خيارات هيئة “تحرير الشام” بين الاستنزاف طويل الأمد والمواجهة الدولية وفرض سياسة الأمر الواقع

حسام محمد
حجم الخط
0

في الوقت الذي كان فيه كل التركيز منصب حول الشرق السوري من قبل الأطراف الدولية أقدمت هيئة “تحرير الشام” على بسط نفوذها على مواقع استراتيجية وسط وشمال سوريا انتزعتها من المعارضة السورية عبر الخيارين العسكري والتفاوضي.

التوسع الأخير لـ “تحرير الشام” قابلة انحسار جغرافي لتشكيلات الجيش السوري الحر في المنطقة منزوعة السلاح المتفق عليها بين تركيا وروسيا، وأظهرت التطورات الأخيرة رغبة الهيئة برفع أسهم حكومة “الإنقاذ” المقربة منها في الشمال السوري، فيما تبين أن المعارضة السورية هزيلة تعاني من ضعف إداري وعسكري مما جعلها لقمة سائغة للطرف المضاد الذي استغل الرغبة التركية الروسية في الحفاظ على مخرجات اتفاق سوتشي للحصول على أوراق مساومة جديدة تساعده في البقاء في المرحلة المقبلة.

التمدد الأخير ودوافعه

لا تعتبر استراتيجية “التمدد” على حساب قوى المعارضة استراتيجية جديدة على هيئة تحرير الشام فلطالما لجأت إليها لتحسين تموضعها العسكري عبر الاستيلاء على أسلحة نوعية، أو لتحسين التموضع الاقتصادي والإداري عبر السعي الحثيث للسيطرة على أهم القطاعات الخدمية أو التجارية كالمعابر (سواء الدولي منها أو المحلي) ومحطات التوليد الكهربائي وغيرها.

تلجأ الهيئة، وفق الباحث في عمران للدراسات “معن طلاع” إلى تعزيز مواقعها، مضافاً إليها تحسين الشروط السياسية، إذ تعتقد الهيئة أن تحكم سيطرتها الوحيدة على إدلب وما حولها منهية صيغ توزيع السلطة في تلك المنطقة سواء بالحرب أو بالترحيل، سيجعلها في دائرة “أقوى” في مواجهة ما يخطط حيالها دولياً ومحلياً، لا سيما مع وضوح خيارات الفصائل المسلحة التي لم يعد أمامها (وفقاً لمبررات عدة لعل أكثرها إلحاحاً تفاهمات الإستانة) سوى خيار الترتيب لمواجهة عسكرية ضد هيئة تحرير الشام وهو ما عملت على استباقته بعملية عسكرية تمكنها من قضم الفصائل تباعاً قبل توصلهم لصيغ وترتيبات مشتركة.

في كل الأحوال تطمح الهيئة من وراء تلك الاستراتيجية إلى تعزيز شروطها في أي مفاوضات محتملة في حال لجوء الفواعل الدولية والمحلية إلى خيار المفاوضات والتباحث عن صيغ ما دون عسكرية، ومن جهة ثانية سيجعلها صاحبة القرار الأوحد في الجانب التخطيطي والتكتيكي في حال اللجوء إلى خيارات عسكرية.

ماذا بعد التمدد؟

لمناقشة ماذا بعد التمدد فإننا هنا أمام مستويين من التحليل والاستشراف، الأول: مستوى مرتبط بالهيئة ذاتها، ومستوى مرتبط بالسيناريوهات العامة المتوقعة ولا سيما في شقه المتعلق بموقف الفواعل الدولية والإقليمية المحتملة.

ويقول “طلاع” لـ “القدس العربي”: من حيث المستوى المرتبط بخيارات الهيئة فإنها وفقاً “لبراغماتيتها الشديدة” فإنه يتوقع أن تطمح الهيئة لتحويل سيطرتها العسكرية إلى سيطرة مدنية وسياسية عبر مرحلتين مرحلة انتقالية تديرها، وتهيئ لها حكومة الإنقاذ متبنية برامج عدة منها ما يتعلق بإعادة التشكيل السياسي والعسكري والمدني وفق صيغ تبدو شكلاً أكثر تشاركية وهي ضمناً أكثر شمولية وتسلطا.

ومرحلة نهائية يختفي فيها اسم هيئة تحرير الشام لصالح اسم جديد وفاعلية جديدة، وطبعاً يعترض هذا السيناريو المحتمل عوارض عدة منها ما يتعلق بالرفض المجتمعي لمشروع الهيئة أيا كان مسماها خاصة في ظل توقع مآلات المنطقة بعد سيطرتها عليها وما تستتبعه من كوارث محتملة لا سيما على الصعيد الإنساني.

والعارض الثاني مرتبط بسيناريو الاستنزاف الذي سيفرض نفسه في حال تم التوافق الكامل ما بين الفصائل في كل المناطق المحررة على مواجهة الهيئة، ناهيك عن العارض الأساس والمرتبط بالمستوى الثاني، وما ستفرضه السيناريوهات العامة التي تدلل على أن اتجاهها العام هو عسكري بحت ينحصر في أمرين:

المواجهة الدولية لهذا التمدد وقد يكون عبر مظلة اتفاق أمريكي تركي للقضاء على الهيئة وهذا يستلزم اتفاقاً سياسياً حول “إدلب ما بعد الهيئة” وهو ما لم تتوفر شروطه بعد، أو عبر مظلة إستانة التي يتوقع أن تكون أكثر فاعلية في حال كان الانسحاب الأمريكي سياسيا وعسكريا.

وستكون بدايةً على شكل مواجهة جزئية تستهدف السيطرة على الطرق الرئيسية  M4 وm5 أو عملية شاملة تستوجب مدداً زمنية طويلة واستراتيجيات عدة، ناهيكم عن سيناريو المواجهة مع الروسي وحلفائه المحليين.

السيناريوهات المحتملة

تبرز معطيات عدة أبرزها الضعف البنيوي والعقائدي الذي يعتري الفصائل المسلحة، في حين أن الاستعصاءات التي يتم وضعها من قبلهم أمام مشاريع إعادة التكوين والبناء العسكري قد كلفتهم خسارات استراتيجية قد تصعب من عودتهم لمسرح الفاعلية، والمعطى الأهم يتمثل في الارتكاسات المتوقعة على المستوى الإنساني في كل الاحتمالات أعلاه، والحديث هنا للباحث “معن طلاع”.

متلازمة الإرهاب

وفي هذا الصدد صنف الباحث في مركز جسور للدراسات “عبد الوهاب عاصي”، خيارات هيئة “تحرير الشام” بعد سيطرتها على كامل مفاصل الشمال السوري عسكرياً وأمنياً وإدارياً وخدمياً تنحصر ضمن ثلاث خانات:

أولاً: إعادة إنتاج نفسها لنزع صفة الإرهاب عنها، ومحاولة كسب مشروعية لبقائها وسيطرتها، ويقتضي ذلك إعلان حل نفسها ضمن وزارة الدفاع في حكومة الإنقاذ سواء جرى الأمر بمبادرة مباشرة منها أو بشكل غير مباشر عبر مبادرة من إحدى الجهات التي تربطها معها علاقة متوازنة على الأرض، على أن يشارك في حقيبة وزارة الدفاع ما بقي من فصائل الجبهة الوطنية للتحرير. وهنا سوف يكون من الصعب اتخاذ موقف إزاء التشكيل العسكري الجديد نظراً لاختلاط عناصر المعارضة المعتدلة مع عناصر الهيئة، كما أن هذا الخيار ربما يدفع لرفض بعض القطاعات أو التيارات داخل الهيئة لتطبيقه، وبالتالي إما اندماجهم مع تحالف أنصار الإسلام أي العودة إلى تنظيم “القاعدة” أو بقائهم كقوة منفردة في الساحة.

ثانياً: الحفاظ على نفسها ومحاولة فرض نفسها كسلطة أمر واقع على الأطراف الدولية وأنها قادرة على الاستجابة لمتطلبات العملية السياسية، وأن تحاول اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعكس عدم وجود تهديد منها للسلم والأمن الدوليين، أي إعادة تعريف نفسها كتنظيم جهادي سلفي محلي لا يرتبط بالتنظيمات المعولمة، بل قادر على ضبطها وحتى محاربتها إن اقتضى الأمر مثلما فعلت الهيئة مع تنظيم “الدولة” وجند الأقصى.

ثالثاً: مواجهة الرفض الدولي المحتمل لها، بمعنى أن الهيئة مضطرة للتعامل مع احتمال عدم استجابة الأطراف الدولية لجميع الخطوات التي اتخذتها الهيئة من أجل إعادة تعريف نفسها كتنظيم سلفي جهادي محلي، وبالتالي سوف تتخذ مزيداً من الخطوات التي تسمح لها بالبقاء من خلال تعزيز اتصالها مع الحوامل المجتمعية التي تتعاون معها، والإبقاء على خط اتصال مع التنظيمات الجهادية الأخرى العاملة في مناطق سيطرتها. ومن شأن هذه الخطوات تعقيد آليات التعامل الدولية المفترضة تجاهها.

مواجهة عسكرية

يعتبر خيار مواجهة هيئة “تحرير الشام” عسكرياً أمراً غير مستبعد خاصة بعد تلميح رسمي تركي في هذا الصدد، والحديث عن رفض وجود مثل هذه التنظيمات في الشمال السوري. وقال “عاصي” لـ “القدس العربي”: هناك احتمالان لوجود عمل عسكري ضد الهيئة:

1) يحاكي رفض جميع الأطراف الدولية التعامل مع الهيئة كسلطة أمر واقع، وبالتالي عدم الاستجابة لخطواتها في إعادة تعريف نفسها كتنظيم لا يشكل خطراً على السلم والأمن الدوليين، وهذا يعني شن عملية عسكرية ضدها، إما بالتنسيق فيما بين أطراف إستانه أي تركيا وروسيا وإيران، لكن هذا التنسيق لا يعني شن عمل عسكري مشترك بقدر ما يعني حصول تفاهم سياسي حول حدود وانتشار قوات كل منها.

2) يحاكي استجابة الأطراف الدولية لخطوة الهيئة المحتملة بإعادة إنتاج نفسها داخل حقيبة وزارة الدفاع في حكومة الإنقاذ إلى جانب فصائل أخرى لا تعترض عليها الهيئة، وأن العمل العسكري سوف يكون على التيارات أو قطاعات الهيئة الرافضة لمثل هذه الخطوة، وما قد يترتب على ذلك من تغيير على الساحة من الناحية الأمنية والعسكرية. وهنا قد تشارك الهيئة باسمها الجديد ومن المحتمل أن يكون ذلك بدعم إقليمي ضد هذه الأطراف. لكن هذا الاحتمال لا يحمل وجود عمل عسكري مشترك بين روسيا وتركيا وإيران.

من جانبه رأى المحلل السياسي “خليل مقداد” أن حركة “نور الدين الزنكي” كانت بمثابة طعم لجس نبض هيئة “تحرير الشام”، ومحاولة لاستدراجها خلال محاولات سابقة، كان آخرها قضية العناصر، وأن الهيئة كانت على علم بهذا التحرش من قبل المعارضة، فبادرتهم بالهجوم، والمفاجئة تكمن في الانهيار السريع للفصائل. ورغم أن التمدد الأخير للهيئة الذي يعطيها هامشا في التحرك شمال البلاد، لكنه في الوقت ذاته يحملّها عبئاً كبيراً كونها ستكون مجبرة على إدارة المناطق التي انتزعتها من المعارضة، وهذه المواقع تعتبر حواضن شعبية لمناوئيها، وبالتالي هذا سيصعّب من مهمة إدارتها.

مرحلة كسر عظام

وهو يرى حصول الهيئة على أوراق قوة جديدة في الصراع يجعلها رقماً صعباً في المعادلة، وستكون هي الجهة للراغبين في قتال النظام السوري في المستقبل، وحتى لرافضي التسويات، مما قد يعطيها زخماً سياسياً وعسكرياً، خاصة في المجال السياسي، إذ أن هدف مناطق خفض التصعيد يكمن في تسليمها في نهاية المطاف للنظام السوري، ولكن الآن تغيرت المعادلة، وخاصة في إدلب، التي لم يبق فيها سوى هيئة تحرير الشام وفيلق الشام، وهما طرفان متكاملان عسكرياً وسياسياً وحتى مالياً، فالهيئة تؤمن الغطاء والفيلق لا يتدخل في الحروب الموجهة ضد تحرير الشام، رغم توقيعه على كل البيانات الموجهة ضدها.

وقال إن من غير المستبعد ان تتماهى هيئة “تحرير الشام” مع المزاج الدولي، ولكن هذا لن يدوم طويلاً، كون هدف القوى الكبرى يتمحور بإعادة سيطرة النظام السوري على كل الجغرافيا السورية، ومحاربة أي تنظيم يحمل أفكاراً إسلامية. وتوقع الباحث أن عنوان المرحلة المقبلة هي مرحلة كسر عظام، ومتحدثاً عن اجتياح مناطق سيطرة الهيئة أو غيره من السيناريوهات.

حكومة الإنقاذ

التمدد الأخير لهيئة “تحرير الشام”، يعزز، حسب المقداد، دور حكومة “الإنقاذ” وستكون هي الجهة المؤهلة لإدارة المرحلة في الشمال السوري، وأن تركيا يهمها أن يكون هناك طرف قوي في الميدان يمكن الاستناد عليه، وخيار كالهيئة يعطيها مجالاً في المناورة في الملفات العالقة. وتبقى المرحلة المقبلة غامضة ويمكن أن نتوقع ما ستؤول إليه الأمور من خلال التصريحات التركية وتحركها في هذا المجال، إذ أن موقفها هو من سيوضح مستقبل المنطقة.

هذه المرحلة، ستكون حاسمة خاصة أن روسيا بدأت تصعد من حدة لهجتها، وتطالب تركيا بالتدخل وتصنيف إدلب كبؤرة إرهابية، وهذا سيضغط على الهيئة أكثر، ولكن سيعطيها وفق – المصدر ذاته – مجالا أكبر في المفاوضات، التي قد ينتج عنها التغاضي عن إدلب مقابل تعهد الهيئة بعدم تنفيذ أي هجمات ضد مواقع النظام السوري، وتركيا منشغلة بشرق الفرات وأمنها القومي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية