«دائرة التوابل»: حينما ترسم الرائحة أقدارنا

حجم الخط
1

كثيرا ما لفت نظري الإبداع الذي يكتبه القادمون من تخصصات علمية، أشعر ـ ونادرا ما يخيب ظني ـ أن لهم القدرة على التفكير خارج الصندوق أكثر من الذين تخصصوا في الإنسانيات عموما والأدب خصوصا، وليست هذه قاعدة مطلقة بقدر ما هو انطباع لا تزال شواهده تتأكد لي. وهذا ما استشعرته حين قرأت للروائية الإماراتية صالحة عبيد القادمة إلى الكتابة الإبداعية من تخصص أكاديمي في الهندسة الإلكترونية. وكان أول لقاء لي بكتاباتها يوم استضفتها في برنامجي «حلو الكلام» ثم أدرت حوارا نقاشيا معها قبل قرابة السنة في استراحة المعرفة في دبي حول روايتها «دائرة التوابل» التي وصلت بعد ذلك إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) بعد ذلك استضفتها مرة أخرى، في حلقة من برنامجي الحواري «بين السطور» في مكتبة محمد بن راشد.
ورواية «دائرة التوابل» ليس العمل الأدبي الأول لصالحة عبيد، فقد أصدرت قبلها ثلاث مجموعات قصصية وروايتين، ونالت جائزة العويس للإبداع. غير أن «دائرة التوابل» لفتت الأنظار إليها لكونها في القائمة الطويلة للبوكر، وهذا طبيعي، وأيضا للتجريب السردي الجديد الذي اعتمدته الروائية في بناء نصها، بل في موضوعه فهي رواية تقوم على الرائحة، ما جعل بعض من تناولها يشير رأسا إلى رواية «العطر» لباتريك زوسكيند، التي نُشرت سنة 1985 وترجمها عن الألمانية نبيل الحفار، وقد اقتبسَتها السينما في فيلم ناجح سنة 2006. لكن بعيدا عن ثيمة الرائحة هل رواية «دائرة التوابل» متأثرة إلى حد كبير بـ«العطر»؟ من يقرأ الرواية لا يجد من تقاطع سوى أن أبطال صالحة عبيد يتميزون بقدرة شم هائلة تتجاوز العطور إلى التوابل، بل شم المشاعر الإنسانية نفسها، فـ«شما» أو «شيريهان» تستطيعان أن تميزا البشر وحالاتهم النفسية من خلال روائحهم.
لكن في البدء نقف عند عتبة العنوان فنسأل ما هي «دائرة التوابل»؟ تكشف لنا جملة وردت في الرواية عن علاقة التوابل بالدائرة، فهؤلاء النساء ـ والرجال أيضا لأنهم جميعا من عائلة آل التوابل ـ كل واحدة منهن في «دائرة من الدوائر في هذه الدوامة، دوامة قدرها أن تبتلع الجميع بعد اكتمالها، لتعاد الحكاية من جديد» وهذا ما حدث فأحفاد فاطمة بنت ثابت تلك «السيدة الحرة من سامراء التي تزوجها عبد أعتقه سيده… ثم ذاع نبأ سلالتهما التي كان رجالها كلهم يولدون بقدرة بارعة على الشم، أكسبتهم رفعة بين الناس، وامتهنوا جيلا بعد جيل تجارة التوابل» وورثت امرأتان من سلالتها هذه النعمة في البدايات، التي تحولت نقمة عليهما، وبقيتا أسيرتي الدائرة التي دفعتا فيها ثمنا غاليا.
بأسلوب روائي كثر استعماله مؤخرا يعتمد قصتين من زمنين مختلفين تسيران بالتوازي، لعل أشهر من انتهجته أليف شافاك في «قواعد العشق الأربعون» ومحمد حسن علوان في روايته «موت صغير» الحائزة البوكر العربية سنة 2017، سارت صالحة عبيد في روايتها، لكنها أضافت قصة ثالثة تتوازى مع القصتين وتتقاطع معهما. الحكاية الأولى هي حكاية الشاعر عبد الله ابن المعتز الذي تقلد الخلافة ليوم واحد ثم قتل، لأن الشعر والحكم لا يجتمعان في نظر العامة. تحكي الروائية قصته بأسلوب إيحائي مستحضرة شخصيات أحاطته مثل جدته قبيحة الرومية وعمه المستعين بالله والجارية نشز والغلام نشوان، وأخيرا فاطمة بنت ثابت التي نفذت رغبته حين زارها في المنام فنبشت قبره وألقت به في دجلة ومن يومها استعادت حاسة الشم المميزة بعد أن فقدتها جراء صفعة من شقيقها الأكبر، لكنها بعد تنفيذ الوصية المنامية «أصبحت بصمة الرائحة في كل جسد حولها، بل وحتى ما يعتمل في دواخل البشر من مشاعر».

بأسلوب روائي كثر استعماله مؤخرا يعتمد قصتين من زمنين مختلفين تسيران بالتوازي، لعل أشهر من انتهجته أليف شافاك في «قواعد العشق الأربعون» ومحمد حسن علوان في روايته «موت صغير» الحائزة البوكر العربية سنة 2017، سارت صالحة عبيد في روايتها، لكنها أضافت قصة ثالثة تتوازى مع القصتين وتتقاطع معهما.

ورّثت فاطمة هذه الميزة لأحفادها وأحفاد أحفادها وصولا إلى صاحبة الحكاية الثانية «شما» البنت التي عاشت في دبي في عشرينيات القرن الماضي، من عائلة يتاجر أفرادها بالتوابل، ويتوارثون الحساسية القوية لروائحها، غير أنها – وهي للمفارقة صاحبة أنف أفطس ـ تفوقت على جميع أقاربها أصحاب الأنوف الطويلة الحادة بحاسة الشم المتطورة عندها فهي «تعرف أن لكل جسد دمغة خاصة به هي دمغة الرائحة، ومع الوقت تطور الأمر ليشمل حاسة التذوق (حين) وضعت شيئاً من التوابل على طرف لسانها، ونطقت بالمُكوِنات: فلفل، قرفة، قَرَنْفُل وهيل!» لكن هذا التميز الذي ضمن لها مكانة خاصة في مدينتها وعند جدها عبد الجبار صاحب السفن التي تجلب التوابل والحاكم المطلق في قومه، أثارت غيرة أخيها الأكبر عبد العزيز الذي كان بعكس أقاربه جميعا لا قدرة لديه على شم الروائح حتى اتهموا جنية بكونها السبب في ذلك. غيرة الأخ وصلت به إلى أن جدع أنف اخته ليقضي على تفوقها وتعود بعد العز الذي عاشته بفضل موهبتها الشمية إلى وجه مشوه لا يغادر البيت.
لعنة الأنف الحساس للروائح لاحقت إحدى حفيدات هذه السلالة من آل التوابل في دبي وفي وقتنا الحالي، إلا أن مأساتها كانت أكثر تراجيدية، فشريهان ذات الأنف الكبير التي سمتها أمها على الفنانة الاستعراضية شريهان طمعا أن يصبح أنفها يوما ما كسميتها، فهذه المرأة التي «لا تستطيع أن تثق بأي شيء سوى ما تجلبه الرائحة من مشاعر، إنها تحس من خلالها وقد تتجلى الأمور لتشعر أحيانا أنها ترى من خلالها أيضا» كانت مهووسة بفكرة الموت منذ أن كانت صغيرة تحفر قرب المقبرة طامعة أن تدخلها يوما لتتعرف على الموت، بل سافرت إلى اسكتلندا لتتخصص في الطب الشرعي حتى تكون على تماس يومي معه، وكان السفر وحدها لمواصلة تخصصها شرطا للزواج بناصر، الرجل المنبوذ الذي يستفزها لأنه لا رائحة له، فلا تستطيع فهمه، ورغم هذا القرب من الموت، خاصة بعد وفاة والدها ثم والدتها جعلها «حزينة لأن هذا الموت العنيد لا يزال عصيا على التكشف، هو يتجسد في الأبدان، دون أن يفضي إلى ماهيته الفعلية» وحتى تكتمل مأساتها ولدتْ طفلة حملت أكثر ما كانت تخشاه شيريهان أي أن تكون بلا رائحة كوالدها، فأنهت شيريهان هذا الوجع بـ«دم متخثر على الأرض وكتلتين لحميتين تجاورانه، حررت ابنتها وتحررت».
هذا التشظي في الأمكنة مكة وسامراء ودبي وأدنبرة، والتشظي في الأزمنة بين العصر العباسي ودبي في بداية القرن العشرين وزمننا الحالي استدعى من الروائية بذل جهد سردي للملمته وُفقت فيه أغلب الأحيان، وكانت غير مقنعة أحيانا أخرى، فالربط بين حكاية عبد الله بن المعتز، والحكايتين الأخريين لم يكن متينا، وفيه بعض الافتعال كشاهدة القبر العربي في أسكتلندا، التي كتبت عليها أبيات لابن المعتز، أو البيتين اللذين وجدتهما شيريهان مكتوبين على صورة عمها في صندوق والدتها لـ«تكتشف أن الأبيات للشاعر نفسه التي كانت قد رأت أبياته سابقا على شاهد ذلك القبر الغريب في أدنبرة».
ورغم قصة فاطمة بنت ثابت وعلاقتها بابن المعتز، وهي المرأة التي جاء منها آل التوابل الذين كانوا أبطال قصة شما وقصة شيريهان.
في رواية صالحة عبيد ثيمة أخرى مهمة لها علاقة بالنسوية، فشما رغم حاسة الشم المتطورة عندها لم يصحبها جدها معه إلى البحر لأنها مهنة مقصورة على الرجال، فأصبحت سيدة اليابسة في معرفة الروائح في حين أن ابن عمها «مظفر» الأقل منها موهبة كان سيد البحر فقط لأنه رجل ويسافر مع التجار، وهو الواقع الذي تمردت عليه شيريهان بعد قرابة قرن من الزمن فاشترطت على زوجها السفر وحيدة إلى الخارج لاستكمال دراستها، بل اختارت تخصصا يكاد يكون محصورا في الرجال وهو علم التشريح والطب الشرعي. هذه الأحداث الروائية صاغتها صالحة عبيد بلغة جميلة جزلة شاعرية في بعض فصولها مثل فصل «النار تلك الكتلة» بتكثيف إيحائي وتمكن من الأدوات السردية. لنقرأ في المحصلة رواية مختلفة لغة ومضمونا مفتوحة الآفاق على التجريب.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية