بينما يتواصل التصعيد الميداني ولاسيما في مدينة أفدييفكا شرق أوكرانيا أبلغت الحكومة الأوكرانية الإدارة الأمريكية بأنها تخطط لإقالة القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، فاليري زالوجني.
باريس ـ «القدس العربي»: وسط تقارير عن عزم الرئيس الأوكراني على عزله على خلفية خلافات بينهما، تحدث قائد الجيش الأوكراني عن أن بلاده قد تضطر إلى تعديل استراتيجيتها العسكرية بسبب انخفاض المساعدات العسكرية الخارجية. يأتي ذلك فيما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مساعدة بقيمة 50 مليار يورو لأوكرانيا، والتي تأمل، الآن، أن يوافق الكونغرس الأمريكي على مساعدة أمريكية بقيمة 61 مليار دولار طلبها الرئيس جو بايدن.
فبينما تواصل التصعيد الميداني ولاسيما في مدينة أفدييفكا الواقعة في مقاطعة دونيسك بشرق أوكرانيا التي أضحت محور المواجهة الرئيسي في الأيام الأخيرة، نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصدرين مقربين من مكتب الرئيس الأوكراني، تأكديهما، مساء الجمعة، لما أوردته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في وقت سابق، بأن الحكومة الأوكرانية أبلغت الإدارة الأمريكية بأنها تخطط لإقالة القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، فاليري زالوجني، وذلك على خلفية خلافاتها مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي، بعد فشل الهجوم الأوكراني العام الماضي في استعادة مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا، بما في ذلك الخلاف بشأن مقترح فاليري زالوجني «بتعبئة 500 ألف جندي جديد».
نحو تعديل الاستراتيجية؟
يعتبر زيلينسكي «أن ذلك ليس ضروريا الآن» وأن القوات الأوكرانية «لديها العدد الكافي من العناصر التي يمكن استخدامها بشكل أكثر كفاءة». وأكد أحد المصادر لرويترز أن عملية إعفاء القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية من منصبه تظلّ معلّقة في الوقت الرّاهن، ومن غير الواضح كم من الوقت ستستغرق هذه العملية. فيما أكدّ المصدر الآخر أن البيت الأبيض لم يعبر عن موقف واضح من الموضوع. غير أن تقارير غربية وأوكرانية تحدثت عن رفض زالوجني طلب زيلينسكي له بالتنحي.
يرى مراقبون أن إقالة زالوجني، المعروف باسم «الجنرال الحديدي» قد تسبب بزعزعة الروح المعنوية للقوات الأوكرانية نظراً إلى الشعبية الكبيرة التي يحظى بها هذا الأخير. لاسيما وأن هذا الأمر يأتي في توقيت وسياق حرجين بالنسبة للقوات الأوكرانية التي تعاني من نقص كبير في الذخيرة الحيوية، وسط نفاد إمدادات العتاد من الولايات المتحدة.
في أوج الغموض حول مستقبله، قال القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، فاليري زالوجني، في مقال رأي له نُشر يوم الخميس، إن بلاده قد تضطر إلى تعديل استراتيجيتها العسكرية بسبب انخفاض المساعدات العسكرية الخارجية. وأوضح أنه «يجب التعامل مع انخفاض الدعم العسكري من الحلفاء الرئيسيين بسبب الخلافات السياسية الداخلية في بلدانهم» في إشارة منه خاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعدّ أكبر مزود للأسلحة إلى أوكرانيا. فالكونغرس الأمريكي، ما يزال يُعرقل المساعدات الإضافية بقيمة 61 مليار دولار التي طلبها البيت الأبيض من أجل أوكرانيا، حيث يشترط مشرّعون جمهوريون مستاؤون من تدفّق مهاجرين غير نظاميين إلى الولايات المتحدة من المكسيك، على الإدارة إجراء تعديلات كبرى على مستوى ضبط الهجرة والحدود للمصادقة على حزمة المساعدات لأوكرانيا.
رسالة أوروبية «قوية جدا» لبوتين
وعلى عكس الولايات المتحدة الأمريكية، تمكنّ القادة قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أخيراً، خلال قمتهم الاستثنائية التي انعقدت الخميس المنصرم في بروكسل، من التّوصل إلى اتفاق بشأن تقديم مساعدة بقيمة 50 مليار يورو لأوكرانيا والتي كان يُعرقلها رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي يُعد الزّعيم الوحيد من بين قادة دول الاتحاد الذي حافظ على علاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ بدْء الحرب في أوكرانيا قبل نحو عامين. وكان فيكتور أوربان على هذه المساعدة قد أثارت حفيظة نظرائه الأوروبيين خلال اجتماعهم في بروكسل شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث تم اتهامه وقتها بابتزاز الاتحاد الأوروبي من أجل تأمين صرف تمويلات أوروبية مخصصة لبلاده جمدتها المفوضية الأوروبية على خلفية انتهاكات قانونية داخلية ارتكبتها بلاده. وتعدّ هذه المساعدة الأوروبية الجديدة المخصصة لأوكرانيا (33 مليار دولار على شكل قروض و17 مليار دولار على شكل تبرعات على مدى أربع سنوات) مدرجة في ملحق لميزانية الاتحاد الأوروبي حتى العام 2027.
ومن المقرر أن يصوت البرلمان الأوروبي على هذه الميزانية الأوروبية المنقحة في وقت لاحق من الشهر الحالي. كما تنص التسوية التي تم التوصل إليها على إعداد المفوضية الأوروبية تقريرا سنويا حول استخدام أوكرانيا للتمويلات، وإمكانية قيام القادة خلال عامين، إذا لزم الأمر وبالإجماع، بطلب مراجعة المساعدة. وأيضاً يؤكد نص التسوية الذي تم التوصل إليه على الطبيعة «الموضوعية والعادلة والمحايدة» لأي قرار للاتحاد الأوروبي بشأن هذه الأموال.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اعتبرت أن هذه المساعدة التي قررها قادة دول الاتحاد الأوروبي لصالح أوكرانيا توجه رسالة «قوية جدا» للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل الذكرى السنوية الثانية «لغزوه الوحشي» لأوكرانيا. وتعد هذه الخطوة الأوروبية، التي أشادت بها أوكرانيا ووصفتها بأنها «انتصار مشترك» على روسيا، تعد، وفق مراقبين، رسالة إلى واشنطن في ظل عرقلة الكونغرس المستمرة لمساعدة مماثلة يريدها الرئيس الأمريكي الديمقراطي. في هذا الصدد، عبر المستشار الألماني أولاف شولتس عن «أمله في أن تساعد الخطوة الأوروبية في تسهيل الأمور» حتى يتمكن جو بايدن من المضي قدما في خطته لمساعدة كييف.
تبادل للأسرى
وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، كان قد حذر، خلال استقباله بداية هذا الأسبوع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، من أن مغبة المكاسب الميدانية التي حقّقتها أوكرانيا خلال أكثر من عامين في مواجهة روسيا ستكون في خطر إذا لم يصادق الكونغرس على مساعدات جديدة لكييف. فحتى الآن، قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية لأوكرانيا مساعدات بمليارات الدولارات منذ بدء الحرب قبل نحو عامين، غير أن هناك تردداً متزايدًا من مشرّعين من الحزب الجمهوري حيال مواصلة هذا الدعم لكييف، إذ يعتبر هؤلاء أن هذا الدعم يفتقر لهدف واضح مع استمرار القتال ضد القوات الروسية.
في خّضم ذلك، أجرت موسكو وكييف، يوم الخميس، عملية تبادل جديدة لحوالي 200 أسير حرب من الجانبين، في خامس عملية تبادل من هذا النوع في غضون عامين، والتي أتت بعد أسبوع من تحطم طائرة عسكرية روسية قالت موسكو إنها كانت تقل جنوداً أوكرانيين أسرى، حيث اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجيش الأوكراني بإسقاطها بصاروخ باتريوت أمريكي تستخدمه كييف لاعتراض الصواريخ أو المسيرات الروسية. وزارة الدفاع الروسية أوضحت تم تبادل «195 جنديا روسيا» مقابل نفس العدد تقريباً من الجنود الأوكرانيين، ورحب الرئيس الروسي بدوره بالعملية مؤكدا ان موسكو تريد «إعادة» جميع الأسرى المحتجزين لدى كييف. وقالت موسكو إن التبادل تم بوساطة من الإمارات العربية المتحدة التي لعبت دورا في العديد من العمليات السابقة المماثلة. من جهته، رحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعودة «207» أوكرانيين أسرى. وأوضح مفوض حقوق الإنسان الأوكراني دميترو لوبينيتس أن هذه خامس عملية تبادل من هذا النوع، مضيفا أن ما مجموعه 3035 أوكرانيًا تمكنوا من العودة إلى ديارهم.
في موازاة ذلك، رفضت محكمة العدل الدولية اتهامات وجهتها كييف لروسيا بـ«تمويل الإرهاب» منذ عام 2014 في شرق أوكرانيا، معتبرة أن الدعم الروسي للمتمردين الانفصاليين كان نذيرا بغزو شباط/فبراير 2022. وخلص قضاة في المحكمة إلى أن روسيا انتهكت بعض بنود اتفاقية الأمم المتحدة لمنع تمويل الإرهاب، لكن المحكمة رفضت البت في مزاعم من كييف بأن موسكو مسؤولة عن إسقاط طائرة ركاب ماليزية فوق شرق أوكرانيا في يوم الـ 17 تموز/يوليو عام 2014. وفي الحكم نفسه، خلص القضاة إلى أن روسيا انتهكت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري من خلال تقاعسها عن دعم تعليم اللغة الأوكرانية في شبه جزيرة القرم بعد ضمها لروسيا في 2014. وتمثل القرارات انتكاسة قانونية لكييف. ورفضت المحكمة طلب أوكرانيا بأن تأمر روسيا بدفع تعويضات لانتهاكها الاتفاقيتين، وأمرت المحكمة موسكو بدلا من ذلك بالامتثال للاتفاقيتين.
غداة ذلك، عادت محكمة العدل الدولية لتوضّح أنها مؤهلة للنظر في الجزء الأكبر من القضية التي رفعتها بشأن الغزو الروسي عام 2022 للمطالبة بالحصول على تعويضات من موسكو. وقد برر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمره بشن الحرب على أوكرانيا قبل نحو عامين بأن السكان الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا «تعرضوا للتنمر والإبادة الجماعية من قبل نظام كييف». وأصدرت المحكمة قرارا لصالح أوكرانيا، وأمرت روسيا بـ«التعليق الفوري» لعملياتها العسكرية المستمرة. لكن موسكو عارضت الحكم قائلة إن المحكمة، التي تفصل في النزاعات بين الدول، غير مؤهلة للنظر في القضية. ورفضت محكمة العدل الدولية الجمعة حجة موسكو قائلة إنها مؤهلة للنظر في القضية.