خلال ماراثون دبلوماسي في بروكسل: بايدن يتفق مع الأوروبيين على مدهم بالغاز لتقليص اعتمادهم على روسيا ويضع خطوطا حمراء أمام موسكو

آدم جابر
حجم الخط
0

حلف شمال الأطلسي يعرف جيدا أن أي مواجهة مع روسيا تعني الدخول في حرب عالمية ثالثة أو فتح الباب أمامها، وأن تلك الحرب مرشحة بقوة لأن تكون حربا نووية مدمرة.

باريس ـ «القدس العربي»: بهدف الإبقاء على موقف موحد في مواجهة الحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، كانت العاصمة البلجيكية بروكسل يومي الخميس والجمعة الماضيين مسرحاً لماراثون دبلوماسي غير مسبوق منذ بداية هذه الحرب التي تدخل شهرها الثاني، باحتضانها لثلاث قمم طارئة (حلف شمال الأطلسي- الاتحاد الأوروبي – مجموعة السبع) والتي خيم عليها حضور الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أتت جولته الأوروبية هذه المزدحمة لتوزع أكثر قدر ممكن من رسائل الطمأنة لحلفاء واشنطن.

 أمام تحذير الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في رسالة عبر الفيديو إلى قادة مجموعة السبع من «خطر حقيقي» لاستخدام القوات الروسية أسلحة كيميائية، بدا حلف شمال الأطلسي «الناتو» موحداً فيما يتعلق بمسألة الانخراط في الحرب، حيث جددت واشنطن وشركاؤها في الحلف رفضهم لأي تدخل عسكري في أوكرانيا.
في هذا الإطار، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، أن الدول الأعضاء في حلف الناتو لا تريد الانخراط في الحرب، معتبرا أن تجهيز أوكرانيا بمقاتلات أو دبابات يعد حاليا بمثابة حد لا يريد أحد أن يتخطاه لأن تجاوزه سيعني انخراطا في الحرب، على حد تعبير الرئيس الفرنسي.
واكتفى قادة الدول الأعضاء في مجموعة السبع بالتحذير، في بيان عقب اجتماع قادتها الطارئ «من خطر استخدام أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية» مذكرة روسيا بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية التي وقعت عليها.

خطوط حمراء

كما اكتفى الأمين العام للحلف يانس ستولتبرغ بالإعلان عن أنه سيتم امداد أوكرانيا بمعدات وقائية من الهجمات الكيميائية والبيولوجية والنووية وسيحمي قواته المنتشرة في الجناح الشرقي من هذه التهديدات.
ووافق قادة الحلف على إنشاء أربع مجموعات قتالية جديدة في رومانيا والمجر وبلغاريا وسلوفاكيا، وعلى تعزيز المجموعات الأربع التي تم تشكيلها في بولندا ودول البلطيق الثلاث. ووسط تقارير عن عزم الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بـ»صواريخ مضادة للسفن « أعلنت السويد وألمانيا عن إرسال آلاف الصواريخ الجديدة إلى أوكرانيا، التي سبق لجيشها أن تلقى ألف صاروخ وخمسمئة قاذفة صواريخ أرض جو من طراز «ستينغر» من احتياطيات الجيش الألماني.
فحلف شمال الأطلسي يعرف جيدا أن أي مواجهة مع روسيا تعني الدخول في حرب عالمية ثالثة أو على الأقل فتح الباب أمامها، ويعلم أن تلك الحرب مرشحة بقوة لأن تكون حربا نووية كارثية ومدمرة، ليس فقط على الجوانب العسكرية، بل على الجوانب الاقتصادية والتنموية وتأخير مسار النمو عقودا نحو الوراء، كما يقول الصحافي والمحلل السياسي المقيم في واشنطن، جعفر سيدي، ردا على سؤال لـ«القدس العربي».
ويضيف المحلل السياسي أنه «لذلك، فإن الناتو سيبقى حذرا للغاية، وسينتظر استنزاف روسيا في أوكرانيا التي تتلقى تدفقات كبيرة من السلاح من الحلفاء خاصة واشنطن، فمادام أن الحلف يتوفر على من يخوض عنه حربا بالوكالة دون خسائر، فلن يورط نفسه في مستنقع نووي محتمل».
لكن الرئيس الأمريكي جو بايدن حذر من مغبة أن حلف شمال الأطلسي «سيرد» في حال ثبت استخدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أسلحة كيميائية، معتبراً حلف شمال الأطلسي «موحدا أكثر من أي وقت مضى». بينما رفض الرئيس الفرنسي ماكرون تحديد «الخطوط الحمراء» في أوكرانيا والتي تعتبر واشنطن وشركاؤها في حلف الناتو أن تجازوها سيستدعي تدخلا. واعتبر إيمانويل ماكرون أن «التكتم أكثر فعالية».

سلاح العقوبات

 وعلاوة على الجانب العسكري، فإن بايدن يحاول، بحسب العديد من المراقبين، حشد مزيد من الدعم الأوروبي للاستمرار في موجة العقوبات ضد روسيا، حيث إن واشنطن لا تريد لهذا الجهد أن يتوقف حتى لا يؤثر ذلك على الزخم الإعلامي والنفسي للعقوبات ضد موسكو، إضافة إلى بعدها الاقتصادي والمالي الملموس على أرض الواقع.
في هذا السياق، أكدت مجموعة السبع، في بيانها ببروكسل، عزمها على «تطبيق» كافة العقوبات غير المسبوقة التي فرضت على موسكو، وأنها على استعداد لفرض «عقوبات جديدة « ضد موسكو.
غير أنه يبدو أن هامش المناورة فيما يتعلق بالعقوبات الغربية ضد موسكو، قد تقلص كثيراً، بعد أن ضاعف الأوروبيون والأمريكيون في الأيام الماضية العقوبات مستهدفين نصف احتياطيات العملات الأجنبية للبنك المركزي الروسي الصادرات الأوليغارشية والزعماء الروس بدءًا من بوتين.
وهي إجراءات بدأت بالفعل تخنق الاقتصاد الروسي، إلا أنها لم توقف حتى الآن الهجوم الروسي على أوكرانيا. ويبقى الآن الجزء الأصعب من العقوبات الذي تسعى إليه أوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول البلطيق ودول وسط وشرق أوروبا، باستثناء المجر التي تقيم علاقات وثيقة مع موسكو، ألا وهو فرض حظر على النفط والغاز الروسي، الذي تعتمد عليه أوروبا كثيراً، لا سيما ألمانيا.
نحو تقليص الاعتماد على الغاز الروسية
شددت سانا مارين، رئيسة الوزراء الفنلندية على أنه «طالما يشترى الأوروبيون الطاقة من روسيا، فيعني ذلك أنهم يمولون حربها على أوكرانيا». وفي وقت سابق، حذر المستشار الألماني أولاف شولتز من أن فرض حظر على الطاقة الروسية «من شأنه أن يغرق ألمانيا وأوروبا بأسرها في الركود». وهو موقف تشاطره دول كإيطاليا وبلجيكا.
ويبدو الرئيس الأمريكي بايدن، الذي قرر في وقت سابق حظر واردات الطاقة الروسية في بلاده، مصمما على المضي قدماً في مساعيه لاقناع حلفائه الأوروبيين بالتقليل من اعتمادهم على الغاز الروسي، الذي يبقى حتى الآن ورقة موسكو الاقتصادية في مواجهة الأوروبيين.
وقد نجح في التوصل مع الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق على تشكيل «فريق عمل» بهدف الحد من اعتماد أوروبا على الوقود الأحفوري الروسي، معلناً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ستزود الاتحاد الأوروبي بمزيد من الغاز الطبيعي المسال لمساعدته على تقليل اعتماده على إمدادات الغاز الروسية.
وأعلن بايدن أنه سيتم تمكين أوروبا من الحصول على 15 مليون متر مكعب إضافية من الغاز الطبيعي المسال هذا العام، وذلك في وقت أعلنت ألمانيا أنها ستخفض اعتمادها على موارد الطاقة الروسية بشكل حادّ وسريع باستغنائها عن واردات الفحم بحلول الخريف وعن واردات النفط بحلول نهاية العام.
الاتحاد الأوروبي، كان قد أعلن سابقا خططا طموحة تساهم في خفض وارداته من الغاز الروسي بمقدار الثلثين هذا العام وإلغاء الواردات تماما قبل نهاية العقد. وأوضحت فون دير لايين أن فريق العمل سيعمل مع الدول الأعضاء «من أجل أن تضمن حتى العام 2030 على الأقل، حصول الاتحاد الاوروبي على 50 مليار متر مكعب في السنة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي الإضافي».
ويرى المحلل السياسي جعفر سيدي أن الولايات المتحدة تريد أن تشعر روسيا بمزيد من الضغط والعزلة الدبلوماسية حتى تنتزع منها مرونة أكبر في التفاوض، لا سيما وأن بايدن «المخضرم» يعرف جيدا مدى عناد بوتين «المراوغ» على حد تعبيره.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية