خفايا وألغاز عالم يحيى القيسي

تتبع قصص يحيى القيسي عدة أنماط وأشكال. بعضها ينتمي لأسلوب الرؤية ويتوزع بين سلسلة من الأحلام وأحلام اليقظة والكوابيس. ومن خلالها يحاول أن يخترع نفسه، وأن يطورها في زمان افتراضي ومكان متحول. ولذلك يستبدل في مطلع قصة «المزدحم» عبارة «كان في قديم الزمان» بعبارة «كان في قديم المكان». كما أنه يحاول أن يصور العالم من زاوية خاصة به، فلا ينظر إلى حياته على أنها وجود اجتماعي، لكن كما لو أنها عدسة مجهر، ننظر بها من الخارج إلى الداخل. وربما لهذا السبب يعتقد كثير من النقاد أنه كاتب متصوف، مع أنه يتابع تجربة حالمة في واقع مأزوم. وهو موضوع قصة «تلك الليلة» التي تدور أحداثها حول شاب يلغي فكرة الهجرة، ويترك حقيبة السفر، ويلتحق بالخدمة الإلزامية. والحقيبة رمز فرويدي له معنى واحد، وهو الأثقال والذنوب التي يحملها المرء، والأثقال هنا هي القانون، لكنه قانون مدمج يتساوى فيه الأب (حامل مصباح ديوجين/ في قصة «مخاض الأيام العواقر») مع الابن الذي يشهد على المأساة ولا يشارك فيها. وعموما لا يوجد آباء وأبناء في قصص القيسي، بل مجرد أولاد كبار وأولاد أصغر ترعاهم أم (هي شريك متضامن – وتلعب دور عين الرجل ويده في قصة «فضاءات مثقوبة»). لكن في خاتمة المطاف يحصد الابن وحده نتيجة ضعف والديه. وحينما يقول الضابط لقوات الاحتياط في قصة «تلك الليلة»: هل أنتم جاهزون للتضحية بأرواحكم؟
يرد الراوي: نعم سيدي.
وبكل ممنونية تستبدل القصة حقيبة السفر بالخوذة المعدنية والعتاد، فهي أحمال من نوع آخر، لكنها أيضا إشارة إلى ذنوب وأخطاء يتحملها الإنسان. وتقسيم هذه القصة إلى 3 لحظات: الاستعداد للسفر. حضور الشرطي. العودة للجبهة المشتعلة، لا يختلف كثيرا عن عقدة أوديب، التي تنقسم أيضا إلى ثلاث لحظات: نبوءة العراف – ولادة الابن – حكم الأب الجائر. ودائما يوجد في البنية النفسية لشخصيات يحيى القيسي كثير من القلق والغموض، مع محاولات مستميتة لتبرير النقائص والأخطاء. ففي «الفردوس المحرم» يهرب الضابط من الكهف المرصود، ويترك أتباعه بانتظار عودته. وفي «أبناء السماء» يحاول الراوي أن يثبت أننا غير موجودين ونحن طاقة مهدورة في الفضاء. وهذه الفكرة تبرر إغفاله لكل الأشكال المائية، الراكدة التي تجري، أو الغمر – رمز الفناء والعدم، والينابيع – رمز التخصيب والحياة.
وعلى وجه العموم في مختلف قصص القيسي إصرار على أن الخطأ في الخارج ونحن بمأمن منه إذا عشنا حياتنا الداخلية، لكن الواقع يغربنا عنها بواسطة أدوات تعذيب ومنع ومنها:
1- اليأس (قصة «المتشظي») فالتاريخ جامد ويخذل الجنس البشري.
2- الغدر (قصة «فطومة»). وهي أجمل بنات القرية وتتعرض إلى لدغة أفعى سوداء ثم تموت. وربما كان الحذر والتستر أحد أهم مكونات الخطاب في أدبيات القيسي. وسبق له أن بنى كل رواية «الفردوس المحرم» على أساس الكتمان.
3- الظلام (قصة «مخاض الأيام العواقر»). وتصوره القصة بشكل غول أو ضبع يلتهم الأم والإخوة جميعا. ولا يترك مرئيات غير الهواء. وهي ليست صدفة، فملاحظة شيء غير الانتفاع منه، وأن يرى بطل القصة الصغير «ذرات الهواء اللزج» كما يقول، لا يعني أنه يتنفس ويعيش، لكنه يتمنى ويأمل فقط. هذا غير رهاب العمى الذي قد تتسبب به شدة الظلام، وما يترتب عليه لاحقا من رهاب بالخصاء، لولا أن الأب يسرع لشد أزر ابنه وإلغاء مخاوفه بالولاعة ثم الفانوس. ولا أعتقد أن الابن ينظر لأبيه كمقاتل، لكن كمصدر من مصادر المعرفة.
4- الجوع (قصة «الكلام غير المباح في الزمن النباح»). وفيها يتساوى العذاب مع موت المبادئ. ويخدم كلاهما في توسيع رقعة الاستلاب أو قتل الوعي والعودة إلى الغريزة. ومع أن القصة ذات حبكة اجتماعية ولا يغلفها غبار بقية القصص، تقدم دليلا آخر على رهاب الخصاء واقتراب أوديب من ارتكاب جريمته ثم الإحساس بفداحتها. فهو ينظر لامرأة جميلة (بلحمها ودمها) وكأنها أم غريبة وحان الوقت للتضحية بها أو لالتهامها. وهذه أول نقطة دم في قصصه، لكن الوليمة لا تنعقد وتبقى مجرد احتمال.
وهنا تتجلى خصائص عالم يحيى القيسي، فهو ليس عالم الأب القاسي والمولع بتعذيب أبنائه وابتزاز أمهم، لكنه عالم الابن المحروم، الذي يبحث عن فرصة للانتقام وإشباع ثم ملء الفراغ الذي يسقط فيه ويعاني منه. وبهذا المعنى يقول مسعود بطل قصة «الكلام غير المباح» بعد أن يقتحم القاعة: أنت تحلم بيد تطعمك حتى تشبع. ولا يكتفي يحيى القيسي بمتابعة سيرة الابن، لكن أيضا يهتم بحياة الأبناء في أرجاء الكون المفتوح والمتصل بالألغاز من جهة (في قصص الرؤيا) وبالمتاعب والعذاب (في القصص الاجتماعية). وبودي أخيرا الإشارة للعلاقة العضوية بين أدب الرؤيا والحداثة. وهذا ينطبق على الجميع ابتداء من رموز التصوف في القرن العاشر وحتى رموز الستينيات والسبعينيات. فالهم الذي جمعهم واحد، وهو الانفصال عن لغة البلاط – أو أدب المناسبات. لكن آخر موجة في مشروع الحداثة حملت على كاهلها أمرين.
الأول استبدال الكاتب التابع بكاتب مستقل.
الثاني الاهتمام بمجتمع الأمة، واتباع خطط للمقاومة.
وفيما أرى الحداثة أصلا مشروعا استعماريا مضادا، أو أنها استعمار أبيض، وتتبع طريقة تطعيم نوع على نفسه، وكأنك تقول الأبناء يعيدون تأهيل آبائهم (كما جرى تقريبا في أول محاولات النهضة – وكانت بدايتها بناء الخط الحديدي في دولة السلطان عبد المجيد عام 1839). وتخيم على مثل هذه السياسة روح مازوشية، تسرف بتقريع وتأنيب الذات، مع تصويرها بشكل ضحية ضعيفة (ويدخل في هذا المضمار وهم التآمر والتجسس، وكأنه لا يوجد للعالم هم غير أن يكيد لنا). وأرى نفسي مضطرا، في هذا السياق، للتمييز بين بنية متفرعة ورواية مركبة. فالتفريع يستلزم درجة إنتروبي عالية، بعكس التركيب من عدة طبقات، بحيث يصبح المعنى أحفورة. وربما كان يحيى القيسي يبني كل آماله على تدارك هذه النقطة، لأنه يعمم ويجرد، ويواجه الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات. لذلك لا يسعنا إعفاء مشروعه من الهم السياسي والوطني. ويكفي التذكير بروايته «الفردوس المحرم» وقد تناول فيها ديمومة الروح وموت الصور (أو التقمص – خلود العقائد والأفكار) دون إهمال المشروع العربي وعصر اليقظة – وقد تقاطعت هذه المحاور بشكل تفريعات تخرج من جذر واحد – أو مرويات للحكاية نفسها، إذا اعتبرنا أن المرويات قصص – أو أنها جزء من بنية الخطاب وليس مادته. ومنها قصة «تلك الليلة» وتبدأ من غزو الكويت لتصل إلى النزاع الدائم مع إسرائيل. ولا يوجد عدو يحسب القيسي حسابه أكثر من إسرائيل والإسلام السياسي. لكنه لا ينتظر عودة القائد الروحي من غيبته، ولا يرتدي درعه ويستل سيفه، ويختار أن يكون حالة سائلة. بتعبير آخر لا يتبنى مواقف بطولية ولا عنتريات، ويراوح بين المشاهدة بصمت، أو الإعراب عن المخاض المؤلم، كأنه يريد أن يستبدل وعيه بأحاسيسه. ويمهد بذلك للانتقال من سياسة العمل إلى أسلوب المعاناة، فيقول في قصة «مائدة الوحشة»:
أنا جمع بصيغة المفرد. أنا كثير.
ثم يضيف بانتشاء عجيب: أنا أمة وحدي.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية