غادة السمان
أعتقد أن أكثر كاتبة عربية أثارت جدلا على مدى عقود هي غادة السمّان، دون منازع، كما أعتقد أنها وُهِبت من الذكاء والفطنة ما جعلها تسبق زمنها وزمننا. أمّا ما لحقها من سخط وتنمُّر مؤخرا بسبب إعلانها عبر صفحتها فيسبوك، أنها عازمة على نشر رسائل نزار قبّاني لها، فأظنُّه فصلا آخر من فصول حياتها، من خلال منظور الآخر لها، إذ سنعرف حتما كيف كان ينظر إليها نزار ككاتبة، وإنسانة، وسواء استعجل المتنمرون والساخطون عليها بتسجيل مواقفهم، أو لا، فإن رسائلها بينها وبين قبّاني بعيدة كل البعد عن المحتوى الرومانسي الذي تخيلوه.
للأمانة فقد وصلتني رسالة مِن مَن أدمن الصفحة على هاتفي، حين أدرجت اسم غادة السمان في مقالي السابق عن «رسائل الحب حبل سرّي لإبقاء المشاعر متأجّجة» والذي نشر بتاريخ 26 آذار/مارس 2023، توضح أن رسائل نزار قباني لغادة ليست كما اعتقد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الإعلاميين لأنّها ليست رسائل حب.
والحقيقة أن الهجوم على غادة السّمان قديم، فقد ورد في كتابها «البحر يحاكم سمكة» الصادر في تموز/ يوليو 1986 أن بعض الصحافيين كتبوا حوارات موهومة خصِّصت للسخرية من شخصها والأذى والإيلام. ويبدو أن الأمر يتكرر اليوم على فيسبوك وبعض المواقع، كما كتب البعض في جرائد بأقلام تشبه السيّاط دفاعا عن نزار وطعنا بغادة. مع أنها في أحد حواراتها سئلت عن نزار قباني وهو ابن عمّتها هل كان لها نصيب من غزله في يوم من الأيام؟ فكان الجواب صارما: «نزار قبّاني قريبي، شاعر كبير قبل كل شيء، لا كاتب رسائل غرام، ولا يجوز طرح اسمه إلاّ من هذه الزّاوية، ولا يجوز اعتبار شعره «تلطيش كلام» للحلوات.. عيب.. اختشي».
منذ تلك الأيام وغادة الفريدة من نوعها تثير زوابع من الأسئلة، وأظنّها أكثر كاتبة أيضا سئلت عن حياتها الخاصة، ومن يقرأ حواراتها التي جمعتها في عدة كتب سيدرك أنها الكاتبة العربية الوحيدة التي صنعت نجوميتها بالكتابة فقط، دون أن تستعين بوسيلة إعلامية أخرى لتروّج لنفسها، فهي ليست غائبة فقط عن المؤتمرات والملتقيات الأدبية، بل أيضا عن الإذاعات والتلفزيونات، وحتى وجودها على مواقع التواصل الاجتماعي تولاه محبوها بطريقتهم، ففتحوا صفحات كثيرة باسمها تعيد نشر مقاطع من نصوصها، وحكما خرجت بها من تجاربها الشخصية في الحياة. مؤخرا صارت عندها صفحة خاصة يديرها شخص مقرّب منها ربما، وموضوع رغبتها في نشر رسائل نزار قباني هو الذي نبّه قرّاءها ومتابعيها لها.
وفق البروفيسور الألماني فولكر كاب فإن الرسائل أخذت في التطوّر منذ القرن التاسع عشر، وأنها انحدرت من الطبقة البورجوازية وصراعاتها إلى الطبقة المبدعة بمكوناتها الفنية. وهو يرى أيضا أن محتوى الرسالة الفنية يجعل الكون الدّاخلي يزهر ليحلّ محلّ الفراغ الذي خلقه العالم الحديث، يصف ذلك بمصطلح «حياة داخل حياة». ووفق ماركيز فإن الرسائل «حرّرت امبراطورية الحب» وفي أحد مقاطع غادة السمّان من كتابها «البحر يحاكم سمكة» تعيدنا لهذا المفهوم بطريقتها الخاصة حين تقول: «الصّداقة تعني لي الشيء الكثير. إنّها تأتي عندي في مرتبة الحب، لأنّ الصداقة كالحب، كسر لعزلة القلب، وتدمير لصقيع الغربة». لم أقرأ أجمل من هذا التعريف للصداقة، لقد لخّص ما لمسته في حياتي الشخصية فعلا، ومن ينكره بالتأكيد لديه تجربة ناقصة في الحياة، وهذا ليس حكما اعتباطيا، بل هو نابع من تجربة عميقة واحتكاك كبير بالناس.
رفضُ نشر رسائل المبدعين، سواء كانت رسائل حب أو صداقة أو تعاون عمل، يعرف باسم «خط لانسون» نسبة للناقد غوستاف لانسون الذي عارض في زمنه نشر أي نوع من الرّسائل بين المبدعين مهما كانت صفتهم لأنها مجرّد أخبار شخصية خالية من أي جماليات موجّهة للقارئ، وقد عُرِف سارتر بهذا التّوجه، حتى إنه قال لسيمون دي بوفوار إنه سيتوقف عن كتابة الرسائل مخافة أن يجدها أحدهم وينشرها. بالنسبة له الرسائل الشخصية لا تستحق أي اهتمام، بل يذهب أبعد من ذلك حين يصفها بأنها ليست عملا أدبيا صالحا، وفي ذلك في إحدى قراءاته حول رسائل ديدرو وصوفي فولاند. في تاريخ المراسلات الأدبية كتب بروست مثلا، أن رسائل فلوبير رديئة جدا، وقد عبّر عن خيبة أمله فيها واصفا إياها بالسقوط الحقيقي لذلك الكاتب الفذ. ويا للمفارقة، حين انتقد فلوبير نفسه رسائل بلزاك بالطريقة نفسها، ويبدو أن ما يسمّى بالرسائل الأدبية تغطية جيدة لنصوص خاصة تكشف حقيقة الشخص الذي يختبئ خلف الكاتب. إذ نعرف جيدا أن الكاتب يمتلك نوعا من المكانة التي ترفعه عن العامة، وهي وليدة مخيّلة القارئ الذي يضعه في سلّم الرموز التي يجب عدم مسّها.
وهنا أتساءل ما الفرق بين الكشف عن رسائل كتبها كاتب لكاتب آخر (أو لكاتبة أو لصديقة، أو لحبيبة أو لزوجة) وشهادات حقيقية يصرّح بها أقرباؤه وأصدقاؤه ومن عرفوه عن قرب، سواء في حياته أو بعد وفاته؟ أليست الرسالة خير شاهد على طريقة تفكير الشخص، وسلوكه، ومدى متانة مبادئه التي يحقن بها القارئ بلغة أدبية جميلة تلتهم مخّه؟
إن هذه الظّاهرة جديدة علينا، ففي الغالب كل ما يمكن أن يهزّ صورة الكاتب في نظر قرّائه يتلفه، كما يفعل رجال السياسة بالضبط. خاصة في الهزائم الحربية، إذ يسارعون لحرق أرشيفهم، خاصة تلك المراسلات الخطيرة التي تتم بين القادة، ولنا في ويكيليكس نموذج حيٌّ يشهد على ذلك في زمننا الحالي. لكن ماذا يعني نشر رسائل كاتب وافته المنية، إن لم يكن إعادة إحيائه من جديد، وإعطاء فرصة لقارئ من جيل مختلف لاكتشافه؟ هذه وجهة نظر. وثمة وجهة نظر أخرى تقول إنّه من حقّ القارئ أن يعرف شخصية الكاتب المزدوجة، ويرى حقيقة تطوّر مشاعره وأفكاره ومن كان له الفضل في ذلك. ففي الغالب تختلف رسائل الشباب عن رسائل الكهولة، كما تختلف النصوص الأولى للكاتب عن نصوصه الناضجة حين يتقدّم في العمر والتجربة، وهذا يجعل الرسائل حتما شكلا من أشكال الأدب، ومحطّة إنسانية مهمّة يجب الاطّلاع عليها.
قد يرفض البعض وجهة نظري هذه بحكم أنّ الرسائل «خاصّة» وهي ملك للمتوفى، ولا يحق لأي شخص أن ينشرها بعد وفاته دون إذنه. وسأذكر هنا مقولة لغادة السمان مرة أخرى وهي، إن الكلمة كالرّصاصة متى ما أُطلِقت لن يعود في إمكاننا استرجاعها، وهي حتما متى ما وضعت في صندوق البريد فقد أصبحت ملكا للمرسل إليه، وليست ملكا لأحد، حتى لا يذهب البعض في تبرير آخر باسم التهرُّب من الورثة. وحدها الرّسالة ملك لمن وُجّهت إليه، لأنّها موجهة إليه، وكل كلمة فيها تعنيه. الرّسالة ليست ولدا يتقاسم ميراث والديه.
بعيدا جدّا عن نظرية «موت المؤلّف» و»موت الموضوع» تبقى الرسائل صوتا حقيقيا عن نوع الحداثة التي لامست حياة الأدباء في عصرهم، حتى إن برزت ملامحها بشكل جيد في نصوصهم الأدبية. وهنا يحق لنا أن نسأل، ما حجم الهوّة الحداثية بين الإنسان والكاتب التي تكشفها هذه الرسائل؟ حقيقة لا أجد مبرّرا لكل هذا التنمُّر والتهجّم على غادة السّمان قبل صدور رسائل نزار قبّاني لها، سوى أننا في انحدار أخلاقي مرعب، فحتى السيدة فيروز بكل عظمتها وجد متنمّرو السوشيال ميديا في شيخوختها سببا للتنّمُّر عليها، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدل على خسارتنا اليومية لإنسانيتنا وتقدّم الوحش الذي يسكننا على حساب حكمة العقل وصفاء العواطف. وهذا يؤكّد لي مرة أخرى أن أجمل ما فعلته غادة هي نشر رسائل غسّان كنفاني، وأنسي الحاج، لكسر صورة «البطل العربي الذي لا يملك قلبا» وكأنّه كائن آلي مبرمج فقط لإنجاز البطولات دون أخطاء. أقول هذا وأنا كلّي شوق لقراءة رسائل ابن العمّة وابنة الخال، كصديقين عشقا الأدب، وشهدا معا على ميلاد حقبة جديدة من تاريخ مشهدنا الأدبي، وصنعا سقفه قبل حلول هذا الزّمن الدّاكن الذي لا يعرف قيمة الكلمة.
شاعرة وإعلامية من البحرين