الناصرة- “القدس العربي”:
إن اعتماد إسرائيل الحلول العسكرية والتكنولوجية للتهديدات والتحديات الماثلة أمامها يعمي أبصارها ويحول دون بلورة سياسة أمن قومي شاملة، ودون إطلاق مبادرة سياسية، وخصوصاً في مسألة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وأحد الشروط الضرورية المركزية لتحقق هذا، هو ترميم التماسك الداخلي في المجتمع الإسرائيلي.
هذا هو أحد الاستنتاجات المركزية التي خلصت إليها أبحاث ومداولات ورشة “المائدة المستديرة” التي نظمها “مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل”، بالتعاون مع حركة “مستقبل أزرق أبيض” تحت عنوان “تلخيص عقد مضى وتحديات العقد المقبل في المستوى السياسي ـ الأمني”.
وفي محاولة للإجابة على السؤال المركزي التالي: “ما الذي يخبئه العقد المقبل لدولة إسرائيل؟” وذلك بمشاركة نخبة من كبار المسؤولين السابقين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومن الخبراء والباحثين في قضايا الأمن القومي ومجالاته المختلفة، يقول “مركز مولاد” في التقديم لورقة الموقف الصادرة في ختام أعمال هذه الورشة إن “المائدة المستديرة نُظمت في مستهل العقد الجديد في محاولة لاستشراف الآتي من خلال التمعن بما مضى، وسعياً إلى إجراء نقاش تعلّمي يرمي إلى البحث في الواقع الاستراتيجي الراهن الذي تعيشه إسرائيل، عن نقاط العمى والتحديات التي تغيب عن أعين المستويين السياسي والعسكري.
وقدم المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” ترجمة موجزة لمضامين الورشة الإستراتيجية، وقد توزع البحث والنقاش على ثلاثة مواضيع، من خلال التعمق في جوانب مختلفة ومكملة: الأول: مناقشة نقدية للتهديدات التي تواجه الأمن القومي الإسرائيلي، بمعناها الأوسع والأشمل. الثاني: الحلبة الفلسطينية، بكل مميزاتها وخصائصها الفريدة، باعتبارها حجر أساس في مستقبل إسرائيل. الثالث: نظرة موسعة إلى العقد المقبل وإلى النقاط التي يتعين على إسرائيل التركيز عليها.
العقد المفقود
واتفق المشاركون في مداولات “المائدة المستديرة” على أن العقد المنصرم كان “عقداً ضائعاً مهدَراً” على الصعيد السياسي، إذ لم يتم خلاله دفع أية مبادرة سياسية للمدى البعيد، بل ظل ينوء تحت تلال الشعارات الأمنية الفارغة من أي مضمون. وخلافاً للصورة المشوهة التي تحاول الحكومة الإسرائيلية عرضها على الجمهور، فإن التهديد المركزي على إسرائيل ليس من إيران، وإنما من حقيقة أنه بين البحر والنهر يعيش نحو 14 مليون إنسان، وهو واقع “قد يقود إلى نهاية المشروع الصهيوني إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي. وأجمع هؤلاء أيضاً على أن توسيع الاستيطان في الضفة الغربية يعرّض أمن المواطنين في إسرائيل لمخاطر جدية وعلى درجة غير مسبوقة من الخطورة.
وقال الجنرال بالاحتياط عامي أيالون رئيس جهاز “الشاباك” السابق أيضاً، إن النقاش العام في إسرائيل “لا يقيم التمييز اللازم والصحيح بين الأمن والمستوطنات”، مضيفا: “جميع الجهات الأمنية الإسرائيلية تعارض، بحزم، ضم مناطق فلسطينية من جانب واحد”. أما “صفقة القرن” فمن شأنها فقط تعقيد المشكلة وتعميق الأزمة، ذلك أن هذه الخطة ـبمنظور المسؤولين الأمنيين وخلافاً للموقف الذي تعرضه الحكومةـ ستؤدي إلى تعزيز “العناصر الراديكالية المؤيدة لـ”الإرهاب” بين الفلسطينيين، إضعاف العناصر البراغماتية والمس بأمن المواطنين الإسرائيليين”.
وقد لخصت أعمال الورشة هذه الرسالة المقتضبة، الواضحة والحازمة، التالية: ليس ثمة شيء اسمه “إدارة الصراع” مؤكدة أن الحلول العسكرية والتكنولوجية لم تعد كافية وحدها لمواجهة التهديدات والتحديات الماثلة أمام إسرائيل، بل ثمة حاجة إلى سياسة أيضاً.
خمس سنوات من دون حرب عسكرية كبيرة
في “المسألة الإيرانية”، أشار المشاركون في أعمال المائدة المستديرة إلى نجاحات هامة، في رأيهم، تحققت خلال العقد المنصرم: فقد أعاق الاتفاق النووي، الذي أصبح موضع خلاف حاد خلال السنوات الأربع الأخيرة بوجه خاص، تقدم إيران نحو إنتاج قنبلة نووية. واعتبر المشاركون أن “الجهود الإسرائيلية والأمريكية التي بُذلت للجم تطلعات إيران لبسط هيمنتها الإقليمية، قد حققت نجاحات وإنجازات لا بأس بها”.
ومن ضمن المشاريع الإيرانية التي تمت إعاقتها و/ أو وقفها، “مشروع التدقيق” الرامي إلى تزويد حزب الله بكمية كافية من الصواريخ الدقيقة. وفي نهاية 2018، كانت إسرائيل قد انتزعت من يدي حزب الله ثروة استراتيجية هامة جدا بالنسبة له، وذلك حين كشفت ودمرت ستة أنفاق هجومية تم حفرها تحت الحدود بين لبنان وإسرائيل.
وترى الورشة أنه على الصعيد الإقليمي، مرت على إسرائيل خمس سنوات ونصف السنة من دون حرب عسكرية كبيرة وجدية، إذ كان عدوان “الجرف الصامد” على قطاع غزة الحرب الجدية الأخيرة، ناهيك عن أنها جرت على نطاق ضيق، نسبياً. وبدلاً من هذه الحروب الكبيرة والجدية، صبّ الجيش الإسرائيلي جل تركيزه على “المعركة ما بين حربين” التي تضمنت، بصورة أساسية، سلسلة من الضربات ضد إيران ومبعوثيها في المنطقة.
وشدد المشاركون على أنه “ستمر سنوات عديدة قبل أن تصل إسرائيل إلى نقطة تجد فيها نفسها مضطرة إلى مواجهة خطر جدي وحقيقي يشكله جيش نظامي تقليدي. وستبقى “التنظيمات الإرهابية والعصاباتية “هي التهديد المركزي على إسرائيل، على مدى السنوات المقبلة، بما في ذلك تهديد الصواريخ والقذائف غير المسبوق على الجبهة الداخلية، المدنية، الإسرائيلية”.
وبرأي “مدار” رسم المشاركون في “المائدة المستديرة” صورة محسنة للميزان الاستراتيجي في المنطقة، إلى جانب واقع سيظل عرضة للانفجار في أية لحظة. وفي هذا السياق، اعتبر هؤلاء أن “الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تواصل تأدية دورها ومهامها باعتبارها بوليصة التأمين والضمان، وفي الحروب، لا تزال إسرائيل غير مهزومة تقريباً. أما التخوف الأكبر والأعمق في هذا السياق فهو “تعمق الصدوع باستمرار في الحائط الحديدي، نتيجة الخلافات والصراعات الداخلية الحادة بين من وصفهم رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، بالأسباط المختلفة في المجتمع الإسرائيلي.
الصورة الإقليمية لا تدعو إلى التفاؤل
وأفرد المشاركون حيزاً لا بأس منه من مداولاتهم للتطورات في مجال السايبر والحرب السيبرانية ولاكتمال قدرات هجومية من شأنها جرّ اسرائيل إلى حافة الانهيار الاقتصادي، تشويش النظام الداخلي واللجوء إلى المناورة في معرض وصف الواقع الحقيقي. وتحدث المشاركون عن “التلويث” العقلي والاستخباري من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وما يتدفق فيها من معلومات خاطئة، مشوهة وكاذبة، يأتي بعضها من روسيا وهدفه إعاقة وتخريب الأنظمة والعمليات الديمقراطية في الدول الغربية.
وتطرق هؤلاء إلى الصعوبة المتزايدة التي يصطدم بها المواطنون في معرض محاولاتهم سبر غور الواقع على حقيقته، الفصل بين الحقيقة والكذب والاعتماد على “رواة الحقيقة” التقليديين، أي الصحافة ووسائل الإعلام والجهاز القضائي. مثل هذه الظروف ـأكد المشاركون ـ تزيد من خطر الخطأ في الحسابات، بما يقود إلى تصعيد أمني غير مخطط.
واعتبر المشاركون أن “الصورة الإقليمية لا تدعو إلى التفاؤل” ففي غضون خمس سنوات، سيزداد عدد سكان العالم العربي ليصل إلى نحو نصف مليار إنسان، أكثر من نصفهم هم أبناء 30 عاماً أو أقل. وستزداد، أيضا، نسبة الشبان المتعلمين والعاطلين عن العمل. وقد تصبح منطقة الشرق الأوسط قنبلة موقوتة اقتصادية، من دون أسواق كافية ومن دون أماكن عمل كافية.
أما العقد الاجتماعي الذي بفضله صمدت أغلبية أنظمة الحكم في المنطقة ـعمل للمواطن مقابل الهدوء والاستقرارـ فهو في سيرورة آيلة إلى الانهيار. والنتيجة المتوقعة على مدى العقد القريب المقبل هي: شرق أوسط أكثر انقساماً وتقاطباً، أكثر فقراً، يرغب ملايين اللاجئين في الخلاص منه والوصول إلى دولة غربية. وفي الأثناء، يتراجع ويقل إصغاء الدول العظمى لما يعتمل في هذه المنطقة (الشرق الأوسط)، على خلفية التحولات الحاصلة في سوق الطاقة وتعلق الولايات المتحدة، الآخذ في التراجع والتناقص، بالنفط العربي. وحذر بعض المشاركين من أن هذا الواقع لا يبشر بخير لإسرائيل، إذ أن “الوقت في الشرق الأوسط يعمل في صالح من يتخذ مبادرة سياسية ومن المفضل القيام بذلك من موقع القوة.
تدخل دول المنطقة حيويّ
ويرى المشاركون في “المائدة المستديرة” أن تدخل دول المنطقة هو أمر حيوي، لا بل ثمة من ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن تلك الدول هي “العنصر المقرر الذي سيحرك العملية السياسية والقادر على جر الفلسطينيين إلى داخل هذه العملية. وهذا، بالرغم من فقدان الاهتمام الاقتصادي بالقضية الفلسطينية في العالم العربي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال نقطة الارتكاز الأبرز لخطة ترامب ـ أي أن العالمين العربي والإسلامي مستعدان للتسوية مع إسرائيل ويعرضان استعدادهما لتقديم تنازلات بعيدة الأثر حتى قبل الشروع في مفاوضات رسمية. وينبغي لهذه المبادرة أن تشكل القاعدة المتينة لأية مفاوضات مستقبلية، مع بعض الملاءمات والتعديلات بما ينسجم مع مصالح دولة إسرائيل.
غياب استراتيجية حيال الفلسطينيين خطر جسيم على أمن إسرائيل
ويؤكد المشاركون أن معالجة موضوع غزة على انفراد وبمعزل عن التطورات والخطط على الجبهات الأخرى، هو خطأ جسيم، ذلك أن قطاع غزة هو جزء من القضية الفلسطينية برمتها، لا يجوز ولا يمكن فض الرابطة ما بينه وبين الضفة الغربية. وبرأيهم فإنه في التحصيل الأخير، يمكن القول إن غياب استراتيجية إسرائيلية حيال الفلسطينيين ومستقبل العلاقة معهم هو بمثابة خطر جسيم على الأمن القومي الإسرائيلي، وينبغي على إسرائيل أن تقرر إلى أين وجهتها وإلى أين تريد أن تصل. في الإجابة على هذا السؤال، ثمة توجهات بارزة، الأول: هو التوجه الذي يقوده بنيامين نتنياهو ومؤداه: سنعيش على الحراب، إلى الأبد. الثاني: هو التوجه الداعي إلى التوصل إلى تسوية سياسية، رغم أنه من الواضح اليوم أنه إذا كانت هذه التسوية ممكنة، فمن الضروري أن تتحقق في إطار إقليمي وعبر عملية طويلة المدى.
ولاحظ الخبراء المشاركون في “المائدة المستديرة” أن “الجمهور الإسرائيلي منقسم على نفسه في الموضوع الفلسطيني” وأنه “بدون دفع من الخارج (رئيس أمريكي آخر أو حرب كبيرة)، لن يغير آراءه ومواقفه بصورة دراماتيكية. والأسوأ من هذا، أن المواطن المتوسط في هذه البلاد، سواء الفلسطيني أو الإسرائيلي، وحتى منهم الذين لا يزالون يؤيدون حل الدولتين، لا يؤمنون بأن هذا الحل قابل للتطبيق”.
غير أن تجارب الماضي والوضع القائم في الميدان يشيران إلى حقيقة بسيطة هي: صحيح أنه من غير الممكن التوصل إلى حل الدولتين بين ليلة وضحاها، إلا أنه من غير الممكن عدم التوصل إليه في نهاية المطاف لأنه الحل الوحيد الذي يضمن بقاء واستمرار المشروع الصهيوني.
أربع دوائر من التهديدات المركزية وخمسة تبصّرات أساسية
رأى المشاركون في أعمال “المائدة المستديرة” أن إسرائيل تواجه سلسلة من التهديدات والأخطار الأمنية من أصناف ومصادر مختلفة، مثلما كانت تواجه في السابق أيضاً، على مدار السنوات منذ إنشائها حتى اليوم. وقد صنّف هؤلاء هذه التحديات والأخطار في أربع دوائر، على النحو التالي: الدائرة الأولى: المشروع النووي الإيراني، إضافة إلى السلاح الكيماوي المتوفر في سوريا.
والدائرة الثانية هي التهديد التقليدي وهو غير قائم البتة، تقريباً. والدائرة الثالثة: التهديد التقليدي الفرعي، الذي تشكله وتقوده منظمات فلسطينية. والدائرة الرابعة: التهديد السيبراني.
وتبقى الساحة الفلسطينية هي الأكثر عرضة للانفجار بشكل عام، على الرغم من الفصل والتمييز بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
أما التبصرات الأساسية الأبرز التي طرحتها مناقشات “المائدة المستديرة” فهي غياب أية استراتيجية سياسية لدى دولة إسرائيل، الاعتقاد بأهمية الخطوات الأحادية يعمق من خطورة الوهم الإسرائيلي بأن عدم التحرك والمبادرة يأتي بنتائج إيجابية وطيبة في نهاية المطاف، إن حل مسألة غزة هو الحل الوحيد الذي يمكنه ضمان استمرار المشروع الصهيوني، المشكلة الأكثر صعوبة في إسرائيل 2020 هي غياب الرؤية القومية والابتعاد المتواصل عن القيم الأساسية الواردة، أما التبصر الخامس برأي الباحثين الإسرائيليين، فيشير لعدم وجود بديل عن الحلول السياسية: تفتقر إسرائيل اليوم إلى منظومة متماسكة وثابتة للبحث المنهجي، المنظم والمتتابع في الخيارات السياسية الممكنة لمواجهة وحل التحديات العسكرية، الأوضاع العادية الروتينية والأوضاع في حالات الطوارئ.