خمسون سنة على الحرب الأهلية مجسدة بفظائعها في «بيت بيروت» «احكيلي» معرض من لون وصوت وصورة ورائحة وأسئلة وذاكرة راكمتها ندوب الحروب

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:خمسون سنة مرّت على الشرارة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية. من عايشها يتذكّرها تا «ما تنعاد». وآخرون ما زالوا يسألون عن أسبابها، وبعضهم ينتظر تفسيراً للون أو رائحة علقت في ذاكرة طفولته.
مع مرور السنة الخمسين، وبعيداً عن تقاذف المسؤوليات، حضرت تلك الحرب مُجسّدة في «بيت بيروت»، السوديكو بعنوان «احكيلي». مكان نموذجي شكّل جزءاً من ذاكرة جمعية، لما يجسده من قتل وقنص.
«بيت بيروت» الذي شغلته «احكيلي» من مدخله إلى طبقته الثانية، قدّم سردية إنسانية تحليلية وتفاعلية، وعبر فنون بصرية وسمعية متعددة. سردية تدعو للتأمل والتفكير من خلال غرف وفتحات القنص المحصنة لتغتال مجهولاً مشى ببراءة في مرمى النار.
في «بيت بيروت» ومن خلال معرض «احكيلي» الصلة جلية بين السابق لـ 13 نيسان/ابريل وما بعده، في الطبقة الأرضية. أمكنة متمثّلة باستوديو «ماريو»، وصالون «افرام» للسيدات. قصص الصور كثيرة بعدسة «ماريو». وفي جانب آخر من عتبة البيت تنمو مكتبة عامة بالتعاون مع مكتبة السبيل في بلدية بيروت، لمن يرغب بالتبرع.
في الطبقة الأولى يبدأ الخط الأخضر مساره وتشعباته، فاصلا بين البيروتين. خط قطعه كثيرون للحاجة كما جرى مع فدى البزري التي رافقت جدّتها من منزل والديها خلف تمثال بشارة الخوري، إلى منزل جدتها خلف بيت بيروت، وكان يُعرف ببيت بركات. في ذاكرة فدى ألوان ورائحة، وربما جثث وأسئلة اُقفل عليها من دون إجابات. ذاكرتها انسابت مع المخرجة الفرنسية سيلفي باليو فولد فيلم «خط التماس».
خط أخضر آخر صنعه أديب فرحات من ذاكرة طفولته والتزامه، شكلا معاً الإنسان الذي يغلى لدى ابن الجنوب. إنها شذرات من الجنوب اللبناني جمعها أديب فرحات في أعماله. مفاتيح لمنازل أبادها العدوان الصهيوني الأخير، ذكريات بشر دُفنت تحتها، رائحة أهل وناس وأرض تعيش قهراً منذ زُرع الكيان في أرض فلسطين.
وفي طبقته الأولى ترك معرض «احكيلي» مساحة لقاء وحوار في صالون حميم. وجسّدت غرفة الجدة برائحتها الحنونة ومقتنياتها وتفاصيلها حنيناً للماضي، إلى عيادة طبيب الأسنان الدكتور نجيب شمالي وكرسيه الذي مرّ عليه قوم السياسة اللبنانية جميعهم، عرّفت عنهم بطاقاتهم الخاصة.
وللمفقودين والمغيبين قسرا في الحرب الأهلية وعددهم بالآلاف استعادة للمعرض المنجز سابقاً. معرض تكريمي لـ«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» والتي تأسست سنة 1982 وتصرّ الدولة على تجاهل أوجاعهم. هو تجهيز خاص بالمفقودين والمغيبين يجمع 155 محطة، و255 وثيقة.
إلى الطبقة الثانية حيث تدعو المعمارية هلا يونس الزوّار لرسم خط سيرهم اليومي بين العاصمة ومحيطها. «بيروت بالباص» دعوة لمدينة أفضل شكلاً وبيئة وأمان. وفي ثنايا الدعوة للتنقل بالباص محاولة لربط ما بترته الحرب من تواصل وتشارك بين فئات المجتمع اللبناني، وخاصة في العاصمة. وفي عملها هذا قدّمت يونس تركيباً فنياً يظهر حسنات النقل العام بل ضرورته الحتمية من أجل مدينة أكثر استدامة.
بين الطبقات جميعها يحكي المبنى حاله خلال الحرب. كتابات المسلحين، وغرف القنص المحصّنة، ثقوب الرصاص والشظايا، مخلفات وحرائق تركت ألوانها على الجدران، وبقايا المسلحين وبعثراتهم. مشاهد تحفر القلوب حتى مع مرور الزمن، ذاكرة موجعة يوقظها المكان، صورته الموحشة لا تغيب، ولا بد للمستقبل المنشود من هذا المبنى أن يُحدث التغيير.
في هذا التحقيق إضاءة على عدد من محاور المعرض بدءاً من فدى البزري التي ولدت بعد أيام من 13 نيسان/ابريل 1975. ذاكرتها مع الحرب الأهلية تحوّلت إلى فيلم وثائقي أخرجته الفرنسية سيلفي باليو عنوانه «خط التماس».
تقول فدى: سيلفي باليو صديقة قديمة حديثنا دائم عن الحرب الأهلية اللبنانية، إلى أن رأت في أقوالي معالم فيلم. لم تكن قناعتي بذلك مُكتملة، وجدت فيما عشته خلال الحرب ليس له جدوى، كون الآلاف غيري عايشوا الموت وسقط لهم ضحايا وجرحى. صممت سيلفي على إنجاز الفيلم، ودخلنا التفاصيل والشرح، فهي فرنسية ولا صلة لها بما حدث عندنا. استجابة لأسئلتها فتحت سجلّ ذاكرتي، ودققت بكل جواب. في معرض احكيلي كان للدمى دورها، وحضرت في فيلم «خط التماس» مستحوذة على ثلثه. دمى مثّلت أحداثاً مرّت في طفولتي، برفقة جدتي أو خلال خروجي من المدرسة. ويتضمّن الفيلم صوراً أرشيفية كثيرة من بيروت خلال الحرب، وبعضها من شوارع كنت أمرّ بها. إعداداً للفيلم شاركت بإجراء حوارات مع مقاتلين سابقين، بهدف إيجاد المسلح الذي أرعبني عند مدخل المدرسة حين رفع سلاحه بوجهي. وصوّرت المخرجة تلك الحوارات.
○ هل توضحت حيثيات الحرب بالحوار مع المسلحين السابقين؟
• لدى عرض الفيلم في مهرجان لوكارنو أخبرني كثيرون أنه ساهم بفهمهم للحرب اللبنانية، حسدتهم لأنهم فهموا. شخصياً فهمت كم هي عبثية ولأقصى الحدود، حتى المسلحين قالوا «كنا نناضل على ولا شي». أكثرهم قالوا «ما كان عندي قضية»، وآخرون كانت لهم قضية وأصبحوا غير مؤمنين بها. المفارقة أن أحداً من هؤلاء المسلحين لم ير ميتاً كما حدث معي على الطريق.
○ هل من أمر عالق في ذاكرتك من مشاهد تجاوز الخط الأخضر؟
• نعم. في الطريق شاهدت شخصين ميتين في منطقة بشارة الخوري وبقربهما بقع حمراء، عندما سألت جدتي كان جوابها «هيدا أحمر ونحنا بجهنّم الحمرا». كلام سمعته للمرة الأولى بعمر الثلاث سنوات. حادثة كانت ذاكرتي تستعيدها دائماً.
○ حضورك في فيلم «خط التماس» وفي المعرض هل ساهم بهدوء في ذاكرتك؟
• حصل ما لم أكن أتوقعه من ردود أفعال الناس. كان دوري أن أخبر ما عشته، ولم أتوقع مُطلقاً أني سأكون محظوظة لدرجة سماع ما عاشه الآخرون. سمعت منهم ما يشيًّب الرأس. أعتقد بأني أنهيت دوري مع إنجاز الفيلم، والآن استمع لما سيقوله من عايش تلك الحرب.

شذرات من الجنوب
جمعها أديب فرحات

«شذرات من جنوب لبنان ـ قصص عن الاحتلال والتحرير، والنضال والبقاء ـ جمعها أديب فرحات في أعماله. هذا التاريخ ليس رسميًا، بل مُعاشًا، ومتأثرًا بالمكان والألم والمثابرة».
○ نسأل أديب فرحات تعريفاً لشخصه؟
• صانع أفلام وأهتم بجمع مواد أرشيفية لها صلة بلبنان، وبجنوبه، وبفلسطين بشكل خاص. مواد متنوعة من صحف ومجلات، وأرشيفات خاصة، وكاسيت، وشرائط فيديو وبوستر، ومواد من مخلفات الاحتلال. عشت الاحتلال الصهيوني للجنوب في طفولتي، مسار حياتي وقراراتي، متأثّرة بالاحتلال.
○ ما هي الصورة العالقة في ذاكرتك عن الاحتلال؟
• ولدت في الجنوب سنة 1989 وعشت فيه إلى عام التحرير. يتمثّل الاحتلال بالقصف والمجازر، من مجزرة باص الأطفال في النبطية يوم عيد الأمهات سنة 1993، وعدوان سنة 1993، ومجزرة قانا سنة 1996، ويوميات الاحتلال وصولاً إلى التحرير. يمثّل الاحتلال المجازر والمعتقلات والمعابر، والقتل اليومي وقصف المدارس واستهداف الأطفال.
○ شاركت في معرض احكيلي بشهادات حية من العدوان الأخير. كيف أنجزته في زمن قصير؟
• شاركت العام الماضي بمعرض عن زمن الاحتلال من سنة 1978 إلى 2000 والذي افتتح في 16 أيلول/سبتمبر 2024، وسريعاً بدأ العدوان. احكيلي هو المعرض الثاني الذي أشارك فيه، يتضمّن بعضاً مما عُرض العام الماضي، إلى جانب آثار الحرب والقتل المستمر حالياً في الجنوب. ومن هذا المنطلق صممت العمل على علاقة الناس بمنازلهم ومفاتيحها، وهذا متّصل بالتروما التي ورثناها من أهل فلسطين، والذين احتفظوا بمفاتيح منازلهم في لجوئهم، ولم يعودوا إليها، بسبب الاحتلال. نلتقي مع الفلسطنيين على قواسم مشتركة في موضوع الاحتلال والعدوان، مشاعر الخوف من اللاعودة إلى الجنوب وجدت خلال هذا العدوان أكثر من السابق. فأخبار الدمار الكامل لبعض القرى، وتسويق العدو لوصوله إلى الليطاني ساهم بتنميتها. كنا في تحدي لجمع تلك المواد، خاصة مع استمرار العدوان، ومع وقف إطلاق النار كنت أول الواصلين إلى قريتي وباشرت مهمتي.
○ كيف تمكنت من الاختيار وتحديد هدفك؟
• الاختيارات فرضت ذاتها، الأسى مشترك لدى كافة الجنوبيين. بدأ البحث من الدائرة المحيطة، وبلقاءات الصدفة، ويحسم الاختيار تطور السردية وعلاقة الناس بمنازلهم المدمرة، أو ما تبقى منها.
○ وماذا عن موضوعات الفيديو الثلاثة التي اخترتها؟
• الهدف أن تكون للمواد الأرشيفية التي بحوزتنا حياة مستمرة، وأن تعيش من خلال القصص المرتبطة بالإنسان. إذاً التحدي في أن نعطي لتلك المواد حياة، أمزج في عملي بين الأرشيف والمواد الصوتية والبصرية، وفي هذا المعرض ركزت على ما أنقذه الناس من منازلهم، وعبر فيدوهات. الفيديوهات الثلاثة لأشخاص خسروا منازلهم، كريم صالح أمضى طفولته في لبنان، ومن ثم غادر للعمل في الخارج، وعاد بعد سنوات كعادة الجنوبيين لمواصلة حياته في وطنه، خسر منزله ومكان عمله، وهشام طقش الفنان التشكيلي الذي عاش حياته في الغربة، ومن ثم في لبنان متنقلاً بين مجموعة من البيوت، خسر مسكنه الذي يعتبره بيته المعنوي، وخسر لوحاته، بعضها مفقود الأثر، والبعض الآخر جرحى وهو في طور ترميمها. ماريا غفري من علما الشعب، خسرت المنزل الذي بناه والدها الراحل. وعاشت مشاعر خسارة والدها من جديد.

«بيروت بالباص»
مع المعمارية هلا يونس

○ كيف تقرأين دور الباص في التواصل للتعافي وتجاوز آثار الحرب الأهلية؟
• بالنظر إلى المدينة، نتناولها كمساحات وخدمات مشتركة، والنقل أحدها. تعبير العيش المشترك المتداول ليس «كلمة بالتم»، بل حقيقة مُعاشة يومياً. من يعيشون في المدينة يتشاركون مساحاتها العامة، وكذلك النقل المشترك. الفكرة الأساس تتمثّل بالسؤال إن كنّا مجتمعاً تخطى الحرب فعلاً؟ فهذا يعني أننا قادرون على تشارك الحيز العام وخدمات المدينة، والنقل أحدها. والفكرة التالية الأساسية هي أن النقل ليس ترفاً. بل يمثّل خدمة ملحة في مدينة معاصرة، لكونه يساعد في ضبط المدينة ضمن حدود جغرافية معينة. خطوط النقل المشترك تحدد بأن المدينة ستمتد إلى هذه المنطقة أو تلك، وفي بلدنا الذي يشكو تشتتاً وعشوائية عمرانية، تشكل شبكات النقل المشترك وفراً مادياً للمواطنين، فالنقل خدمة مرتفعة الثمن كثيراً، هذا إلى جانب التلوث الذي تتسبب به السيارات الخاصة. إذاً إن كنّا مجتمعاً تخطى الحرب يفترض أن نتشارك النقل المشترك. أما الفكرة الثالثة المتمثلة بحجة أن الحرب الأهلية انطلقت من باص كان خاصاً، فهذا ما شكّل مدخلاً للجانب الخاص بمعرض «بيروت بالباص».
٭ في بيت بيروت مرصد العمارة والمدينة، يركز على ثلاثة محاور رئيسية، تحدد دور الفاعلين في مجال البيئة المبنية في لبنان. والمحاور هي المحافظة على التراث، ترميم البيئة والمدينة، والمشاركة في الحيز العام. ومن خلال تلك المحاور تجسّد «احكيلي».
٭ سنة 1924 بنى المعماري اللبناني يوسف افتيموس مبنى بركات بتكليف من نيكولا بركات وزوجته. مبنى شغلته الطبقة الوسطى اللبنانية حتى اندلاع الحرب، فتحوّل مرتعاً للميليشيات نظراً لموقعه. أنقذه نشطاء التراث اللبناني من الهدم عندما قرر مالكوه بيعه سنة 1997، وخاصة المعمارية منى حلاّق. وبعد نزاعات والتماسات أصدرت بلدية بيروت قرار نزع الملكية للمنفعة العامة سنة 2003، وجاء في المرسوم أن مبنى بركات سيتمُّ ترميمه لاستيعاب متحف الذاكرة.
٭ افتتح بيت بيروت في 28 نيسان/ابريل 2016 وبات يحمل هذا الإسم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية