خانقين مدينة عراقية تقع على الحدود الشرقية للعراق مع إيران، إداريا تمثل قضاء تابعا لمحافظة ديالى، بلغ عدد سكّانها أكثر من 160 ألف نسمة حسب التقدير الإحصائي لعام 2017. التشكيلة السكانية للمدينة تضم تنوعا إثنيا، إذ تسكنها أغلبية كردية من الفيلية الناطقين باللغة الكلهورية بالإضافة إلى العرب والتركمان، أما دينيا فأنها تضم المسلمين من الطائفتين الشيعية والسنية بالإضافة لوجود الطائفة الكاكائية التي يعيش أفرادها في عدة قرى تحيط بخانقين، والكاكائية من الطوائف الباطنية التي اختلف الباحثون في أصلها وتحولاتها التاريخية، إذ يُعتقد أنها طائفة أو طريقة صوفية إسلامية انشقت عن الإسلام واختلطت بديانات شرقية كالزرادشتية وتحولت إلى دين جديد يطلق عليه اليارسانية. أما الكاكائيون فأنهم يطلقون على أنفسهم تسمية «أهل الحق». كما عاشت في المدينة عوائل يهودية عراقية وكان لهم معبد تم بناؤه في مدخل محلة حاجي محلة، وقد شغلت البناية بعد هجرة اليهود مطلع الخمسينيات مدرسة ابتدائية للبنات، ومن ثم متوسطة للبنين، ومع بداية السبعينيات هدمت بلدية المدينة بناية المعبد اليهودي. كذلك عاشت في المدينة عدة عوائل مسيحية، وقد بنيت فيها مطلع الخمسينيات كنيسة البشارة في محلة باشا كوبري، لكن مسيحيي المدينة أيضا هجروها لمختلف الأسباب والظروف التي نكبت هذه المدينة الوادعة.
على الصعيد الاقتصادي تتميز خانقين بكونها من المدن النفطية المهمة في العراق، إذ تمثل ثاني أكبر منطقة نفطية في شمال العراق بعد مدينة كركوك، وفيها حقل نفطي ومصفى لتكرير النفط هو مصفى الوند الذي أنشأ عام 1927 بطاقة إنتاجية تُقدّر بـ 12000 برميل يوميا. كما تحوي خانقين على سد الوند الذي أقيم على نهر الوند وتبلغ سعته التخزينية حوالي 40 مليون متر مكعب، ويقع في جنوب شرق قضاء خانقين على بعد 5 كم عن مركز المدينة، وتطل على بحيرة السد مناطق شكلت عاملا مشجعا للاستثمار السياحي في المدينة. بالإضافة إلى ذلك، تشتهر خانقين بكونها مدينة زراعية مميزة تحيط بها العديد من بستاين النخيل والفاكهة بسبب خصوبة الأرض والوفرة المائية، إذ يقسم نهر الوند المتحدر من المرتفعات الإيرانية المدينة إلى نصفين، ويصب في نهر ديالى الذي يصب بدوره في نهر دجلة قرب بغداد.
الاسم والتاريخ
يذكر الباحثون عدة مسميات أطلقت على مدينة خانقين عبر تاريخها الطويل، فقد ورد ذكرها في المدونات الآكدية باسم هليان، كذلك ذكرتها المدونات الإغريقية باسم تيتوس، ومعناها المنظر الجميل، كما ورد ذكرها في بعض الكتابات اليونانية اللاحقة باسم أرتميتوس أي المصيف، بينما أطلق عليها الكرد اسم جالاوسر ومعناها الرابية المطلة على السهل. وفي الكتابات الساسانية أطلق على المدينة اسم إيلوان، أما بعد الفتوحات الإسلامية فعرّبت إلى حلوان.
وقد ورد ذكر المدينة في كتابات الرحالة والبلدانيين والمؤرخين العرب، إذ ذكرها ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان الجزء2 « ص340 فقال؛ «خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد، بينها وبين قصر شيرين ستة فراسخ لمن يريد الجبال». ومن الذين ذكروا خانقين بإسهاب من المؤرخين العرب اليعقوبي في كتابه «البلدان» إذ ذكر البعد بينها وبين جلولاء وقال؛ إنها «من أجمل القرى وأعظمها أمراً». كما أشار إليها البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» ص (109) إذ يقول؛ إن «جرير بن عبد الله أتى إلى خانقين، وبها بقية من الأعاجم فقتلهم».
كما ذكر خانقين ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» ص 7 إذ يتحدث عن المسافات بين المدن ويقول؛ إنّ «المسافة من جلولاء إلى خانقين تبلغ سبعة فراسخ، ومن خانقين إلى قصر شيرين ستة فراسخ». كما ذكر القلقشندي مدينة خانقين في كتابه «صبح الأعشى» فقال؛ إن «الطريق من جلولاء إلى خانقين يبلغ سبعة فراسخ». ويمكننا أن نلاحظ إن كل هؤلاء المؤرخين ذكروا ودونوا إسم مدينة خانقين بنفس الصيغة التي نتداولها اليوم دون تحريف أو تغيير.
ويذكر د. جمعة علي داي في دراسته الجغرافية والسكانية عن مدينة خانقين أنها مثلت الممر الرئيسي لجيوش الفتح الإسلامي المتوجهة للشرق، وهي تضم اليوم قبر الصحابي محمد بن حذيفة اليماني بالقرب من نهر الوند والذي يعرف باسم «علم دار» وكلمة علم دار تعني حامل الراية، لأن محمد بن حذيفة كان حامل راية المسلمين لذلك عرف بهذا الاسم. وفي العهد العباسي ازدادت أهمية خانقين بحكم موقعها الجغرافي حيث باتت تمثل حلقة الوصل بين بغداد وإيران والمشرق الإسلامي. كما أولت الدولة العثمانية اهتماما كبيرا لمدينة خانقين وذلك لموقعها الاستراتيجي بمواجهة الدولة القاجارية وبحكم قربها من مركز ولاية بغداد، فقامت بربطها بمركز الولاية بخطوط تلغراف عام 1811 كما ربطتها بخط نقل بواسطة العربات عرف بخط بغداد-خانقين عام 1815.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، دخلت قوات روسيا القيصرية إلى إيران وبات الجيش العثماني المرابط في العراق بين فكي كماشة الحلفاء، إذ هاجمه البريطانيون من الجنوب، والروس من الشمال، وقد سيطرت القوات الروسية بقيادة الجنرال باراتوف الملقب بالدب الروسي على مدينة خانقين، وفي صيف عام 1917م تقدمت قطعات أخرى من الجيش الروسي باتجاه تعزيز الهجوم حتى وصلت إلى مدينة السعدية، وفي كانون الأول/ديسمبر 1917 ومع انسحاب روسيا القيصرية من الحرب بعد ثورة اكتوبر، تقدمت القوات البريطانية إلى المنطقة وفرضت سيطرتها على خانقين من دون مقاومة وعين الضابط البريطاني ميجرسون حاكما سياسيا للمدينة.
الآثار وأماكن السياحة
تحتوي مدينة خانقين على آثار مدن قديمة تراتبت فوق بعضها البعض على مدى قرون، وهناك اليوم أكثر من خمسين تلا تاريخيا نفذت فيها عمليات التنقيب، وما زال هناك حوالي 200 تل لم تتم فيها عمليات التنقيب حتى الآن. ومن المناطق التي تم التنقيب فيها منطقة اوج تبة التي نقبت فيها بعثة جامعة شيكاغو الأمريكية عام 1974.
ولنهر الوند تأثير كبير في وجود وديمومة حياة مدينة خانقين، ويصف المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه «العراق قديما وحديثا» نهر الوند فيقول؛ «يمر في خانقين نهر الوند الآتي من إيران فيقسم المدينة قسمين: يمتد أحدها على الشاطئ الغربي فيسمى خانقين، ويجثم الثاني على الشاطئ الشرقي فيسمى حاجي قره، والأول قديم ربما يرتقي إلى عهد الساسانيين في العراق، أما الثاني فحديث شرع في بنائه سنة 1729».
أما جسر الوند الحجري الذي يربط طرفي مدينة خانقين فهو جسر تاريخي ذكره الكثير من الكتاب، إذ يصفه ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» قائلاً: «قال مسهَر بن مهلهل وفي خانقين عين للنفط عظيمة كثيرة الدخل، وفيها قنطرة عظيمة على واديها تكون أربعة وعشرون طاقاً، كل طاق يكون عشرين ذراعاً عليها جادة خراسان إلى بغداد وتنتهي إلى قصر شيرين». كما وصفه عبد الرزاق الحسني بقوله؛ «تربط قسمي المدينة قنطرة حجرية فخمة يرجع تاريخها إلى تاريخ إنشاء البلدة على ما تذكره بعض الأسفار، وقد تهدمت واستعيض عنها بقنطرة ثانية ذات إحدى عشرة فتحة بنيت بحجارة القنطرة الأولى. وعلى بعد 30 كم منها آثار قلعة قديمة تقول دائرة المعارف الإسلامية إن تاريخها يرتقي إلى عهد الساسانيين، وإن كسرى الثاني ملك الفرس، كان قد سجن فيها النعمان الخامس ملك الحيرة».
جسر الوند
والحديث عن جسر الوند كثير ومتضارب وتكثر فيه الحكايات غير المعتمدة على مصادر تاريخية رصينة، ويشير كثيرون إلى إن الجسر الحجري التاريخي كان قد تهدم في العهد العثماني حتى بات غير صالح لعبور الناس، وفي أحدى زيارات أميرة قاجارية هي أخت محمد علي ميرزا دولتشاه حاكم كرمانشاه التي كانت تنوي الذهاب لزيارة كربلاء والنجف، مرت بمدينة خانقين عام 1855 وواجهت صعوبة في عبور نهر الوند نتيجة تهدم الجسر، لذلك قررت تخصيص الأموال لبناء جسر يسهل عملية عبور النهر لزائري الأضرحة المقدسة في العراق، وقد وضع تصميم الجسر المعمار الحاذق ولي الأصفهاني، وعمل في تنفيذه الآلاف من العمال، مات الكثير منهم وقبورهم موجودة اليوم في مقبرة خاصة قرب قبر الصحابي محمد بن حذيفة اليماني (علم دار). لكن يبدو ان الجسر الجديد أيضا تعرض للهدم بعد ثلاثين سنة، إذ يذكر المستشرق هنري بندييه في كتابه المشهور «جاسوس في كردستان العثمانية» سرد تفاصيل «رحلة هنري بيندييه إلى بلاد الكرد والآثوريين عام 1887» فيقول أنه أضطر هو وقافلته إلى عبور نهر الوند خوضا على ظهور الخيل، وأنهم استخدموا القفة لنقل بضائعهم نتيجة تهدم الجسر الرابط بين ضفتي نهر الوند.
الباحث عبد الستار زنكنة، وهو من أبناء مدينة خانقين، يذكر إن جسر الوند الحجري القائم اليوم والذي يربط بين جهتي المدينة بني عام 1861م، وقد جلبت مواده من أنقاض جسر آخر كان قائماً على النهر على بعد 60 كم جنوباً عن موقع الجسر الحالي وكان يسمى جسر «ده بايه» أي الـ «عشر درجات» وأن هناك جسرين مبنيين على الطراز نفسه في مدينتي قصر شيرين وأصفهان الإيرانيتين.
وأخيرا يمكننا القول إن مدينة خانقين وبالرغم من كل النوائب والحروب التي شهدتها، إذ تحولت إلى ساحة حرب في ثمانينات القرن الماضي إبان الحرب العراقية الإيرانية، إلا إنها بقيت مدينة حية عصية على الموت، تنهض من الرماد ملونة غافية على نهر الوند مثل طائر الفينيق تحتضن أهلها كلما استطاعوا التعايش ونبذ الخلافات.