خمس حكايات بين منهاتن وبروكلين

حجم الخط
0

وقت بين صفيرين

الرجل الذي اخترع صفير قطار الأنفاق في نيويورك كان حزينا بطريقة جارحة. أفرغ شحنة حزنه في ذلك الصفير الذي صرت أسمعه كلما اقترب القطار من شرفة بيتي. «لديك ما تفعله بين صفيرين» أقول لنفسي لأشعر بالوقت. ولكن الوقت يمر سريعا في نيويورك. في مناسبات سابقة وقفت على النهر الشرقي من جهة بروكلين وحيدا ولكنني الآن أقف عليه من جهة منهاتن. ذلك ما سمح لرجل ملتح أنيق بالجلوس إلى جانبي على المصطبة. ولأن الأمريكيين لا يتركونك وحيدا، فقد قال لي «هل تشاركني التدخين؟» ظننت أنه يطلب مني سيجارة فقلت له «أنا أدخن مالبورو» ضحك وقال «رجل وحصان. شكرا لدي سجائري» وصار يدخن. بعدها أخبرني أنه كان يكتب الشعر أثناء قيادته لقطار الأنفاق. سألته «ما سبب ذلك الصفير الحزين؟» تأملني مبتسما. قال «لم أفكر في ذلك من قبل. لقد جعلتني أشعر بالحزن على نفسي».

ضحك يُعلم الحلم

في سنترال بارك التقيت بثلاث نساء صينيات. كلما نظرت إلى امرأة صينية أفكر في الكلمات المتقاطعة. ذلك الصمت التي هو عبارة عن بئر غاصة بالكلام. لم التق بهن، بل جلسن إلى جواري على المصطبة. لم ينقطع كلامهن ولم ينظرن إليّ. لقد حدقت فيهن كما لو أنني أكرههن. كنت أكذب. لكنهن لم يحملن كراهيتي على محمل الجد. أما كان علي أن أتعلم اللغة الصينية، لكي أفهم ما يجري من حولي؟ ضحكت إحداهن وهي تنظر إليّ «لا عليك. ثلاث عجائز من الصين يحيين أحلامهن في مدينة حلمن بزيارتها. ألم تحلم يوما بزيارة مدينة ما؟» اخترعت ذلك اللقاء من أجل أن أكون وحيدا.

إذا مات الديك

ديك الجارة يحب أن يمازح المصلين في الكنيسة، التي تقع خلف بيتي في بروكلين. حملت جارتي ديكها مع متاعها حين أتت من المكسيك. ديك مكسيكي. ولأن المصلين وهم أفارقة، يغنون ويرقصون أثناء الصلاة فإنها علمت ديكها على صيحتين. الأولى تبدأ قبل الصلاة بلحظات والثانية يطلقها بعد أن يصل المصلون إلى الطريق التي تفصلهم عن القيامة بشارعين. في المسافة بين الصيحتين يبقى الديك واقفا في حالة تأهب كما لو أنه جندي لم يخبره أحد أن الحرب قد انتهت. حين يخرج المصلون من الكنيسة يلقون على الديك التحية برفع قبعاتهم فيحرك جناحيه ليرد التحية. بسبب ذلك الطقس الذي لا يحدث إلا يوم الأحد صرت أشعر بأن المصلين صاروا يعتبرون إلقاء التحية على الديك جزءا من صلاتهم. لذلك قد يطوب ذلك الديك قديسا إذا مات.

ذهبت إلى هارلم من أجله

في إحدى محطات قطار الأنفاق رأيت اسم جيمس بالدوين مكتوبا على جدار بحروف صغيرة، لم أتحقق من المناسبة.. كيف يمكنني ذلك؟ هناك ما يقارب خمسة أسماء إلى جانبه. في القطار صرت أتذكر جملة لطالما رددتها مع نفسي قبل سنوات يقول بالدوين فيها «شخص ما، والدك أو أبي، كان عليهما إخبارنا أن قلة من الناس فقط يموتون من الحب. لكن الكثرة تهلك وتفنى كل ساعة، وفي أكثر الأماكن غرابة بسبب فقدان الحب». قرأت ذلك في رواية «غرفة جيوفاني» التي أتذكر أنني اشتريتها من أحد باعة الكتب المتجولين في الباب الشرقي في بغداد. قبل سنوات ذهبت إلى هارلم وأنا أزعم أنني اقتفي خطى لوركا غير أنني في الحقيقة كنت أبحث عن جيمس بالدوين. أخبرني الفراردو جيفرسون أنه التقى ببالدوين بسبب تلك الجملة، وطلب منه إعادة النظر فيها. فالموت حبا يعني فقدانه.

لاعب شطرنح

قررت هذه المرة أن ألعب الشطرنج في يونيون سكوير. لم أكن لأخسر شيئا إن مات ملكي. ثلاثة ملوك ماتوا في بلادي، كما أنني عشت زمنا طويلا في بلاد أخرى تضع تاجها على رأس ملك. وجدت رجلا جالسا وأمامه كرسي فارغ. «إذا تسمح لي» «تفضل». ولأني أتشاءم من اللون الأسود فقد اخترت فريق القطع البيضاء. قال لي وهو يضحك «خسرت قبل أن نبدأ» نظرته المستخفة جعلتني أخسر السباق بعد أربع نقلات. «ولكن لمَ لعبت إذا كنت راغبا في الهزيمة؟» سألني فقلت له «ألم تتعرض للهزيمة في حياتك؟» قال بعد أن أطلق صفيرا «مرات ومرات. لذلك أشكرك لأنك وهبتني فرصة أن أنتصر. بالمناسبة هذه هي المرة الأولى في حياتي التي ألعب فيها الشطرنج في مكان عام».

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية