكومات خايفة أن توقف سفه واجتياح التقسيط، لأن فيه مكسبا لها من جمارك وضرائب، وحتى لا تتهم أنها ضد «الغلابة» ومحدودي الدخل، لكنها لم تضع في اعتبارها أو تراعي أنها بتركها ذلك النظام ينتشر ويتوغل ويتمدد، فقد أخلت بكل شيء وضربت المجتمع كله في مقتل».
أما مشكلة الخسائر التي تعاني منها مصانع الإسمنت وأدت إلى إغلاق العديد منها فكانت موضوع تحقيق هاجر حجازي في «الأهرام» في صفحة الاقتصاد وجاء فيه: «يقول مدحت إسطفانوس رئيس شعبة الإسمنت في اتحاد الصناعات، إن التغيير الذي طرأ على أسعار الإسمنت ليس رفعاُ لأسعاره، بل خفضا لنسبة الخصم من قبل الصناع، موضحا أن قطاع صناعة الإسمنت يعانى خسائر فادحة، خاصة في الأشهر الستة الماضية مع ارتفاع تكلفة الإنتاج وتراكم الفائض في الإنتاج، ليصل لنحو 30 مليون طن إسمنت. وتراجع المبيعات على المستوى المحلي، ما دفع المصنعين للبيع بأسعار أقل من التكلفة الحقيقية، أي البيع بخصومات من أجل التخلص من فائض الإنتاج، لكن مع زيادة الخسائر جاءت خطوة تقليل الخصم أو رفع الأسعار، كما تقولون. وأكد أن تداعيات الخسائر دفعت إحدى الشركات الكبرى للخروج من السوق بعد وصول خسائرها لمليارات، مشيرا إلى أن شركتين فقط صمدتا فترة وجيزة أمام هذه التحديات وهما العربية للإسمنت وإسمنت بنى سويف. وأوضح إسطفانوس أن العرض والطلب سيحكم الأسعار، وهو ما ستكشفه الأسابيع القليلة المقبلة، رغم أن المؤشرات المبدئية تشير لحالة ركود في حركة البناء».
«إصلاح التعليم جزء منه في المدارس، لكن هناك أفكارا أخرى تحتاج نظرة، تحديدا حياة طالب العلم في مصر، فكل تلميذ عندنا يعيش مُطارَدا، حسب رأي عمر طاهر في «المصري اليوم»، مطاردا من الأب والأم اللذين يعتبران الثانوية العامة هي الاختبار الحقيقي لمسألة «البنوة»، فمقياس أن الابن بار يتناسب طرديا مع مجموعه في الثانوية العامة، الأب والأم يُحمِّلان الطالب نظرة المجتمع إليهما، مُحاطة بمصطلحات: «الخوف من أن الناس يقولوا ما خلّفتش» أو «تعالى تِفّ في وشي لو فلحت»، أو على أقل تقدير «آدي اللي أنت فالح فيه». مُطارَد من ثقته المفقودة في منظومة الامتحانات، سواء بالقصص المتداولة عن الغش الجماعي أو اللجان الخاصة لأبناء المسؤولين أو صفر الطالبة «مريم» أو التصحيح العشوائي أو أخطاء جمع الدرجات، كل هذه القصص التي تضرب عدالة فكرة الامتحان في مقتل. مطارَد من نجوم المجتمع الذين يظهرون في البرامج التلفزيونية، فكل الذين يحبهم ويحترمهم يتحدثون في البرامج عن ذكرياتهم في المدرسة، وكلهم فخر بـ«قد إيه كانوا طلبة فاشلين»، يتفننون في الحديث عن ملامح الفشل والتزويغ وسرقة فلوس الدرس، الأمر الذي قد يجعل البعض يؤمن بأن طريق النجومية والشهرة يبدأ بالفشل في الدراسة. مُطارَد من فكر عقيم، لا يربط بين مهارات الطالب الشخصية وأحلامه وما يجب أن يدرسه، ولا يراهن على العقل قدر الرهان على «الميموري كارد» الموجود داخل العقل، طريقة تعليم تسعى بكل جهدها لأن يتعلم الطالب طريقة تركيب كلوريد الميثان، بدون أن تعلمه كيف يمكن أن يفيده هذا في مستقبله. مُطارَد من مجتمع يضخ يوميا إلى الفضاء الإلكتروني قصصا تحكي أن السلطة تحتاج إلى أقل مجموع ممكن في الثانوية العامة، وأن الامتيازات لها طرق أخرى بخلاف التفوق. مُطارَد من سؤال لا أحد يجيب عنه: أين الآن أوائل الثانوية العامة في مصر على مدى الأعوام الخمسة والعشرين السابقة، كم واحدا منهم تضعه الدولة فوق رأسها، وكم واحدا منهم «ماشيين جنب الحيطة؟».