القاهرة ـ ‘القدس العربي’: أبرز ما في صحف مصر يومي السبت والأحد، كان مانشيتات وصور جريدة الإخوان ‘الحرية والعدالة’ ـ يوم الأحد التي يتم طبعها وتوزيعها بواسطة مؤسسة الأهرام، التي تتبع الحكومة، فقد كانت عن حرب 6 أكتوبر وحفلت بصور عن المظاهرات التي قام بها الإخوان لمهاجمة ميدان التحرير واحتلاله، والاشتباكات الدموية التي حدثت في اكثر من مكان بالقاهرة، خاصة رمسيس والدقي، وفي عدد آخر من المحافظات. كما نشرت مقالات عنيفة ضد السيسي وما قالت عنه انه انقلاب عسكري لابد من القضاء عليه.
كما انفردت ‘المصري اليوم’ في نفس اليوم بنشر أول حديث مع السيسي أجراه معه رئيس تحريرها زميلنا وصديقنا ياسر رزق، وقد تميز كلامه بالأدب الشديد عن الرئيس السابق محمد مرسي وعن الجماعة أيضاً، وأبرز ما قاله كان: ‘القراءة لتاريخ جماعة الإخوان تكشف فجوة الخلاف العميقة بين الجماعة والقوات المسلحة، ارتباطا بالكثير من الاعتبارات التي يأتي في مقدمتها، الخلاف التاريخي بين الجماعة وثورة يوليو 1952، وبصفة خاصة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، والخلاف العقائدي، ففي حين ان الانتماء والولاء في القوات المسلحة للدولة والوطن بحدوده، نجد الولاء والانتماء لدى الإخوان، للجماعة وافكار الخلافة والأمة التي لا ترتبط بالوطن والحدود.
هذه القراءة يجسدها عدم الإدراك لدى الإخوان ومؤيديهم للبعد الوطني للعلم، والسلام الوطني واليوم الوطني والمناسبات القومية، على غرار الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر وضرورة التفكـــــر والتدبر وتذكـــــير الأجيال بها وتكـــريم أبطالها وأسرهم، والنتيجة ان الاحتفال بذكرى أكتوبر استبعد الأبطال وقرب القتلة المنتمين أو المرتبطين بالجماعة، الأمر الذي شكل صدمة لنا جميعاً في القوات المسلحة، إلا اننا كمؤسسة منضبطة لم نبادر بإظهار الاستياء والرفض لهذه التصرفات غير المسؤولة، التي لا تسيء للقوات المسلحة وإنما للدولة والشعب والأمة العربية التي هي شريك متكامل مع مصر في هذا النصر’.
عبد الناصر أضاع مصر
لكنه كان نظيف اليد
ونبدأ بالشهادات، وهذه المرة ستكون لزميلنا الوفدي والمحرر الرياضي المخضرم والكاره لخالد الذكر، وابن شقيقة زميلنا الكاتب الراحل احمد عبدالفتح أحد أصحاب جريدة ‘المصري’ الوفدية العريقة، عبدالرحمن فهمي الذي قال في ‘الوفد’ يوم الخميس: ‘حب عدد كبير من الناس لعبدالناصر له سبب آخر غير سياسته التي اضاعت مصر، كما سبق أن قلت مراراً، الناس كل الناس، الشعب كله يعشق الرئيس والزعيم النزيه النظيف اليد، مهما أخطأ ومهما فعل، لم يكن سعد زغلول اكثر فدائية ولا اندفاعاً في محاربة الانكليز مثل أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي، ولم يكن مصطفى النحاس في ذكاء ودهاء وعلم اسماعيل صدقي، مثلا، ولكن منتهى النزاهة ونظافة اليد للزعيمين الكبيرين أصبحا أسطورة في نظر الجماهير. كذلك جمال عبدالناصر كثيرون يعشقونه، بعد 43 سنة من وفاته لازال كثيرون يذكرونه فضلا عن جنازته الرهيبة، لماذا وهو الذي أضاع مصر اقتصاديا من أجل السد العالي، وأضاع مصر عسكرياً من أجل تطلعاته؟ ومات ومصر محتلة من أسوأ دولة. مع ذلك كما قال فكري أباظة في ندوة بالنادي الأهلي انه عاش ليرى ويسير في اضخم ثلاث جنازات في تاريخ مصر، جنازة سعد زغلول ثم جنازة مصطفى النحاس، ثم جنازة جمال عبدالناصر.
أسرار وخبايا يرويها المرحوم محمد أحمد خلال سفرنا مع فرق الكرة في مجاهل أفريقيا، حيث لا سيما ولا مسارح ولا أي شيء في الليل سوى ان نجلس جميعاً ما عدا اللاعبين، نجلس في جناح الفندق مع محمد أحمد ليروي كيف كان يقبض مرتب عبدالناصر ويصرفه على أسرته ويستغني عن أشياء مهمة لأنها فوق طاقة المرتب. بدله من المحلة وقمصانه تفصيل من محل اسمه ‘خطاب’ في شارع العباسية. شقيقة زوجته تشتري لها ملابسها وتحاسب محمد أحمد، وغير ذلك كثير بتفاصيل مثيرة للغاية كنا نسمعها بشغف في ظلام الليل، قل ما شئت في أخطاء عبدالناصر، تكفي حرب 1967 وإعطاء سورية كل خزانة مصر من أجل الوحدة، التي لم تتم. وحرب اليمن التي اضاعت الجيش وكل ذهب مصر، وكوارث كثيرة. قل في عبدالناصر ما شئت سياسياً، ولكنه كان في منتهى التقشف والبعد عن المال الحرام، مثل الزعيمين الكبيرين، حبس شقيقه في سجن الحضرة عندما علم بأخذه رشوة، حبسه من دون محاكمة، لكن أبناءه وزوج ابنته لم يحذوا حذوه بعد وفاته، فهو غير مسؤول عنهم، رحم الله الجميع’.
‘الحرية والعدالة’: ها أنت قد عدت
يا جمال لتعيد مجازرك وسجونك!
وإلى المعارك الخاصة بالإخوان المسلمين، معهم وضدهم وقد بدأها يوم الخميس زميلنا الإخواني شعبان عبدالرحمن، الذي يعمل في مجلة ‘المجتمع’ الكويتية الإخوانية، بقوله في جريدة ‘الحرية والعدالة’، ‘هناك عند قبر الزعيم، التأم شمل حكام مصر الجدد، هيكل بصحبة عبدالحكيم ابن الزعيم، ثم انضم إليهم الفريق السيسي ليقف الجميع لحظات خشوع وتجديد للعهد مع الزعيم، في احتفال صامت تنطق أجواؤه بتتويج السيسي خليفة لعبدالناصر، وكأن لسان حالهم يقول ها أنت قد عدت يا جمال لتعيد مجازرك وسجونك بأبشع مما كان، مجازر رابعة 2013 تجدد مجازر الخمسينيات والستينيات ومسالخ سجون ناصر تتجدد مع سجون السيسي، والضحية واحدة، الذين يقولون ربنا الله من الإخوان وكل الشرفاء، لكنهم في عرف القوم إرهابيون.. هناك عند قبر الزعيم انتفخت أوداج القوم نشوة بالنصر عبر انقلاب غادر على أول رئيس مصري منتخب، وأفرغ الجميع زخات الفرح بالانتصار على عدو سلمي في ‘رابعة’، الوجوه تزداد تهللا وبشــــرا وهي تستعيد مشاهد شلال الدماء المتدفق من المسالمين في ‘رابعة’ والعيون تتفتــــــح لمعاناً، وأسارير الوجه تنفرج طرباً وهي تستعيد صور الجثث وألسنة النيــــران تلتهمــــها وجرافات البلدية تكسحها بين القمامة، انه حقاً يا عبدالحكيم يا ابن الزعيم النصر على ‘الإرهاب’! هناك، جدد الجمــــيع العــــهد مع الزعيم على مواصلة الطريق، سحق الشعب وسجن الشعب وإفقار الشعب وهــــزيمة الشعب وكتابة ذلك في سجل البطــــولات طالمـــا كان ذلك تحت عنوان محاربة الإرهاب’.
‘الأخبار’: ما زالت صوره تملأ المكان والزمان
ولم يكن المسكين يدري ما ينتظره من أهوال ومصائب، ففي نفس اليوم، ألقى زميلنا في ‘الأخبار’ أحمد شلبي أول مصيبة بقوله: ’43 سنة مرت على رحيل جمال عبدالناصر وما زالت صوره تملأ المكان والزمان، رغم انه جاء من بعده أربعة رؤساء ما بين راحل ومخلوع ومعـــــزول ومؤقت، عندما جاء عبدالناصر وما قام به من إصلاحات للنهوض بالبلاد وتحقـــيق العدالة للفقراء وانصاف الفلاحين والعمال، وغيرها من أعمال تساعد المجتمع على الوقوف على قدمـــــيه، كانت الجماهير سنداً له تدفع بكل ما تملك من جهد لتحقيق التنمية، أما الآن فالــــناس في حالة فوضى اجتماعية وقيم منهارة واستغلال لكل ما هو متاح أن تمتد إليه أيديـــــهم، فالوطنية غائبة. استلهام أعمال عبدالناصر الوطنية لا يكون برفع صوره فقط وإنما باستكمال المسيرة الوطنية الى الأمام، وإلا سيعود بنا الزمان الى سنوات الانحطاط’.
الشباب يبحثون عن الأب
الغائب عنا جميعا
وبعده توالت الهجمات على شعبان، ولكنها من النوع الذي لا يغضبه لأنها صادرة من جميلات حتى وان كن عدوات، ومنهن زميلتنا بـ’الأخبار’ الدكتورة سمية سعد الدين وقولها في نفس العدد: ‘لماذا يستدعينا الحنين إلى وجود جمال عبدالناصر بنفس الحماس والروعة رغم اننا نعيش الذكرى الـ43 لوفاته؟ ولماذا قام شباب الثورة باستدعاء الطيف الغائب لناصر، وليبدو في لحظة الحراك وكأنه هو المحرك الفعلي لوقود الثورة؟ وما الذي جعل الشباب الوطني الثائر من صغار العمر يعيدون الانتماء إلى عهده يرفعون صوره، ويرددون شعاراته، ويجيدون الانصات الى خطاباته، ويعيدون تجسيد مواقفه الوطنية والعربية والدولية؟ سؤال يحمل إجابته بين ضلوعه الملتاعة، في أن الشباب يبحثون عن الأب الغائب عن الوطن، والغائب عن العائلة، والغائب عن الجامعة، والغائب عن المدرسة، والغائب عن المصنع، والغائب عن الأرض الزراعية، الأب الغائب عنا جميعاً’.
أهم الكلام ما قاله عبدالحكيم نجل الزعيم ناصر، وهو أن ‘الفريق أول عبدالفتاح السيسي، هو الوريث الوحيد لعبدالناصر’.
نوال مصطفى: لماذا يربط
الناس بين ناصر والسيسي؟!
وما أن سمع شعبان اسم السيسي، حتى أراد الهرب، ولكن وقعت مصيبة أخرى ألقت بها زميلتنا الجميلة نوال مصطفى، قائلة في ذات العدد: ‘لماذا يربط الناس بين الزعيم الراحل جمال عبدالناصر والبطل الشعبي الذي يتربع على قلوب المصريين الآن الفريق أول عبدالفتاح السيسي؟
سؤال فرض نفسه وراود خاطر الكثيرين: هل لأنهم وجدوا في السيسي صورة الزعيم وكاريزمته؟ هل لأن موقفه البطولي في حماية إرادة المصريين والدفاع عن حقهم في استعادة مصر في لحظة تاريخية فارقة، أثر فيهم وشحن قلوبهم بالحب الحقيقي والامتنان لها البطل؟ لقد أنقذ عبدالناصر مصر من الاستعمار والإقطاع وحررها من نظام ملكي ضعيف فاسد تابع للمندوب السامي البريطاني، بينما ساند الفريق السيسي ثورة الشعب المصري في 30 يونيو 2013، ورفض ان تمتد يد غاشمة للنيل من الشعب الثائر الرافض لديكتاتورية الإخوان وعملائهم في الخارج، وخلال الاحتفال بذكرى الزعيم عبدالناصر في 28 ايلول/سبتمبر حضر الفريق السيسي الاحتفال الشعبي بتلك الذكرى الخالدة في قلوب المصريين، وقال يومها، ان عبدالناصر سيظل الزعيم النموذج في الكفاح والتضحية من أجل بلاده، لقد وجد شعبنا ضالته المفقودة في الفريق السيسي وشعر بأنه الرجل الذي يمكن الاعتماد عليه والوثوق به في تحمل مسؤولية بناء مصر’.
مي عزام: لماذا ظل عبد الناصر حياً؟
أيضاً، استمتع شعبان بخبطة ناعمة جاءته في نفس اليوم من ‘المصري اليوم’ وزميلتنا مي عزام وقولها: ‘في ذكرى رحيل ناصر من كل عام يدور في رأس محبيه وكارهيه، على حد سواء، نفس السؤال: لماذا ظل عبدالناصر حياً بعد أكثر من أربعة عقود من الزمان؟ لماذا يرفع الشباب صوره في كل مظاهرة مع الشعارات التي تنادي بالكرامة والعدالة الاجتماعية؟ لماذا لم يبق من عبدالناصر إلا ظله الأخضر، رغم أن فترة حكمه كان فيها ما فيها من سقطات وأخطاء؟ لماذا حين تذكر صفة الزعيم لا نتذكر سواه؟ ولماذا ظل ناصر مشروعاً مطروحاً حتى هذه اللحظة وبكل هذا الزخم؟ كل عام وعلى مدى 43 سنة كنا نحيي ذكرى رحيل عبدالناصر، ولكن هذا العام كان الأمر أكبر من مجرد ذكرى كان حضوراً طاغياً وأملاً في نفوس المصريين أن يعود ناصر للحياة في جسد آخر ليعيد لبلدهم ما تستحقه من مكانة’.
نساء اتشحن بوشاح ‘رابعة’ و’النهضة’
ينطلقن وسط الشوارع يثبتن الرجال والشباب
وإلى نوعية أخرى من المعارك، الخاصة بنساء الجماعة، ويبدو أنها بدأت تدفع أعداداً منهن للكتابة في جريدتهم ‘الحرية والعدالة’، مثل الجميلة عزة مختار، التي حكت لنا رواية لطيفة عن ابنتها التلميذة، وكيف أن المدرسة عندما سألت التلاميذ، مين يعرف يجاوب على السؤال، فقامت ابنتها برفع أربعة أصابع بدلا من أصبع واحد. وأخذت تحكي عن حوار دار في الفصل. عزة عادت يوم الجمعة، وكتبت مقالا آخر عن حكايات عن نضال السيدات المسلمات وربطته بنضال نساء وبنات الجماعة، فقالت: ‘كتب التاريخ الزاخرة بأسماء رجال عظماء تشمل بعض أسماء هؤلاء العظيمات ممن وقفن وشاركن وعلمن ورفعن وثبتن على الطريق، منهن ماشطة ابنة فرعون وامرأة فرعون وأم ‘موسى عليه السلام’، وأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وأسماء بنت عيسى، وأسماء بنت أبي بكر التي ثبتت ابنها الذي خشي التمثيل بجثته بعد قتله بقوله: وماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ وغيرهن من نماذج متفرقة على مدى التاريخ الإنساني، قرأنا كثيرا في التاريخ القديم والحديث وفي حركات تحرر الأمم وبناء الأوطان لنبحث عن بطولاتهن، لكنني وللأمانة لم أجد هذا الكم من النساء مجتمعات في مكان ما أو زمان يقمن بالمشاركة وربما في بعض الأحيان بالمغالبة في الثبات والجهاد وتقديم النموذج الحي للوعي وتضحية المرأة المسلمة إذا فهمت قضيتها جيداً وعملت عليها مثلما وجدته في ما يحدث في مصر الآن.
نساء اتشحن بوشاح ‘رابعة’ و’النهضة’ وميادين مصر كلها، قد وضعن على وجوههن ‘كمامات’ ينطلقن وسط الشوارع يثبتن الرجال والشباب ويصرخن حي على الجهاد، حي على الشهادة حي على الجنة، نساء ثبتن ثباتاً اسطوريا. حين تعلم إحداهن باستشهاد ابنها أو ابنتها أو زوجها، تقف خلفه لتكمل المسيرة في صمود لم نعهده في عصرنا هذا إلا في نماذج معدودة على أصابع اليد الواحدة، نساء لم ترهبهن نيران العسكر ورصاص العسكر وسجون العصر، وبعدما انحصرت اهتمامات المرأة في الفترة الماضية بأشياء دون المستوى، بل مثلت بعضهن عوائق في طريق الزوج الذي اختار الجهاد سبيلا، وبعدما كان جل همها اهتمامات سطحية لا تخرج عن نطاق احتياجات البدن، أو إعلاء لشأن متطلبات دنيوية لا ترتقي لمستوى أصحاب الدعوات والمهمات الكبرى، مثل مهمة تحرير وطن أو بناء أمة، تحولت تلك الاهتمامات كلها في مفاجأة أدهشت كل من شاهد وتعايش معها في ميادين مصر التي شهدت حضورا غير عادي للنساء فاق في بعض الأوقات أعداد الرجال’.
قصة إهانة ونزع حجاب
ابنة المرشد مصطفى مشهور
وفي نفس العدد، كتبت الجميلة وفاء مشهور ابنة مرشد الإخوان الخامس المرحوم مصطفى مشهور التي حكت عما تعرضت له بعد اعتقال والدها عام 1965: ‘التحقت بمدرسة سراي القبة الإعدادية وقدري انه كان معي في الفصل ابنة وزير الداخلية شعراوي جمعة، ومن هنا كانت رحلة المأساة، المديرة تنتظرني امام الباب بالضرب وخطف حجابي وإلقائه في صندوق القمامة ثم تستلمني معلماتي في الفصل بالتناول تحية لابنة وزير الداخلية، بالضرب والتهديد وتحذير زميلاتي من التعامل والتحدث معي، لأن أباها إرهابي خطير على البلد، وأظل ابكي بجوار السبورة، وكم كانت تقتلني نظرات زميلاتي طوال اليوم وفي الفسحة لا أخرج حتى لا تخطف مني المديرة حجابي الثاني الذي كنت قد أخفيته عنها، وبعد نهاية اليوم انتظر حتى تذهب المديرة والمشرفة خوفاً من تكرار الحدث وأعود الى البيت لأجد المخبرين امامه لتفقد من يأتي لنا مما كان سبباً لانقطاع تردد الأهل والمعارف، فأدخل لأمي الصبورة لأجد أخي وأخوتي البنات حدث لهم ما حدث لي’.
‘الجمهورية’: ‘أصابت المرأة وأخطأ عمر’!
ويبدو والله أعلم ان روايات نساء الإخوان استفزت زميلنا خفيف الظل ومدير عام تحرير ‘الجمهورية’، محمد أبو كريشة لأنه قال يوم الأحد: ‘لم يجد سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو أمير المؤمنين الأعظم حرجاً من أن يقول على رؤوس الأشهاد أصابت المرأة وأخطأ عمر، ولم يجد الإمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – وهو أيضاً امير المؤمنين الأعظم حرجا، وهو يقول في عز العداء والحرب مع معاوية – رضي الله عنه – وأنصاره انهم إخواننا بغوا علينا، وقتلانا وقتلاهم في الجنة إن شاء الله. نسمع ذلك ونقرأه كأنه أساطير الأولين، كأنه خيال، كأنه ‘حواديت’، والمأساة اننا جميعاً نعرفه ونردده، الفاجر منا قبل البر، والمفسد قبل المصلح، والشرير قبل الخير، والأسافل قبل الأعالي، لا فضل لأحد على أحد منا في حلاوة الكلام وطلاوة اللسان وبلاغة وفصاحة البيان ونتبارى في ‘الحكاوي’، ونكمل بعضنا لبعض نصوص الروايات ويصحح بعضنا لبعض الأحاديث والآيات وأخبار الصحابة والتابعين، حتى زهقنا، حتى أن أحداً لم يعد يقول جديداً والكذابون أحلى كلاما وأعذب قولا، خصوصا لدى النساء وأسرع الناس وصولاً إلى قلوبنا خصوصا قلوب النساء أعذبهم قولا ولو كان أكذبهم فعلا’.
أكذوبة جهاد النكاح
وأخيرا الى موضوع يثير الكثير من الجدل، تناوله الكاتب فهمي هويدي في صحيفة ‘الشروق’ امس قال فيه: ‘تبين أن قصة جهاد النكاح ليست سوى أكذوبة أطلقها أبالسة المخابرات السورية، لطعن وتشويه فصائل مقاومة النظام هناك. وقد تولت أبواق النظام الترويج للمقولة، التي أحسب أنها نجحت بصورة نسبية في الحط من شأن كل القوى الوطنية التي تخوض معركة الدفاع عن كرامة الشعب السوري، وأسهم في الترويج لتلك الفكرة الشيطانية كثيرون من خصوم التيار الإسلامي خارج سورية، إذ التقطوها ووظفوها في معاركهم الداخلية خصوصا في مصر وتونس، حتى تعددت الكتابات التي لم تر في ممارسات فصائل ذلك التيار بل في المقاومة السورية ذاتها غير حكاية جهاد النكاح، بل إن قيمة الجهاد ذاتها بكل جلالها أهينت وابتذلت بحيث لم تعد ترى إلا من هذه الزاوية، وكأن الجهاد صار غطاء لارتكاب الفاحشة وإشاعتها.
في حين هللت بعض وسائل الإعلام العربية للحكاية، فإن الإعلام الفرنسي هو الذي فضح الأكذوبة فيها. وهذا ما فعلته صحيفة ‘لوموند’ وقناة فرنسا 24. فقد نشرت ‘لوموند’ في عدد أول أكتوبر الحالي تقريرا أكد أن جهاد النكاح لا وجود له في سورية وأن إعلام النظام السوري هو الذي اخترع الفكرة في إطار حملته على الثوار، الذين كان قد وصفهم في السابق بالمتسللين من الخارج لنزع صفة الانتماء الوطني عنهم. وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك المفهوم ظهر إلى العلن في المرة الأولى في أواخر عام 2012 عبر قناة الجديد اللبنانية الموالية لدمشق. وعلى الفور تم استنساخه من قبل المنابر الإعلامية الموالية للرئيس الأسد. وكان الهدف من إطلاق الكذبة ليس فقط تشويه صورة مقاومة النظام ولكن أيضا صدم الرأي العام الغربي. ولإعطاء المصداقية للفكرة فإنها بنيت على فتوى لأحد الدعاة السعوديين المعروفين (الشيخ محمد العريفي) إلا أن النفي السريع الذي أصدره الداعية دفع المروجين للفتوى إلى نسبتها إلى مصدر مجهول تعذر إثباته.
أضافت الصحيفة الفرنسية أن مسألة جهاد النكاح يتوافر فيه عنصر الإثارة الذي تبحث عنه وسائل الإعلام، وهو ما يفسر كثرة تداولها في الصحف والبرامج التليفزيونية رغم ثبوت عدم وجود أي فتوى تتطرق إلى الموضوع أو تجيزه. وأشارت في هذا الصدد إلى أن جميع أطراف المعارضة السورية، من الائتلاف الوطني السوري إلى الجيش الحر وجبهة النصرة، رفضوا الفكرة وشددوا على أنه لا وجود لها بين الثوار.
تطرقت الصحيفة إلى تصريحات وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو الذي تحدث عن ذهاب تونسيات إلى سورية للمشاركة في ذلك النوع من ‘الجهاد’، وقالت إن الوزير لم يعط أية أرقام عن عدد هؤلاء. كما أنه لا توجد شهادة من أي فتاوى تونسية توثق الخبر، قبل أو بعد التصريحات التي أطلقها.
قناة فرانس 24 خلصت إلى ذات النتيجة، وذكرت أن وزير الداخلية التونسي الذي أثار الموضوع على خلاف مع حركة النهضة. وأشارت إلى أنها استطلعت الدوائر وثيقة الصلة بالمقاومة السورية التي نفت القصة من أساسها ونسبتها بدورها إلى المخابرات السورية. ونقلت عن أحد المراقبين الذين أوفدتهم الجامعة العربية إلى سورية ـ السيد أنور مالك ـ قوله إن قصة جهاد النكاح أطلقتها المخابرات السورية. وأضاف تقرير القناة معلومتين مهمتين الأولى أن الصور التي ظهرت لفتيات تونسيات نسب إليهن الاستجابة لتلك الفتوى مختلقة وغير صحيحة لأنها لفتيات شيشانيات التقطت لهن أثناء فترة الاشتباك مع السلطة الروسية. الثانية أن صحفية في قناة ‘الميادين’ اللبنانية القريبة من النظام السوري ‘اسمها مليكة جباري’ قدمت استقالتها من القناة لأنها أُجبرت على فبركة القصة وتلفيقها وبثها على شاشة القناة.
إن ‘الشبيحة’ في سورية ليسوا فقط أولئك الذين ينقضّون على المعارضين ويفتكون بهم على الأرض، لأن لهم نشاطا آخر يمارسونه في الفضاء الإعلامي، من خلال إطلاق مختلف القذائف الملوثة والمسمومة من قبيل القصة التي بين أيدينا، التي تفتك بالخصم وتسعى إلى اغتياله وتدميره أدبيا ومعنويا.
إلا أننا ينبغي أن نعترف بأن نشاط شبيحة الإعلام أكبر وأوسع نطاقا، ليس فقط لأن مشاهدي التلفزيون أكبر بكثير من قراء الصحف والكتب، ولكن أيضا لأن ذلك الصنف من الشبيحة ليسوا موجودين في سورية فحسب، ولكنهم لهم نظائرهم في مختلف أنحاء العالم العربي، وقد انجذبوا إلى ممارسة المهنة بعدما أدركوا أن الإعلام صار في زماننا ضمن أسلحة الدمار الشامل، التي تفسد ضمائر الناس وتقتل أرواحهم وتجردهم من إنسانيتهم، في حين يظلون أحياء يمشون على الأرض.