خبز وماء وحرية

نحن شعوب مستعْمَرة، من المحيط إلى الخليج، نحن مستعمَرون. استعمار بلا ضفاف نعيشه في العالم المدعو عربياً منذ نهاية الامبراطورية العثمانية، حتى لا نذهب أبعد من تلك الحقبة المقيتة، إلى يومنا هذا. والاستعمار، كما يعلّمنا التاريخ، ليس قدراً عندما يكون «خارجياً» لكن ما العمل عندما يكون استعمارنا «منّا» استعماراً وطنياً، أو داخلياً إذا شئتم، قبل أن يكون «خارجياً»؟ مستعمِرونا هم حكّامنا الأزليون. لم يعد لدينا شك في ذلك. لأنهم من أجل أن يتزعّموا، وبالخصوص بعد أن يصبحوا زعماء، يتحوّلون، بالضرورة، إلى عملاء، إلى عملاء للاستعمار الخارجي الذي صار «قديماً» لكنه، بفضل «هؤلاء» المتسيّدين المحلّيين، وعَبْرهم، يتجدّد باستمرار، ويبتكر، من أجل إطالة هيمنته الدائمة علينا. وما هو موقفنا نحن، «نحن المدعوّين شعوباً»؟ نحن راضون، أو مضطرون إلى الرضى، أوْ لَسْنا براضين، ذلك، كله، لا يغيّر في الأمر شيئاً: لأننا دائماً، في قبضة «هؤلاء» الطغاة الذين يخنقوننا بعنفهم واستبدادهم اللامحدود.
في العالم العربي المتعدد الأقطار، هذا، هناك دول بلا مجتمعات مدنية، وهناك مجتمعات مدنية بلا سلطات شرعية، وهناك ما يمكن اعتباره بين بين. وفي جميع الأحوال والأوضاع لا يوجد في أي قطر من هذه الأقطار العديدة أحزاب معارضة حقيقية، ولا نقابات حرة، ولا إعلام مستقل، ولا مؤسسات مدنية مواجهة للسلطة، أو بعيدة عنها، ولا.. ولا. السلطة هي أم المجتمع العربي، وهي أبوه، أيضاً. والمجتمع، أو ما هو مفترض أن يكون كذلك، لا يستطيع أن يشذّ عن قاعدة الرضوخ لمشيئتها، حتى لو قدّم أقسى التضحيات، وأكبرها جسامة. إنه، على العكس من ذلك، يبدو محكوماً بالخضوع الأزليّ لها، حتى عندما «يتمرّد» عليها. ومهما يكن الأمر، فليس لهذا المصير المحزن والمأساوي من حيث شِدّة القهر، واستمراريته، مثيل في التاريخ الإنساني، أبداً. لماذا؟ لأن السلطة العربية ليست أهلية، بل هي نوع من «الاستعمار الوطني» المخيف، كل شيء ينطلق منها، وإليها يعود. هَمّها تكبيل طاقة الإبداع الإنسانية، وتفريغ الكائنات من جوهرها. وهو تماماً معنى «المجتمعات الميتة» أو التي هي في طريقها إلى الموت، مثل مجتمعاتنا.

لكن، هل يمكن أن يتحوّل الكائن إلى عميل جيلاً بعد جيل؟ بلى! وإلا كيف نشرح ما نحن فيه من بلاء بلا حدود؟ ولماذا ترانا نعيش قهراً مأساوياً، ليس له مثيل على سطح الكوكب الأرضي خارج منطقتنا التي أصبحت بؤرة للفشل والقهر؟ وأكثر من ذلك، لمْ تبقَ على سطح الأرض بؤرة استعمارية استيطانية إلاّ عندنا في فلسطين، وكأننا ما زلنا في عصر غزو أمريكا منذ أكثر من خمسة قرون. وعلى أي حال، لا شيء يشرح استمرار الاستبداد، وانتشاره، وتعدد أشكاله، وتفنن السلطات العربية في تطبيقه، في بلداننا على اختلاف أسمائها، ونُظُمها، وجغرافياتها، سوى مبدأ «الاستعمار المحلي» المقيت. وفوق ذلك، وبسببه ربما، يتَغطْرس الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الغاشم على شعب فلسطين، لكن «غزة» التي قررت أن تجابه طغيان المستعمرين مهما كلّفتْها المجابهة، تبدع شيئاً آخر لم نكن نعرفه من قبل: طاقة الكائن على التحدّي! تثبت أنه ليس للمقاومة دين. لأن المقاومة، على عكس المساومة، فعل وجوديّ عميق، لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير. غزة التي تقاوم الاستعمار الصهيوني الهمجي، وهي تصرخ : خبز وماء وحرية! ولا أحد منا يستجيب لها.
«خبز، وماء، وحرية»! هذا ما تطالب به غزة الأبيّة، ولا أحد يسمع ما تقوله غزة. أصاب الصمم كل أنحاء العالم العربي الرسمي، حتى لا نبالغ في اتهام الآخرين الذين هم، مثلنا، بلا… ولهذا يدمرها، اليوم، أو يُعيد تدميرها، الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الغاشم على مرأى من الجميع بلا خوف ولا حذر. هذا الاستعمار الكريه الذي لم يبقَ على سطح الأرض غيره، كما قلنا من قبل، لا يخيف غزة. لأن مناضلي غزة، وأهلها العظام، لهم رأي آخر. تحدّيهم لطغيان مستعمريهم المتغطرسين مسألة وجودية، لا يمكن المتاجرة بها. أكاد أسمعهم يرددون، وهم يقاومون: «بعد أن خسرنا كل شيء، لم يبقَ لنا إلاّ أن نخسر الباقي: عبوديتنا». هذا هو معنى تمرد غزة البطولي. ولا يهم إن سمعتموه، أو لم تسمعوه، لأن التاريخ في صالح غزة.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية