خمسينية حزيران: رؤية جديدة لمعنى الهزيمة

عملياً كانت مصر هي الطرف الذي أعلن الحرب في حزيران/يونيو 1967، فجميع الإجراءات التي اتخذت في الأسبوعين الأخيرين قبل الحرب، أظهرا أن مصر تستوعب فعلاً أنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، وأن الحرب ستندلع بين لحظة وأخرى، وهو ما حدث كما كان متوقعاً صباح الخامس من حزيران، ولكن ما لم يكن أحد يتوقعه، حتى اسرائيل نفسها، أن تكون مصر لقمة سائغة بهذه الطريقة، وأن تتلقى هزيمة منكرة، من دون أن تمتلك الحد الأدنى من القدرة على الرد ومن دون أن تظهر الحد الأدنى من اللياقة اللازمة للتعامل مع هجمة إسرائيلية واسعة.

لم يكن الجيش المصري في حالة تسمح له أصلاً بتشخيص ما الذي يجري في شبه جزيرة سيناء، ولذلك انطلقت آلة الإعلام في القاهرة تتحدث عن تساقط الطائرات الإسرائيلية مثل الذباب، وهو بالمناسبة ما كان يفترض أن يحدث في دولة تهيأت للحرب، وعقدت جميع الترتيبات لها، وفوق ذلك كانت صحافتها تتحدث أصلاً عن مرحلة ما بعد المعركة التي حسمتها لمصلحتها، واتضح أن جيل الضباط الأحرار الذي جرى إعداده في ظروف الحرب العالمية الثانية بطريقة تتسم بالتعجل، لم يكن مؤهلاً للدخول في حرب إقليمية واسعة، وأن المشير عامر الذي تحصل على لقبه الباذخ، من دون أن يخوض حرباً في حياته، ومن دون تاريخ يؤهله لذلك، منفصل تماماً عن الواقع، ولا يستطيع أن يقدم تقريراً مناسباً عن الموقف، وأن جميع تخميناته لم تكن أكثر من أحلام يقظة قادت مصر إلى الهاوية بالمعنى الحرفي.
حالة الانفصال التي تعايشها الجيوش العربية تفاقمت بعد حرب حزيران، وبالطريقة نفسها، يتذكر الجميع كيف تبخر الجيش العراقي في سنة 2003 أمام تقدم القوات الأمريكية، وربما ما زال البحث جارياً عن الجيش الذي كان يتحدث عنه الوزير محمد سعيد الصحاف حتى اليوم، فالعسكريون حين ينظرون للقدرات التي تتوفر لجيوشهم، ومدى الإنفاق على تحديثها، والمزايا التي يتحصل عليها القادة والضباط، يتناسون بأن ذلك أصلاً يكون حصيلة افتئات على جوانب أخرى في الدولة، وأن البلد، أي بلد، يقتطع من التعليم والصحة وغيرها من الخدمات المهمة، ليغذي آلة الجيش الذي يرى نفسه كياناً فوق الدولة، فيعتقد بأنه يحقق الهيمنة والسطوة، ويتناسى العسكريون بأن الحرب ليست مواجهة بين الجيوش، ولكنها لحظة تصادم كثيفة ومريعة بين مشروعين وصلا لمرحلة التناقض الكامل، وأن الجيش عندما يدخل الحرب، فإنه يجب أن يستند إلى عمقه وخطوط إسناده الخلفية، المتمثلة في إمكانيات الدولة الأخرى، وعادة ما تجدها الجيوش العربية غائبة، لأنها بقيت تستهلكها وتقتات عليها لفترات طويلة من الزمن حتى الاهتراء والتلاشي.
بالعودة للنماذج الكلاسيكية، مصر 1967 والعراق 2003، فإن الجيوش التي زعمت ألا صوت يعلو على صوت المعركة، وقوضت الحياة الديمقراطية والبنى السياسية في المجتمع، قامت بعملية تجريف للجهات التي يمكنها أن تراقب، وأن تحاسب عمل الجيوش، ويمكن أن تقوم بتقدير موقف حقيقي خلافاً لما كان يجري طبخه في الكواليس، فالفريق سامي الخفاجي يذكر مثلاً أن بعضاً من قيادات الجيش العراقي علموا بغزو الكويت من وسائل الإعلام، ولم يكن صدام حسين الذي يفتقر لأي خلفية عسكرية حقيقية مهتماً أصلاً بأن يضعهم في الصورة، فضلاً عن أن يكلف نفسه بالرجوع إلى أي أحد في قرار اعتبره ضمن صلاحيات القائد الضرورة، وهي حالة عبد الناصر نفسها الذي لم تتعد إجراءات الاطمئنان على جاهزية قواته المسلحة للحرب، تصريحات صديقه المشير وتأكيداته على أن كل شيء على أفضل ما يرام.
لم يكن لا صدام حسين ولا عبد الناصر مهتمين حقيقة بالاستماع إلى الدبلوماسيين والمختصين في السياسة الدولية، وبدلاً من تعزيز هذه المؤسسات وتطويرها جرى تفتيتها وتهميشها وتخوينها، فالدولة التي تركتها الأنظمة الملكية وراءها، تحولت إلى مجرد ديكور شكلي تجري تغذيته من قبل أبناء وأقارب وحلفاء العسكريين على المستوى الاجتماعي، كما أن أياً من الرئيسين لم يكن ليضع ما يسمى بمجالس النواب أو الشعب، أو أياً يكن من أسماء لممثلي الأمة في الصورة، فبجانب الدبلوماسية جرى ضرب البنية القانونية للدولة والمؤسسات الدستورية المختلفة، وعلى ذلك فإن الجيش بدا منفصلاً عن وسيلة تواصل حقيقية مع العمق الذي يمكن أن يعبر عن نفسه في البنى الاقتصادية، ووسائل الإمداد والتحالفات الضرورية، على مستوى المجتمع من أجل إسناد الجيوش في المواجهة العسكرية.
حتى لو استوعب الجيش المصري الحرب بعد الضربة الإسرائيلية التي أدت إلى إلحاق الشلل بقدراته، فإنه لم يكن ليتمكن من تحقيق النصر في الحرب، فأقصى ما كان يمكن أن يفعله هو تجنب الهزيمة المذلة، ذلك أن حزيران 1967 كانت تمثل لحظة الحقيقة والحساب لكل التجربة الناصرية في نسختها الفرعونية، ولكل الأكاذيب التي اشتملت على ترسانة القدرات الصاروخية والتحول الصناعي الذي كان من دون جدوى حقيقية، ولم يكن بإمكان مصر في وضعها في تلك المرحلة، وبتصعيدها لأصحاب الولاء والحناجر الهتافة تستطيع أن تدخل حرباً طويلة المدى، لأنها عملت طويلاً على استبعاد النقد وتحييده وتجميده.
الأمر نفسه ينطبق على الجيش العراقي في 2003 فبغداد كانت ستسقط في النهاية إن لم يكن في أبريل ففي مايو أو يونيو، لأن العراق نفسه لم يكن يستطيع أن يقدم شيئاً للجيش، ولا أن يعبر عن روحه التي استهلكت لمصلحة النظام وصورة النظام، وهذه الحقيقة بقي الجميع يتجاهلها ويصرف النظر عنها، فما فائدة جيش كبير في أفراده وعتاده وهو لا ينبني على مجتمع يستطيع أن يدعم جهوده الحربية في أقاصي الأرض، ولماذا تتقدم الجيوش العربية في أعداد منتسبيها، وفي إمكانيات قواتها البرية غالباً، من دون أن ينعكس ذلك على قدرتها على التأثير في المعارك خلف الحدود، وفي تحقيق القدر من الرهبة الذي يمكن أن تفرضه جيوش أخرى أقل في عدد أفرادها، ولا تفرض وتيرة العسكرة نفسها في المجتمع، كما هو سائد في الدول العربية، وعلى الأقل في كل من مصر والعراق والسودان وسوريا والمغرب والسعودية والجزائر والأردن، ولماذا لا يصطدم المواطنون في ألمانيا أو فرنسا أو انكلترا بالمنشآت والمظاهر العسكرية في كل مكان، بذات الكثافة التي تتبدى في المنطقة العربية، ولماذا يعتبر الانضمام للجيش مدخلاً لمجموعة من المزايا التي تجعل العسكري، في بعض الدول العربية، مختلفاً بالضرورة عن المواطن العادي، ويحمل هموماً مختلفة عن همومه.
الهزيمة لم تكن محصلة لأعمال عسكرية ولكنها كانت هزيمة دولة، بكل ما تعنيه الدولة من معاني وقدرات، أمام دولة أخرى، كانت سقوطاً لمشروع بكل ما يحمله المشروع من أبعاد وتفاصيل أمام مشروع آخر، وما زالت احتمالات الهزيمة قائمة لأن الانفصال الوجودي ما زال قائماً ويتمدد ويتوسع ويتزايد تعقيداً.
كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية