خوفاً من وطن بديل و”جبهة شرقية”: هكذا باتت خطة ترامب تهديداً وجودياً للأردن؟  

حجم الخط
0

مرة أخرى، يبحث الأردن عن ملجأ سياسي. وفي الوقت الذي سيسمع فيه رئيس الحكومة نتنياهو تفاصيل صفقة القرن، هذا الأسبوع في واشنطن، فعلى الملك عبد الله حينئذ أن يخمن جودة الشرك الذي نصبه له الرئيس الأمريكي. وحسب تصريحات مصادر رفيعة في الأردن، فلا يزال الظلام يلف المملكة، ولا تعرف ما سيكون نصيبها. هذه التخمينات والتقديرات تستند أساساً إلى تسريبات وسائل الإعلام الإسرائيلية، والتخوف الشديد من تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين.

“ما الذي يعنيه ضم غور الأردن بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعطاها الإذن لضم هضبة الجولان، واعترافه بشرعية عدد من المستوطنات؟”، تساءل محلل كبير من الأردن في محادثة مع “هآرتس”. وحسب قوله: “كل ذلك معناه أن الأردن كف عن أن يكون مركباً جوهرياً في العملية السلمية. فضلاً عن أن صفقة القرن ستلغي حل الدولتين وتخرب المبادرة العربية من العام 2002 التي كانت دائماً حجر الزاوية في أي اقتراح للحل. وهي تلغي حق عودة الفلسطينيين وتطالب الأردن باستيعاب مئات آلاف الفلسطينيين وربما الملايين”.

   هذه التخوفات عبر عنها الأردن بشكل علني عند انعقاد مؤتمر البحرين في حزيران 2019، الذي قدم تفاصيل عن المساعدات الاقتصادية بالمليارات لفلسطين والأردن، حيث سيطلب من الأردن في إطار هذا الحل بأن يكون وطناً للفلسطينيين ويتحول إلى دولة فلسطينية.

   يواجه الأردن الآن ثلاثة تهديدات تعتبر تهديدات وجودية. التهديد الأول يتعلق بالضغوط المتوقعة عليه من قبل الإدارة الأمريكية كي يوافق على تبني صفقة القرن. وهذه يمكن أن تشمل تقليص المساعدات الاقتصادية والدعم العسكري وإحباط مساعي الملك عبد الله لتجنيد الأموال من مؤسسات التمويل الدولية، وحتى تأييد طلب السعودية بأن تكون هي المسيطرة على الأماكن المقدسة في القدس.

   التهديد الثاني والأكثر خطورة سيأتي إذا قرر الجمهور في الأردن الخروج للتظاهر ضد الصفقة وطلب قطع العلاقات مع إسرائيل، وحتى إلغاء اتفاق السلام معها. والتهديد الثالث سيأتي إذا تبنت إسرائيل حقاً صفقة القرن وقامت بضم غور الأردن والمستوطنات التي سيتم الاتفاق عليها، وبذلك تفصل الضفة الغربية عن الأردن. خيارات الأردن لمعارضة الصفقة محدودة.

   لا يوجد للأردن أي بديل عن التحالف مع الولايات المتحدة والسعودية. ورغم محاولة التقرب من روسيا عن طريق إلغاء القطيعة مع سوريا، إلا أن روسيا ليست بديلاً سياسياً أو اقتصادياً عن الدعم الأمريكي. علاقات الأردن مع السعودية متوترة على خلفية معارضة الأردن بأن يتم استخدام أراضيه كقاعدة هجومية على سوريا قبل أربع سنوات. وبعد ذلك بسبب تلميح السعودية عن نيتها أن تكون الوصية على الأماكن المقدسة.

   ولكن السعودية ودولة الإمارات ما تزال تشكل السند الاقتصادي الحيوي، حيث منحت الأردن نحو 2.5 مليار دولار في العام 2018 لمساعدته في إعادة تأهيل اقتصاد الدولة وتهدئة المظاهرات القوية التي اندلعت في بداية العام نفسه. السعودية ودولة الإمارات هما الركيزتان الأساسيتان لصفقة القرن وللدول التي وافقت في السابق على التطبيع مع إسرائيل. والمواجهة مع هذه الدول على خلفية تأييدها لصفقة القرن تعدّ عملية خطيرة.

   السؤال المقلق هو هل يمكن لإلغاء اتفاق السلام مع الأردن أن يستخدم كرافعة تهديد أو وسيلة ضغط من قبل الأردن ضد صفقة القرن. المنطق السياسي في الأردن يقول إن إلغاء اتفاق السلام لن يلغي التهديدات التي تضعها صفقة القرن أمام الأردن، ولن يردع إسرائيل عن ضم الغور، حيث إن هذا الضم لا يضر فقط الأهمية الاستراتيجية للغور، بل سيضر بالصراع السياسي في إسرائيل الذي يزداد بشكل عام حول اعتبارات استراتيجية. وللسبب نفسه، لن يمنع ضم المستوطنات.

   إن إلغاء اتفاق السلام سيبعد الأردن بشكل نهائي عن تأثيره ورعايته للأماكن المقدسة في القدس. وفي المقابل، سيحول الأردن إلى جزء مما سمي ذات مرة “الجبهة الشرقية”، أي دولة عدوة. وفي النقاشات التي جرت في الأردن قبل سنة حول تداعيات إلغاء اتفاق تأجير المناطق في غور الأردن والعربة، التي شاركت فيها شخصيات كبيرة من الجيش والحكومة، طرحت أيضاً مسألة اتفاق السلام الهش.

   وحسب أقوال مصادر في الأردن، فإن الاستنتاج القاطع هو أن خيار إلغاء اتفاق السلام غير موجود، ومحظور أن يكون كذلك، لأنه سيفيد إسرائيل أكثر مما سيساعد الأردن. ولكن في الوقت الحالي، قد تتغير الظروف. ورغم تبني اتفاق السلام كمركب حيوي وحتى وجودي بالنسبة للأردن، من الصعب معرفة كيفية رد الأردن على انتفاضات عنيفة وجارفة من قبل جمهور واسع في المملكة، يعتبر نشر صفقة القرن فرصة للتصادم مع النظام حتى لأسباب لا صلة لها بالصفقة.

مصر غير معفية أيضاً من ردة فعل شعبية

   تنظر مصر في هذه الأيام إلى اللقاء المخطط له بين ترامب ونتنياهو، وكأن الأمر يتعلق بموضوع إسرائيلي – فلسطيني، أو على الأقل كصفقة إسرائيلية – أمريكية لا تمسها. ولم يسمع حتى الآن أي تصريح رسمي للرئيس عبد الفتاح السيسي أو من شخصيات رفيعة في النظام حول اللقاء المرتقب في واشنطن.

   وإذا حكمنا حسب الردود الماضية على صفقة القرن، فمصر حتى الآن لا تزال متمسكة بحل الدولتين، وتعارض ضم مناطق لإسرائيل، وتعارض خطوات أحادية الجانب. يبدو أن مصر تعتمد على إسرائيل وعلى الخلافات السياسية فيها التي ستفشل الصفقة دون أن تضطر إلى الانضمام إلى الأصوات التي تعارضها.

   مصالح مصر تتعلق بالأساس بالتطورات التي في قطاع غزة، والطريقة التي سترد فيها حماس وسكان القطاع على عرض الصفقة، أكثر مما تتعلق بمضمونها. وخلافاً للأردن، فإن الصفقة كما هي معروفة الآن، لا تهددها، وإن كانت ستحصل من جرائها على عدة مليارات من أجل تطوير مناطق صناعية مشتركة، مصرية – فلسطينية، التي لن ترفضها بالتأكيد. واعتماد حماس على مصر سيستمر، سواء تم تطبيق الصفقة أم لا، كما ستعتمد إسرائيل أيضاً على مصر كوسيط في كل الصدامات التي يمكن أن تحدث نتيجة العرض الذي سيقدمه الرئيس ترامب.

   ولكن الدول التي لا يتوقع أن تتضرر من الصفقة، مثل مصر ودول الخليج، غير معفية من التخوف من ردود فعل الجماهير. وإحياء القضية الفلسطينية في الخطاب العام العربي وظهورها مجدداً في جدول الأعمال السياسي هو فرصة لاندلاع احتجاج مبرره سيكون في الصفقة، ولكن سيكون أساسه بسبب الإحباط والمرارة التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة ضد الأنظمة. وخلافاً لضعف الرأي العام قبل اندلاع ثورة الربيع العربي، فإن لرد الجمهور مكانة وقوة ذات إمكانية كامنة لإسقاط حكومات وإملاء خطوات سياسية.

   استقرت صفقة القرن في وسائل الإعلام العربية كصفقة غبية استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، والسماح لإسرائيل بضم المناطق. والآن تظهر كـ “هدية” أمريكية لبنيامين نتنياهو في جهوده للحفاظ على حكمه على حساب الفلسطينيين. وإذا ما تحققت المخاوف من تلك اليد الحرة التي ستمنح لإسرائيل ضم المناطق، فمن الأحرى أن يتطور الاحتجاج إلى حركة عربية عامة تقتضي رداً من قبل الحكومات. تسويق الصفقة في الدول العربية سيكون حينها مهمة مستحيلة، هذا قبل أن يكون بالإمكان التطرق للضرر الذي سيحل بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 27/1/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية