خلود ناصر تقدم الدعم النفسي عبر يوتيوب وفيسبوك من الولايات المتحدة وتشدد على تطبيق التقنيات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بعد انفجار المرفأ سألت عن دورها في معالجة بعض ندوب أهلها في لبنان

بيروت-“القدس العربي”: استفاقت ذكريات خلود ناصر المنغرسة في نفسها عن طفولتها ومراهقتها في وطنها لبنان بعد انفجار المرفأ. ففي صغرها احتاجت لمن يشرح لها ما عاشته من حروب لبنانية متنقلة. ولم يكن الأمر وارداً. وإلى الحروب الأهلية عانت ناصر من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قريتها والقرى المجاورة في جنوب لبنان. لهذا، وبعد انكشاف الأضرار التي خلّفها انفجار المرفأ على البشر، وتداعياته النفسية القاسية قررت أن تكون داعمة لكل من يستطيع التواصل معها عبر فيسبوك ويوتيوب، ولو عن بعد. إلى حينه سجلت خمسة فيديوهات تراها مفيدة لكل مواطن عربي لم يعرف حياة الأمان من فلسطين والعراق وسوريا وغيرها.

خلود ناصر ممثلة مسرحية اختبرت الصولو مرتين، إيماء في مسرحية “سكويك” وتعبيراً في مسرحية “مرا لوحدا” إلى غيرهما من الأعمال. وقبل ست سنوات سافرت إلى الولايات المتحدة وتخصصت بالعلاج النفسي عبر الدراما ولا تزال هناك. “القدس العربي” حاورتها عن جديدها عبر فيسبوك “دعم نفسي..لبنان” وعن الفيديوهات على يوتيوب بعنوان “5 دقائق لإلي”.

التفاصيل:

*كيف خطر لك المساهمة بتخفيف مصاعب الناس بعد انفجار المرفأ؟

**كبرت في زمن الحرب الأهلية وعشت في منطقة بين بيروت الشرقية والغربية. وكوني من الجنوب وأزور بلدتي على الدوام، فقد عشت الآثار التي كانت تخلفها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قريتي والقرى المجاورة. كبرت مع شعور بحاجة عالية للدعم النفسي ولم يكن متوفراً وغير حاضر في قاموس المجتمع. كبرت من معاناة من أعراض نفسية، وفي عمر 27 سنة خضعت لعلاج نفسي. ولو وجد هذا العلاج في حينه لكان أفضل. درست المسرح في لبنان وعملت لسنوات طويلة، وقبل ست سنوات جئت إلى الولايات المتحدة للتخصص في العلاج النفسي. بت حالياً معالجة ولي عيادتي، وحدث الانفجار، ومن المؤكد حاجة الناس للدعم النفسي فآثاره كبيرة لدى كثيرين. والمتضررون مباشرة قد تكون لديهم درجة عالية للإصابة باضطراب مع بعد الصدمة. فكان قراري بتصوير فيديوهات دعم نفسي وتوعية، مع علمي الأكيد بأنها ليست بديلا عن العلاج النفسي. وكذلك مساعدة الناس على استخدام موارد نفسية وتقنيات لخمس دقائق يومياً. فمن شأنها تحسين النفسية، والمساعدة على استعادة التواصل مع الواقع، ومع المكان والزمان والذات. فالصدمات المماثلة تفقد المرء علاقته مع الواقع ومع الذات.

*هل حفّزك البعد الجغرافي للحضور في أزمة إنسانية لإبعاد شعور العجز؟

**أنا بعيدة جداً نعم، لهذا سألت نفسي عن دور لي. البعد عن الوطن في ظرف مماثل أليم، ويمتزج مع مشاعر العجز. وكان الحل باستخدام خبرتي كمعالجة نفسية، واللجوء لوسائط التواصل، فجائحة كورونا علمتنا التواصل الأسهل.

*هل من فئة محددة تتوجهين لها؟

**الهدف الأساسي من الفيديوهات أن تشمل كافة الفئات العمرية. ولهذا تقصدت استخدام لغة سهلة وبمتناول الجميع. أن يكون للمرء نافذة على الموارد النفسية، فهذا من صلب العدالة الاجتماعية التي ننشدها وفي كافة المجالات من حقوق مدنية وإنسانية وتوعية نفسة أيضاً. لكل البشر الحق بتحسين نفسياتهم لمواجهة كل الاهمال المباشر وغير المباشر الذي يطالهم. نحن كمواطنين في صلب المأساة وأقل حقوقنا أن يعرف كل منا كيف يحسِّن نفسيته ويتعامل مع الواقع. إذاً المنافذ نحو الصحة النفسية هي مسألة عدالة اجتماعية.

*لماذا تكررين تعبير الحدث وليس الانفجار؟

**منذ الحلقة الأولى التي تضمنت تعريفاً عن نفسي وعن البرنامج ذكرت بأن ما حصل هو انفجار أو تفجير أو اعتداء أو جريمة بحقنا، إنما في سياق الدعم النفسي فقط ذكرت بأني سوف استخدم تعبيراً لا يحفّز صوراً مؤذية في ذاكرتنا. في الدقائق الخمس الهدف راحة المتابعين ليس لي ذكر كلمة انفجار بحيث يذهب الفكر نحو صور بشعة. بل استخدمت تعبيراً يتيح لنا رؤية ما حدث في سياق زمني معين، وبدون تلاصق بالصورة البشعة. المصدومون تذهب عقولهم مباشرة إلى الصور البشعة، ودور الدعم النفسي التخفيف من وطأة الصدمة. لهذا استعمال تعبير الحدث يساعد في رؤيته من قبل المصدوم بأنه حدث في الماضي. فمن يعاني الصدمة من الانفجار يشعر بحدوثه في كل لحظة. ذكرت في أحد الفيديوهات أن الصدمة تشوش العلاقة مع الزمان والمكان، وكذلك مع الحاضر الذي نعيشه كأنه ماضي. الدعم والعلاج النفسي يهدف للفصل بين الماضي والحاضر. وهكذا يمكن لأي إنسان الاستفادة من الفيديوهات وفي أي بلد عربي كان، وقد يكون تعرّض لأي حدث صادم.

*كيف تتشوش العلاقة مع الواقع بعد أحداث مشابهة؟

**في صورة مجازية توضيحية عن تشوش العلاقة مع الواقع أذكر سماع الراديو حين تشوش محطة على أخرى. وهكذا فالواقع النفسي يشوش على الواقع الذي حولنا، فنعجز عن رؤية المكان والزمان والآخرين من حولنا. اضطراب الصدمات المتتالية كالتي يعيشها اللبنانيون، سيكون موضوع حلقتي المقبلة وهو ما يُعرف باضطراب الصدمة المركبة. ويعاني منها من يعيشون حروباً، أو عنفاً منزلياً متواصلاً. اضطراب ما بعد الصدمة أو الصدمة المركبة يؤدي لتشوش العلاقة مع الواقع بحيث ينشطر، ويعيش الإنسان في الواقع النفسي المرتبط بالانفجار. مع حدوث الصدمة القوية يصدر الدماغ تنبيهاً متواصلاً ومتزاماً مع إفراز هرمونات تنبيهية من الدماغ، ودون قدرة على إيقافها، مما يشعر الإنسان بأن الحدث يتواصل على الدوام. وهكذا يعيش الإنسان في الحدث وليس في الحاضر. وتنعدم رؤية من هم حولنا، والانفجار على سبيل المثال هو الصورة التي نشاهدها. وهذا ناتج عن الهورمونات التنبيهية للدماغ، والتي تؤدي لاضطراب هورمونات الجسد كاملاً. ولهذا أقدم في الفيديوهات تقنيات تساعد الجهاز العصبي في الجسم ليدرك أنه في أمان ويقلع عن إرسال الهورمونات التنبيهية. وكما تتشوش العلاقة مع الزمان والمكان إثر اضطراب الصدمة، فإنها تتشوش كذلك مع الجسد. وقد ذكرت في الحلقة الثالثة أن الجسد يعتقد أنه في خطر، وأن تقنيات التنفس واحتضان الجسد من قبل الشخص نفسه تساعده ليكون في وضع أفضل، ويبعد الخوف، وبالتدريج يعيد نفسه إلى المكان والزمان والواقع الحقيقي، ويبتعد عن الواقع النفسي المرتبط بالصدمة. إذا ثمة أدوات تساعد في العودة إلى الواقع الحقيقي، والتقريب بين الواقعين النفسي والحقيقي بعيداً عن الانشطار.

*من هم الأكثر عرضة لاضطراب بعد الصدمة والتشويش؟

**أي إنسان يصاب باضطراب ما بعد الصدمة سيكون لديه تشويش مع الواقع. ويغلب واقعه النفسي المتعلق بالانفجار على واقعه الحقيقي. والأكثر عُرضة لاضطراب ما بعد الصدمة هم من لديهم ماضي فيه الكثير من الصدمات، أو لديهم إشكالية في الصحة النفسية كما الاكتئاب، ومن كانت لديهم صدمات نفسية خلال الطفولة. لهذا مهم جداً أن لا يعاير أحدنا الآخر فيما خلفه الانفجار على الصعيد النفسي، سواء كان قريباً منه أم بعيداً. فالمسألة متعلقة بتجاوب نفس كل منا مع حدث معين، وكذلك حساسيته منه. إحساس أحدنا حيال أمر ما ليس بضعف كما هو سائد في بلادنا، بل موهبة. لهذا مهم جداً احترام اختلاف الحساسية حيال حدث محدد لدى كل منا.

*كم صحيح وضع حد لكل ما له علاقة بالحدث؟

**إذا كنا في سياق الكلام عن الميديا وخاصة التلفزيون، وإن كنا حيال صدمة ناتجة من الانفجار ونتابع أخبار وصور التلفزيون وغيره من وسائل التواصل الحديثة، فهذا يجعلنا نعيش ضمن الواقع النفسي الذي سبق ذكره. أي أننا نفقد التواجد مع اللحظة الحاضرة ويتابع الدماغ تشتته. من المهم أن يذهب أحدنا بعد الصدمة إلى مكان فيه خلوة، بعيداً عن محفزات الحدث الذي تسبب بالصدمة. وفي سياق العلاج النفسي داخل العيادة نطلب من الشخص أن يحكي عن الحدث عندما يكون جاهزاً لذلك، بهدف تخطيه. فالتعبير ضمن مكان آمن مهم. وثمة علاجات نفسية تقول باستدعاء الحدث والتنفس سوية. وبهذا يمكن للشخص أن يتعلم كيفية تخيل الحدث الذي خضّه وهو يتنفس جيداً، ويروي ويتخيل بوجود شخص حاضن لمساحة التعبير، وهو المعالج أو المعالجة النفسية. وهكذا يكون الشخص حيال هضم الصدمة التي علقت بجسده النفسي لحظة الانفجار. دور المعالج المساعدة في هضم الصدمة، وهكذا يستوعب من تعرض للصدمة أنه الآن في الحاضر وفي لحظة ومكان مختلفين.

*إلى متى ستواصلين تقديم الفيديوهات؟

**في كل مرة أشعر بضرورة تقديم موضوع أو تقنية ما أفعل ودون خطة مسبقة. باعتقادي قد تصل الحلقات 15  أو أكثر، وعددها الحالي خمس حلقات على يوتيوب.

*وهل أنت راضية عن نسبة المشاهدة؟

**ارتفاع المشاهدة يفرحني. سجل أحد الفيديوهات 1200 مشاهدة على فيسبوك و500 على يوتيوب. في حين لم تسجل فيديوهات أخرى سوى 100 مشاهدة. الفيديوهات التي تحصل على نسبة مشاهدة أعلى هي تلك المتضمة للمفاهيم والتوعية، فيما تقل نسبة المشاهدة للفيديوهات التي تتضمن تطبيقاً تقنياً. إلى جانب كوننا نفضل فهم الأمور، إنما حين نكون حيال دعم نفسي من المهم تطبيق التقنيات. رغم كوننا ننتمي لثقافة شفوية، فإن الصدمات والاشكاليات النفسية لا تجد حلّها على صعيد العقل فقط. ولأنها تصيب جسدنا أيضاً نحتاج إلى تقنيات يأتي الجسد من ضمنها. ومن خلال هذا الحوار أشجع المتابعين لتطبيق التقنية، كتعلُم كيفية التنفس، واسترخاء الجسد لنجد العلاج. يمكن تطبيق تلك التقنيات يومياً أو حين الحاجة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية