خطاب الحضارات

حجم الخط
3

يتكوّن جزء كبير من ذاكرتنا من قراءاتنا المبكرة، يحدث ذلك في عمر الطفولة والمراهقة، فتخزن بعض التفاصيل التي ننساها مع مرور الزمن، أو هذا على الأقل ما يبدو لنا، تمر الأيام لنكتشف ونحن في عمر الأربعين أننا نتعرّف على أماكن نزورها لأول مرة، وأشخاص لم نرهم في حياتنا سوى في تلك اللحظة. يعود الماضي الأدبي الذي سكن تلافيف جوارحنا ومخيلاتنا فجأة، ليحسسنا برابط حميمي نحو كل تلك الأشياء الجديدة حولنا.
كان هذا سر الألفة التي شعرت بها، حين حطت قدماي لأول مرة في القاهرة، وقد يقول البعض إن مفعول السينما آنذاك، كان أقوى من الأدب، وإن القاهرة كانت أم الدنيا فعلا، وكنا جميعنا نحلم لنراها، أي نعم كانت السينما والدراما في أوجها، وما كان هناك منافس للنتاج المصري الذي كان يستحوذ على قلوبنا كل يوم، لكن أسرار تلك المدينة الزّاخرة بالحياة والفنون، كانت تتجسد في أسماء أدبية كبيرة، يتزعمها في أعمق أعماق أرواحنا، الكبير طه حسين، الذي طُبِعت «أيّامه» في ذاكرتي إلى الأبد، ولا تزال ذكراها، تؤرجحني بين عمرين جميلين هما الطفولة والمراهقة.
لقد رأيت مصر إذن لأول مرة بعيني كفيف، وهذا من معجزات الأدب بدون نقاش، قبل أن أراها بعينيّ نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وإحسان عبد القدوس، وأمشي في أثر ما كتبه غيرهم، مثل إبراهيم أصلان، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر… إلى أن وصلت إلى علاء الأسواني، وكوكبة كتاب اليوم، دون أن أكلّ أو أملّ، من التعرف على المدينة والتغيرات التي لحقتها، ولحقت أناسها.
كنت أعي جيدا أن الأدب سبّاق إلى التوثيق الحقيقي لحياة الناس، ورصد الأزمنة، ومكنونات الفضاءات المكانية وأسرارها، وقد آمنت، ومازلت أؤمن بأن الكلمة المحفوظة بين دفتي كتاب، هي الأقوى على الإطلاق، طالما أن التكنولوجيا خائنة، وقد تخذلنا في لحظة تخلّ بسبب خلل في التقنيات. كل الأماكن التي أسرتني، بدأت فعلتها تلك من خلال الأدب، حتى إنني ذكرت في مقالات سابقة، إنني خططت لرحلات استجمام خلال عطلاتي لاكتشاف مدن الأدب الذي تأثرت به، وحين أعددها اليوم، أكتشف كم هي كثيرة، لكن بالتأكيد ليست أكثر من عدد الكتب التي قرأتها. فقد عرفت مدنا من خلال الشعر، وأخرى من خلال القصة والرواية، ولكن فجوات الروح اجتمعت كل الفنون لملئها.

في شوارع الدانمارك عرفت أن الحضارات تبنى بالأدب أولا، لأنه وحده الطبيب المداوي للقلوب المتحجرة والمريضة، الظالمة والمجرمة.

وقد ذكرت سابقا مدى تأثري بالكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسون، الذي بنى عوالم طفولتي، وكيف رأيت كوبنهاغن لأول مرة حين زرتها، طفت على سطح ذاكرتي تلك الصور القديمة لبائعة الكبريت التي ماتت من البرد أمام بيت تحتفل فيه عائلة ثرية بعيد الميلاد، بقيت تلك الفتاة الصغيرة في رأسي، تعبر الأزمنة، وتذكرني بقساوة الفقر والأثرياء معا، وقد بحثت عن تلك الصبية في الشوارع وقرب البيوت التي أسرتني بجمالها، وأدركت أن الأدب روى ماضي المدينة، وأن أهل المدينة تعلّموا الدرس فما عاد هناك أطفال يموتون بردا وجوعا فيها.
تأملت أطفال كوبنهاغن السعداء، يتبخترون ويتقافزون مثل الأرانب السعيدة، يزينون شوارعها النظيفة، في احتفالية يومية، مغايرة تماما لما كتبه أندرسون منذ مئتي عام تقريبا، في تلك الشوارع، عرفت أن الحضارات تبنى بالأدب أولا، لأنه وحده الطبيب المداوي للقلوب المتحجرة والمريضة، الظالمة والمجرمة. وحده يهذِّب النفوس، ويقودها بحكمة نحو الدروب المضيئة إلى أهدافها. سأعرف ذلك مجددا، وأختبره مرات ومرات حين تتكرر زياراتي للقاهرة، وأعرف ماذا خسرت وماذا كسبت، سأدرك جيدا كما يدرك غيري، أن سمعة القاهرة محصورة اليوم في وجهها الثقافي لا غير.
هذا رأيي الخاص على كل حال، ولا أحب اعتباره حكما يجب تعميمه، لكنني عن قناعة أرى أنّ كلّ نهضة حضارية تسبقها نهضة ثقافية، ولا شيء يبقى من أي حضارة منتهية غير تلك الآثار الفنية والأدبية. إنها متلازمة عجيبة، ولكنها صحيحة في الغالب. في نظرية أخرى تصلح أن تناقش يُقال إن لكل حضارة مكتبتها. وفي تلك المكتبة تكمن كل الأسرار التي قادت للوعي، فقد كان الخطاب الأدبي دائما خطاب المجتمعات، مرآة الشعوب، مجموع ملاحظات الإنسان للإنسان نفسه، تدوينا لتجاربه، ورسالة واضحة بين أفراد الجيل الواحد، وبين أجيال عديدة. لا مجال أبدا لنفي هذا المعطى، وإن اختلفت القراءات التي تقلّص من دور الأدب أو تضخيمه. فقد كان التاريخ الأدبي مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتاريخ العام، حتى أصبحت النظرية الأدبية جزءا لا يتجزّأ من النقد الأيديولوجي، بل ويتخطّاه إلى استقراء متكامل لإعادة بناء الواقع في تطوره لعالم جديد.
بإمكاننا أيضا الوقوف عند كل التصنيفات التي تقسم الأدب إلى أدب عربي وآخر أجنبي، وإيجاد عناوين فرعية لهذه التصنيفات، ووضع الآداب في أدراج الأوطان التي انبثقت منها، بإمكاننا أن نفعل أشياء كثيرة بالتنصل والابتعاد عن كل ما يحمله الأدب من أوجاع الشعوب ومعاناتها، وأحلامها وطرق تفكيرها، وهواجسها، لكننا سنعود في النهاية إلى الصوت الإنساني الموحّد، الذي نسمعه منبعثا من تلك الكلمات الجميلة المرصوفة برفق في كتاب، وهو الصوت الذي لا يكف عن تذكيرنا بالعلاقة الوطيدة بين الأدب والأعماق الخفية للإنسان. وهو نفسه الصوت الذي يبقي على استمرارية اللغة، فللأسف كل اللغات التي تعامل بها البشر بين بعضهم بعضا في الأزمنة الماضية السحيقة، انتهت مع انتهاء الناطقين بها.

مدننا هي التي تشهد على البؤس الثقافي الذي تعيشه شعوبنا، يمتد ذلك البؤس إلى القصائد، والنصوص الروائية، والقصص القصيرة.

في هذا التوجه تذهب الألمانية أندريا شينشكي إلى أن للأدب وظيفة تعليمية، تتجاوز تعليم اللغة وهي «فن تعليم الحضارة» ـ آمل أن تكون ترجمتي صحيحة أو قريبة من الصحيح هنا ـ كون قراءة الأدب فعلا دقيقا ذا أهمية عالية، لأنه يفتح لنا مجالا واسعا لفهم الآخر، والتخفيف من العدائية تجاهه، ما يسمح ببناء جسر تواصل يقوم على اللغة معه، وهكذا تكون أول خطوة نحو التّحضُّر.
تطور الفنون التعبيرية أكثر علامة على تطور الإنسان، وأكثر دليل على رقي المجتمعات، لكن لماذا يكون هذا التطور بطيئا أحيانا؟ وأحيانا أخرى سريعا؟ لماذا يؤتي ثماره في أوساط معينة، ويشهد تراجعا في أوساط أخرى؟ هذا موضوع آخر يحتاج لكثير من النقاش، لكشف ملاباسات رعاية الفنون أو طمسها، وفهم الأفعال وما يليها من ردّات في حالات الخصومات السياسية، وما يليها من حروب علنية وغيرها، وحالات اعتناق المعتقدات الهدّامة لكل أشكال الإبداع، والقائمة طويلة لسردها، لكننا عشناها بتكرار ممل.
مدننا هي التي تشهد على البؤس الثقافي الذي تعيشه شعوبنا، يمتد ذلك البؤس إلى القصائد، والنصوص الروائية، والقصص القصيرة، هناك قصص بحجم سطرين، تُسمّى «قصصا قصيرة جدا « تنضح بالألم والحزن، تمتد منها أيدٍ صغيرة لكائنات كفيفة، تبحث عن عيون مبصرة عسى أن تخرجها من مأزقها، وتمنحها معاني أكثر إشراقا.
ثمة محنة أخرى، بعض العيون المبصرة لا ترى إلاّ قليلا، قليلا جدا، وهذا لا يكفي لقطع المسافات الزمنية اللازمة لبناء عالم متحضّر.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية