و سوف أحملُ للمسيحِ حذاءَه الشتوي / كي يمشي ككل الناس/ من أعلى الجبالِ إلى البحيرة .
صديقُ الهنودِ الحمرِ محمود درويش توفي في بيتهم في تكساس يوم التاسع من أب للعام 2008 ، و منذُ فجرِ اليوم الأول بعد الموت ، أرواحُهم التي لها أشعةٌ و جنود، تشعلُ النارَ حولَ جزيرةِ مانهاتن وعلى طول الشاطئ الشرقي لولايةِ نيويورك ، وداعاً واحتفالا ً بصديقهم وشاعرهم الذي بدَّلَ عوالمه .
وداعاً محمود درويش ،
سيمضي على رحيلكَ ألفُ عام ،
وداعاً للإثمِ الكنعاني و لعنةِ تموز ملاكينِ حارسينِ على كتفيك ،
وداعاً لسليل عائلات بلاد الشام الإنسانية ومصر الناس والتاريخ .
قبلَ أن يفتحَ محمود درويش باب الأرضِ لكي يمضي ، أضافَ إلى الحياةِ ، عبرَ تعددِ الثقافاتِ ووحدتِها الإنسانيةِ التي آمنَ بها، و عبرَ التحولاتِ المستمرةِ لحساسيَّتِه الشعرية، أشعاراً وقصائدَ وجمالاتٍ غيرُ مسبوقةٍ عربياً بكثافتِها و موضوعِها، فكتبَ عن الكاماسوترا و الهندي الأحمر و فلسطين بنفسِ مستوى ترددِ النبرةِ الشعريةِ لديه، مستخدماً عن عمدٍ حدسهُ الشتوي، وجمالياتِ المكانِ ( أي مكان) و الموضوعِ ( أي موضوعٍ) سواءً كان في الماضي أو الحاضرِ، مطوراً بحثَهُ المتواصلَ عن الجمالِ المختفي خلفَ الكلماتِ والأيام ، حدَّ كتابتِهِ كتاباً شعرياً كاملاً عن فلسطين دونَ أن يذكرَها بالاسم. وهو منذ ( وردٌ أقل) ندهَتْه أسبابٌ وأسرارٌ شعرية ،
من وراءِ الغيمِ و الكوكب ،
فاعتنى بها جميعاً ،
مبدياً رغبةً و انحناءً أمامَ لاوعيه الشعري المزروعِ فيه منذ آلاف،
إلى أن وصلَ بجداريتهِ قلبَ مدينةِ الاحتفالِ العارم بالحياةِ، مقدماً فيها لغةً شعريةً بالعربيةِ أقوى من أسطورتِها وتاريخيتِها، استوتْ على كرسي مجمعِ آلهةِ قصيدةِ النثرِ و التفعيلةِ بالعربية ؛ و كأنَّ صوتاً ما ،
من بلادٍ ما ،
لا قبلَ له و لا بَعد ،
مرَّ كبرقٍ لامسَ الأبصارَ الإلهية ،
ومنحهُ الحريةَ والإذن ،
كي يغيِّرَ رائحةَ الأرضِ الشعرية في العالمِ العربي .
قبل ذلك ،
أفصحتْ قصيدتُه (درسٌ من الكاماسوترا ) ،
عن كاتدرائياتٍ جنسيةٍ راقيةٍ في أعماقه ،
غيرِ مهدورةٍ في خيالاتٍ و أفعال ،
كأنَّ الجنسَ عندهُ لا زمانَ ولا مكانَ له ،
ويقعُ في مكانٍ أعلى من الحسِّيات المتداولة بين البَشَر منذُ قرون .
تمزَّق المدى بعد هذه القصيدة ،
ونامَ الشيطانُ على كتفِ امرأةٍ ،
تاركاً مكانَه و إلهَهُ
عارياً و فارغاً بلا نهاية .
تموز ، الهندي الأحمر ، المسيح ، زوربا ، محمود درويش .
خمسةُ وجوهٍ لشاعرٍ واحد.
شاعر سوري
جبران سعد