خالد صبيح: علينا زرع عقلية التشكيك وعدم تصديق الصحافة المستجدة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

مواقع التواصل تفيض بالأخبار الزائفة ومروجوها تجّار يبعيون ويشترون

بيروت-“القدس العربي”: بات للأخبار الزائفة فريق عمل يتحقق منها في المؤسسات الصحافية. منذ القديم وهذه الأخبار موجودة لسبب أو لآخر، ولم تكن يوماً من دون مقاصد. في عصر كل مواطن صحافي بعد توافر الهاتف الذكي، باتت الأخبار الكاذبة كما المطر.

 ابتكر الخبر الكاذب في عالم الصحافة على أنواعها موقعاً مهنياً جديداً بهدف التحقق من صدقيته، وخاصة في وكالات الأنباء الدولية التي تبثّ أخبارها على العالم.

إلى الخبر الكاذب تضاف الصورة المزيفة والمركبة وهي عالم قائم بذاته. فالتحقق من صدقيتها يحتاج أجوبة على أسئلة كثيرة، ويحتاج سعة اطلاع وتبصر.

“القدس العربي” حاورت مسؤول خدمة تقصي صحة الأخبار باللغة العربية في وكالة الصحافة الفرنسية الزميل خالد صبيح. وهنا التفاصيل:

*متى توليت مهمتك هذه؟

**أعمل في الوكالة منذ 12 سنة، وفي سنة 2017 قررت الوكالة إنشاء هذه الخدمة. مهمة التحقق من الأخبار له أقسام خاصة ضمن الوكالة الفرنسية، ويطال 15 لغة على صعيد العالم. وفي شباط/فبراير سنة 2018 بدأ قسم اللغة العربية وتوليت مسؤوليته.

*ما هو الزاد الذي يجب أن يتحلى به الصحافي ليفرق بين الخبر الكاذب والصحيح؟

**وسائل الإعلام هي أقل نشراً للأخبار الكاذبة من مواقع التواصل الاجتماعي. ومهمة ضبطها مراقبة دائمة لمواقع التواصل. وأن يكون المختص بتلك الخدمة من المنطقة المعني بها وعارفاً بتفاصيلها. وفي المرحلة الثالثة تأتي أهمية الأدوات التقنية، وهي لن تكون ذات منفعة وفائدة إن كانت في متناول شخص غير صحافي وغير شكاك، وغير مطلع على تعقيدات وتشابكات المنطقة المعني بها. الصحافي المتمكن يستند إلى معرفته المتينة ومن ثم إلهامه ليحكم على فيديو أو صورة، ومن ثم يطلب مساعدة التقنيات.

*وما هي تلك التقنيات؟

**قد يتبادر للذهن أنها معقدة جداً. عملياً تُقسّم الأخبار الكاذبة نفسها إلى ثلاثة أنواع بحكم الطبيعة. خبر نصي، أو صورة أو فيديو. فأي خبر كاذب يصل عبر فيسبوك، تويتر أو إنستغرام وقد ينتقل منها إلى شاشات التلفزيون أو المواقع الإخبارية. التثبت من الخبر النصّي يعرفه الصحافي بطبيعة عمله. مثلاً في أحد الأيام الأولى من ثورة 17 تشرين الأول/اكتوبر انتشر خبر بقوة على مواقع التواصل بأن الجيش أعلن حالة الطوارئ بدءاً من منتصف الليل. كنا مجموعة زملاء وبلغنا الخبر، وكل منا راح يتحقق منه إما بالدخول إلى صفحة مديرية التوجيه، أو عبر غوغل بكتابة كلمة مفتاح “منع تجول الجيش اللبناني” وتواجده على مواقع غير ذات صدقية أضعفه. ولو سلمنا جدلاً بصحته فسيحتل الشاشات والمواقع. إذاً الخبر النصي يحتاج فقط إلى أدوات ذهنية، ومنها فرصتنا المتاحة بالتأكد من الخبر من المصدر بدءاً من قيادة الجيش. مع الإشارة أن الوكالة العالمية لها قدرة تفكيك الأخبار الكاذبة والمتشابكة في العالم من خلال مكاتبها.

*وبما أننا في عصر الصورة والفيديو كيف تُركّب الصور المزيفة وكيف تُكشف؟

**بالتأكيد الخبر المرفق بصورة أو فيديو أكثر جاذبية للقراءة. النوع الثاني من الأخبار الكاذبة أي الصورة والفيديو يخضعان لأسلوب تعامل واحد. ينطلق البحث من نظرة الصحافي الأولى والتي قد تدفعه للشك. منها الإدعاء أن التصوير صيفاً فيما الدلائل تقول بأنه في الشتاء. الإدعاء بأن الصورة مأخوذة في السعودية، بينما زي النساء فيها لا يمت للسعودية بصلة. حتى لون العيون يدخل في تأكيد أو نفي صدقية الصورة أو الفيديو. أما المظاهرات التي اشتغلت عليها شخصياً في لبنان والعالم العربي، بمجرد ورؤية الفيديو أو الصورة أدرك صدقيتها  وبالنظرة الأولى، وهذا يدخل ضمن العناصر المثيرة للشك والتي تفرض الإنتقال إلى المرحلة الثانية. وهي تتمثل في استخدام محركات البحث المتعددة على غوغل والمتوفرة للجميع. وبعد الوصول إلى نتائج معينة قد استعين بمكتب الوكالة الفرنسية في البلد الذي تنتمي الصورة له.

*أن تضع وسائط التواصل الاجتماعي الصحافة في بحث متواصل للتحقق من خبر أو صورة فهل هي حرب؟ أم ماذا؟

**المحرك الأساسي في ذهن الصحافي إدراكه أنه في مقابل كل خبر يتم تكذيبه في مقابله مئة خبر آخر كاذب يُبث. وإن وصل التكذيب إلى ألف قارئ، فعشرة آلاف لن يقرؤوه. وثمة دراسة أوروبية مقلقة جرت قبل حوالي سنة، تقول إن الخبر الكاذب يصل لجزء من القرّاء وتصحيحه يصل إلى جزء أقل. وهذا ما نلمسه في لبنان مراراً. بكشف جريمة ما والقول إن لاجئاً سورياً ارتكبها يفيض منسوب العنصرية على مواقع التواصل، وتقابله مواقف رافضة، وهذه طبيعة البشر. وعندما يتم تكذيب الخبر يكون مفعوله ضعيفاً لأن الإنطباع الأول يغلب. ما نسعى له كوكالة إلى جانب كافة العاملين في الإعلام، أن يكون الشك بالخبر ثقافة مجتمعية. وفي وكالة الصحافة الفرنسية نسند التقارير التي ننشرها إلى خلفيتها. على سبيل المثال في بورما ارتكابات بحق الأقلية المسلمة تصل حدود الإبادة الجماعية بحسب تقارير الأمم المتحدة. واليوم تحديداً كنت حيال صورة تدعي أنها من بورما وتمّ إثبات زيفها. وهنا لا ننفي أصل القضية بل هذا التفصيل. معيار الأخذ بالخبر أو الصورة هو المصدر الموثوق. لهذا من شأن العاملين في الإعلام وفي كل أرجاء العالم وبكل اللغات ضرب الأخبار الكاذبة، وهذا  يعيد ثقة الناس بالوسائل الإعلامية التقليدية.

*وهل لوسائل الإعلام التقليدية أن تستعيد حضورها وغالبية الناس تتلقى الخبر من مواقع التواصل؟

**إن سألنا لماذا نشر الخبر الكاذب؟ قد يرد البعض بأن الهدف سياسي، أو ديني أو صراع آخر ما. كمثل القول اليهودية أفضل من المسيحية أو الشيعة أفضل من السنّة، أو الاشتراكية أفضل من اليمين. إذاً الخبر الكاذب يخاطبني، أو يخاطب مشاعري وعواطفي لهذا أميل لتصديقه. ولهذا يردد البعض بأنه شارك الفيديو. وإن سألنا إن تأكد منه يأتي الرد: “لا بس هني بيعملو هيك بإسرائيل”؟ من جهتي اعتقدت لزمن بأن الرئيس المصري انور السادات قصف سد النهضة الأثيوبي في بداية تشييده. واليوم بالتحديد علمت بأن الخبر عار من الصحة. كذلك الأمر بالنسبة لصورة الجندي المصري وهو يقرأ القرآن في أحد الخنادق خلال حرب سنة 1973 فالصورة تعود للحرب العراقية الإيرانية. إذاً يجب زرع عقلية التشكيك. وعندما يسأل الناس: ألا يجب أن نصدق أي شيء على مواقع التواصل؟ الرد: بالتأكيد لا تصدقوا.

*أنت مقتنع بتحقيق النجاح في هذه المعركة؟

**آمل أن استمرار الجهود الحالية في مكافحة الأخبار الكاذبة ومن خلال منصّات متعددة، ووكالات الإعلام العالمية عبر العالم، سيثمر بعد سنوات بتشكيك مطلق بكل الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي. وكل ما يصلنا عبر واتسأب أو غيره كاذب إلى أن يثبت العكس، أي بنشره عبر وسيلة إعلام موثوقة.

*وهل تستسلم “الصحافة” المستجدة بسهولة؟

**مهنياً عملت على أخبار الحرب في سوريا منذ سنة 2011 إلى سنة 2013 ويمكنني القول إن وسائل إعلام مرموقة وتحترم نفسها، وصحافيين جديين كانت مواقع التواصل مصدرها الوحيد للخبر، ولم يكن لديها حل آخر. وهذا شكل دافعاً للتثبت من صحة الخبر بقدر الممكن. فأي منطقة في العالم تمارس تعتيماً اعلامياً على قضية معينة، تتمكن مواقع التواصل من خرقه. إذ يمكن للمواطن التصوير والنشر وبأسماء مستعارة. إذاً حظر الأنظمة خلق صحافيين دائمين على الأرض. وفي المرحلة الأولى من الحرب السورية ضجت مواقع التواصل بالأخبار الصحيحة التي لم تكن وسائل الإعلام قادرة على الوصول إليها بسبب الحظر. ومع الوقت صارت مواقع التواصل مصدراً لبحر من الأخبار الكاذبة تعبّر عن أفكار الأطراف المختلفة.

*منطقتنا العربية مشتعلة بالحروب فهل غذتها مواقع التواصل؟

**لأن البعض كان لديه رغبة نشر ما لا تنشره وسائل الإعلام، انتشرت فكرة الصحافي المواطن. وللأسف تحولت سريعاً من فكرة جيدة لخرق الحظر إلى اصطفاف حزبي وطائفي وديني وعرقي وعنصري وترويج لأخبار كاذبة. إنما هناك صادقون.

*من يروّج الأخبار الكاذبة؟ وما هي المواقع التي تقوم بذلك؟

**الانطباع الأول الذي نخلص إليه أنها فعل محاور سياسية، وهذا استسهال. والمفاجأة أن المواقع التي تطلق أخباراً كاذبة دوافعها تجارية. من يملك حساباً على تويتر يقرأ إعلانات كمثل “للبيع حساب على تويتر عليه 6 آلاف متابع”. أو للبيع صفحة على فيسبوك عليها مليون متابع. من يحصل على مليون متابع هو الذي يفهم نفسية الجماعات التي يعيش بينها. مثلاً الجماعة المسلمة تميل لتصديق أي شيء يصيب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وما يصيب الروهينغا في بورما أو الأيغور الصينيين. وكب أي مادة سيصدقها المتعاطف مع القضية للأسف، ويصار إلى لايك، شير، فولوو وهذا ما يرفع من قيمة الصفحة. منشئ تلك الصفحة سيبيعها لاحقاً لدكان ملابس. في إقليمنا العربي صفحات كانت تحمل عناوين تحرير شعوب من أنظمة، والمذهل تحولها لشخص مشهور ببيع العطور. بيع للتحرير والتطهير يهدف لرفع المشاهدات. نحن نشتبه ولسنا حيال نتيجة حاسمة، فضخ الأخبار الكاذبة هدفه الترويج للصفحة والأشخاص. وهؤلاء يستفيدون من وجود توترات طائفية وعرقية وسياسية.

*هل أنت حيال عمل صعب؟

**جداً، ويحتاج لهوس مهني بالتدقيق مهما صرفنا من وقت وصولاً إلى الملل.

*وهل واجهك العجز؟

**طبعاً وكثيراً. وأذكر صورة لأبي بكر البغدادي يركب عربة هامير أمريكية. حاولنا عبر غوغل تقدير المكان فلم نجد سلسة جبال، ولم نفهم نوع الشجر. الصورة مشوشة قصداً، مما يدل على أن الجهة المنفذة محترفة في الكذب.

*ومتى ينتهي هذا الصراع بين الزيف والحقيقة؟

**لن ينتهي بل سينحسر. الأخبار الكاذبة عمرها بعمر البشرية. الحاصل أن قوة الانتشار تسارعت، وتسارعت المكافحة في المقابل. وهكذا تأهلنا معاً إلى مرتبة أخرى، فنحن في كر وفر. والأمانة تقتضي القول إن وسائل الإعلام أمام فرصة ذهبية لتأهيل نفسها. صحيح أنها تتأخر لكنها تعطي المعلومة الصحيحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية