في ما يلي عرض لبعض الأسئلة التي تتطرق إلى بعض القضايا السياسية والوظيفية والخدمية والاجتماعية، والقضايا الحياتية الأخرى التي راودتني بينما كنت أتأمل واقع الإنسان العربي في بعض الدول العربية، وقد قمت بطرح هذه الأسئلة والإجابة عنها، وذلك من منظور ولسان الإنسان العربي البسيط الذي يتعايش مع تلك القضايا أو بعضها. ويتوجب التنويه هنا إلى أن بعض إجابات الأسئلة المطروحة قد تتسبب بخدوش عميقة عند ملامستها للسطوح المصنوعة من ألواح بلورية، فيرجى أخذ العلم. اللوح الأول: ماذا يعني أن تكون مواطناً صالحاً في بلد عربي ما؟ هو أن تكون عيناً للنظام الحاكم وأذناً له، وأن تقتبس من كلام القائد في كل مناسبة واحتفالية، وأن تقوم بتعليق صورته على زجاج سيارتك الخلفي وأن تحملها في مدرّجات الملاعب، وأن ترفعها إلى جانب علم بلادك عند الفوز ببطولة أو منافسة ما، ويُفضّل أن ترفع فقط صورته وعلم البلاد يظهر من خلفه. وهو أن تكون منضوياً تحت حزب النظام الحاكم، وأن تكون من أول المشاركين في المسيرات التي ينظمها، وأن تكون أول من يبتدئ التصفيق في الفعاليات والمؤتمرات التي يقوم بها، وأن تكون من السبّاقين لإعادة تعليب صوتك في صناديق تجديد الولاء والبيعة كل عدة أعوام، وأن تقوم بإفراغ شحناتك وهديرك فقط من خلال هتافاتك لفريقك الرياضي، أو من خلال الضغط المتواصل على بوق سيارتك في الكرنفال الاحتفالي بفوزه. وأخيراً وليس آخراً، هو أن تشتري الصحف الرسمية فقط وأن تفكّر طويلا وبصمت في أساليب آمنة للتخلص من النسخ القديمة منها. اللوح الثاني: ماذا يعني أن تكون في بلد عربي؟ هو أن ترى صور القائد على مداخل البلاد ومخارجها، وفي المدارس، وعلى أبواب المستشفيات وداخلها، وفي دور القضاء، وفي المحال التجارية والمؤسسات الحكومية، وفي محطات النقل العام وغيرها، وأن تكون معظم البرامج التلفزيونية تمجد الوطن من خلال القائد فقط، وأن تكون ‘الواسطة’ أو الرشوة وقود معاملاتك لدفعها إلى الأمام وإتمامها، وأن تكون التجمعات على أبواب المخابز، هي التجمعات الوحيدة المسموحة والمباركة، وأن يكون هناك باستمرار اشغال وانشغال عن قضايا الأمة الجوهرية بنجوم الفن الصاعدين وبالمواسم الرياضية وغيرها، وأن يتم اعتبار المخترعين وغيرهم مصدر خطر يضر باقتصاد البلاد. اللوح الثالث: ماذا يعني أن تكون عربياً تعمل في دولة عربية شقيقة؟ هو أن يتم تصنيفك على أنك أجنبي، وأن تتم معاملتك كشخص من الدرجة الثالثة بعد المواطن والغربي، من حيث الامتيازات والمعاملة، وأن تلقى نفس المعاملة التي يلقاها المواطن والغربي من حيث الواجبات فقط. اللوح الرابع: ماذا يعني أن تكون مسلماً متديناً في بلد عربي؟ هو أن يُنظر إليك على أنك تابع للإخوان أو كونك سلفياً، أو أن تُستدعى للقضاء وتلصق بك تهمة الإرهاب عند وقوع تفجير ما، أو كشف التخطيط له. أما اجتماعياً، فينظر إليك على أنك متعصّب ومتحجّّّّر.. فيتردد الكثير من الأهالي في تزويجك إحدى بناتهم خشية أن تعيش معك كآبة الجدية المفرطة، وجفاف لغة الغزل! اللوح الخامس: ماذا يعني أن تكون مراجعاً في إحدى الدوائر الحكومية؟ هو أن تؤجل إنجاز معاملاتك وتنتظر عودة الموظف الوحيد المسؤول عن ذلك بعد قضاء إجازته. وفي حال كان الموظف موجوداً في مكتبه، فعليك أن تنتظره كي ينهي مكالمته الهاتفية أو حديثه مع أحد زملائه، وأن تحدّث نفسك مراراً بشأن العودة في يوم آخر عسى أن يكون مزاجه أفضل، أو أن تقرأ سورة ‘ألم نشرح’ قبل دخولك إلى المكتب على نيّة تيسير وتسهيل أمور معاملاتك. وأخيراً، هو ألا تنسى إحضار شهادة وفاتك معك في حال تم طلبها منك استكمالاً لأوراق معاملاتك. اللوح السادس: ماذا يعني أن تكون كاتباً أو مؤلفاً أو مترجماً في بلد عربي؟ هو أن تعمل جدياً على جمع بيانات عن معظم الصحف العربية التي تصف نفسها بـ االمستقلةب بغية التعرّف على مسارها وخطها السياسي في حال عدم اطلاعك على ذلك مسبقاً، وأن تقوم بعد ذلك بتصنيفها وفقاً لما سبق لتعرف أيّاً من مقالاتك يتناسب مع الخط السياسي لهذه الصحيفة أو تلك. وعلاوة على ذلك، يُفضّل أن تحمل لقب دكتور وذلك لتسهيل النشر لك ولتزيين الصحيفة وتذييل مقالاتها بمزيد من أحرف الدال! أما أن تكون مؤلفاً أو مترجماً، فعليك أن تقوم بتمويل أجور طباعة نسخ كتابك أو ترجمتك بنفسك، وقد تعفى من ذلك في حال سبق لك أن قمت بنشر عشرات الأعمال من قبل، وذلك من دون النظر حتى إلى مضمون عملك الذي تريد نشره! اللوح السابع: ماذا يعني أن تكون من عائلة عربية ميسورة الحال؟ هو أن يتـــرافق ذلك مع ضمور في الأحلام والطمــــوحات أو حتى تلاشيها كلياً أو انعدامها، وأن يكون محور اهتمامك وجلّ حرصك في الحياة هو تجديد هاتفك النقال في كل عام، وهو أن يلازمك اعتقاد بأنك خُلقت فقط لتتسلم منصباً إدارياً رفيعاً تكون فيه قائداً ومسؤولا عن مجموعة من الأفراد، حتى إن لم تتوفر لك فرصة أن تكون مسؤولا عن نفسك أولا! اللوح الثامن: ماذا يعني أن تكون قاطناً في حيّ شعبي؟ هو أن تتم ممارسة تقنيـــــن الماء أو الكهرباء في حيّك فقط، وأن تُرجأ أعمال ردم الحفــــريات فيه حتى اشعار آخر، وهو أن تتعامد عليه شمس اهتمام الساسة والمنخرطين في السلك الحكومي فقط وقت الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية وغيرها، وألا تتوفر خدمة باص مدرسة طفلك من وإلى حيّك، بالإضافة إلى عدم توفر كل خدمات ‘الديلفري’ بذريعة بعد المسافة. اللوح التاسع: ماذا يعني أن تكون متعلماً في بلد عربي؟ هو أن ينتهـــــي بك الحال في كثير من الأحيان لأن تبدأ بتعلم مهنة أخرى بعد ارتطــــامك المتكرر بحائط ‘اللاوظيفة’ الإسمنتي، وأن تكون مستعداً نفسياً للعمل بعد الوظيفة كسائق تاكسي أو في مكان آخر لا يليق بمؤهلاتك لسد حاجاتك الأساسية بشكل كامل. اللوح العاشر: ماذا يعني أن تكون زبوناً في قهوة أو في محل تجاري عربي؟ هو أن تقوم بتكرار الطلبات كي لا تتم معاملتك كزبون من الدرجة الأخيرة، وكي لا يتم استقبالك ببرود أو كي لا تنتظر طويلا للحصول على طلبك في زياراتك القادمة. أما عند دخولك لمحل التجاري، فينبغي أن يكون لديك توصيف ذهني كامل ودقيق لما تريد ابتياعه، وأن تتجاهل عدم رد تحيتك بسبب نظرة صاحب المحل ‘الثاقبة’ التي تميّز المتسكع من الزبون، وأن تقوم باستخدام بعض الكلمات الإنكليزية للمساعدة في فرض بعض الاحترام لك وحلّ أحجية الابتسامة على شفاه صاحب هذا المحل التجاري. اللوح الحادي عشر: ماذا يعني أن تكون مدعواً إلى عرس عربي؟ هو أن تجد فرصة لإعادة تأهيل مسدسك ببضع طلقات نارية تضيف على الاحتفال حماسة ومزيداً من البهجة، ولكي تعبر من خلال ذلك عن مدى حبك لأصحاب الاحتفال وفرحك العظيم بهذه المناسبة، ولكي تقوم بلفت انتباه الحاضرين إلى ميولك ومواهبك ‘الاكشنية’، ولتفرض احتراماً على جانب فيك قد يجهله البعض ممن لم تلتق بهم أو صدف لك أن جلست معهم من قبل. اللوح الثاني عشر: ماذا يعني أن يكون لديك أصدقاء؟ هو أن تتلقى ابتسامة ساخرة في مستهّل حديثك عن أحد أحلامك، ومن ثم موجة من الإحباط ‘التسونامية’ بعد الانتهاء من ذلك، وأن تجد الدعم من معظم أصدقائك يتجسد فقط على (فيسبوك) من خلال وضع إعجاب أو تعليق على نكتة أو صورة ساخرة قمت بنشرها! وختاماً لما جاء ذكره في ‘خدوش عربية على ألواح من بلور’، فإننا نجد أن واقع الإنسان العربي يبدو مريراً وتشوبه الكثير من العيوب، وأن الأسباب المؤدية لذلك قد تعددت. وبناء على ذلك، لا بد من طرح السؤال التالي هنا: هل تكمن هذه المشاكل في واقع الإنسان العربي بالإنسان العربي نفسه، أم بمحيطه وتركيبته الاجتماعية وطريقة تفكيره، أم في الأنظمة السياسية الحاكمة، أم بمجموع كل ذلك؟