الناصرة : “القدس العربي”:
تقترح دراسة استراتيجية إسرائيلية صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، أن تغير إسرائيل استراتيجيتها في تعاملها مع كل من حزب الله في لبنان وحماس في غزة من خلال توجه ” علاجي” وآخر ” جراحي”. موضحة أن مصلحة إسرائيل تقتضي تعميق التزام حزب الله السلطوي في لبنان لأن البنى التحتية المدنية ستصبح عندئذ هدفا عسكريا شرعيا. في المقابل ترى الدراسة ضرورة تحرك إسرائيل باتجاه معاكس” ترميم البنى التحتية حتى بثمن المخاطرة بأن تستغلها حركة حماس لأغراض مزدوجة مدنية وعسكرية”. وتقترح على السلطات الإسرائيلية الشروع بالإسراع بعملية تسوية عميقة داخل القطاع معتقدة أن هذه ستخدم مصلحتها وأن شق الطريق هناك سيتم فقط بحال تحسين جوهري لجودة الحياة في المنطقة. وتقول الدراسة الإسرائيلية إن هناك تمييزا في عالم الطب بين الأطباء وبين الجراحين الذين يقومون بإشفاء المريض من خلال القطع باللحم الحي وعزل المواضع المصابة أو المكسورة، يشخصون الورم ويتركزون بالحل الجراحي للمشكلة. أما الأطباء فينشغلون بمعالجة المرض بالدواء بعد عملية تشخيص وتوجهات هؤلاء فهي علاجية بينما توجهات الجراحين جراحية. موضحة أن استخدام مصطلحات الطب هنا بغية تشخيص وتعريف عمليات عسكرية وسياسية ينطوي على تناقض داخلي. وتشير أنه من جهة أولى فإن إجراءات طبية تهدف للإشفاء لا القتل ومن جهة ثانية فإن استخدام مصطلحات طبية مثل ” قنبلة جراحية ” أي موضعية فيهدف التشديد على النية والمحاولة بتقليص المس بالعدو للحد الأدنى الضروري كما يعرف الجيش الإسرائيلي أن يحرص على التمييز بين متورطين لـ غير متورطين بالعمل العسكري” وسلاح الجو هو المسؤول عن نظام ” أطرق في سقف البيت ” محذرا سكان العمارة المستهدفة قبل تفجيرها”.
الدراسة التي تتجاهل القصف العشوائي الخطير الذي تورط به جيش الاحتلال مرات كثيرة تدعي أن تقليص المس للحد الأدنى الضروري هو التبرير الأخلاقي الوحيد لاستخدام مصطلحات طبية عند الحديث عن أهداف قتالية. وتقول إنه وفقا للشرط الأخلاقي ومقارنة مع التشخيص الطبي بين التوجهين الجراحي والعلاجي يمكن تشخيص ملامح استراتيجيتين سياسية-عسكرية: استراتيجية جراحية واستراتيجية علاجية، زاعمه أن هذا التشخيص ملائمة لمعاينة استراتيجية إسرائيل في تعاملها مع حزب الله من جهة ومع حماس من جهة أخرى وصولا للجواب على السؤال كيف ينبغي التعامل مع كل منهما؟ وتدعو الدراسة للتعامل مع حزب الله باستراتيجية جراحية ومع حماس باستراتيجية علاجية. وتتابع ” في الصراع مع حزب الله فإن مصلحة إسرائيل الواضحة تتمثل بدق إسفين بين الهوية اللبنانية لحزب الله وبين كونه أداة شيعية بيد إيران. كلما انخرط حزب الله في السياسة اللبنانية فإنه يصبح شريكا في المسؤولية عن لبنان ويربط مصيره بمصير البلاد. بينما كلما نشط قائد حزب الله حسن نصر الله لخدمة مصالح إيرانية فهو يهدد سلامة ورفاه لبنان”. معتبرة أن غاية استراتيجية الردع الإسرائيلية مقابل حزب الله منذ حرب لبنان الثانية في 2006 ينبغي أن تكون قاطعة وواضحة بحال انهار الردع وتنشب الحرب” دفع نصر الله لتفضيل هويته اللبنانية على التزامه لإيران”. مدعية أن الوسيلة العسكرية لذلك هي تهديد حقيقي بتكرار عملية هدم الضاحية في بيروت بل توسيعها نحو هدم البنى التحتية المدنية الداعمة للمجهود الحربي في لبنان بطريقة تكفل أقد عدد ممكن من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين. ولذلك تقول الدراسة الإسرائيلية إنه وبخلاف الموقف الأمريكي الذي يدين حكومة لبنان لمنح حزب الله موطأ قدم في المؤسسة السياسية الحاكمة لاعتباره تنظيما ” إرهابيا ” فإن مصلحة إسرائيل تقتضي بالذات تعزيز التزام حزب الله الرسمي في لبنان كـ “جزء من المؤسسة الحاكمة”.
وتضيف ” وبوجود بنى تحتية داعمة للقتال في لبنان فهي هدف عسكري شرعي بينما في غزة على إسرائيل أن تعمل بالعكس” ترميم وإعادة بناء بنى تحتية أي اعتماد التوجه العلاجي لا الجراحي”. وتعتقد الدراسة الإسرائيلية أن سياسة إسرائيل بفرض حصار على غزة ومحاولة استنزاف سكانها طيلة سنوات كثيرة راهنت على الأمل بانفجار حالة تمرد على سلطة حماس مؤكدة أن سياسة إسرائيل هذه قد فشلت. منوهة أن تجليات مرارة المدنيين ممن لم يتورطوا بعمل عسكري ويأسهم تبدو واضحة من خلال مغادرة شباب مثقفين للمنطقة بينما تمارس حماس قبضة حديدية تجاه من يسعى للتمرد الشعبي على الوضع الراهن. وتتابع مقابل حزب الله الذي يواجه معارضة لبنانية متنوعة فإن حماس تواجه تحديا واحدا بالأساس يتمثل بجهات أكثر تطرفا منه كـ الجهاد الإسلامي وهي لا تغامر حتى الآن بإمكانية تعرضه لحالة تمرد وعصيان مدني. وتقول الدراسة الإسرائيلية إن ” معارك الملاكمة ” بين إسرائيل وبين حماس والجهاد الإسلامي عي جولات عقيمة تنفجر وتدخل في طريق بلا مخرج تخلو من انتصارات بالضربة القاضية ولا حتى بالنقاط. وتقدم مثالا على رؤيتها بالقول إن المواجهة العسكرية الأخيرة في مطلع الشهر الجاري التي كررت جولات سابقة قد انتهت تاركة خلفها تهدئة هشة. من هنا تؤكد الدراسة واجب إسرائيل تغيير التوجه الاستراتيجي في هذا المضمار والشروع بعملية تسوية عميقة مع غزة لأن هذه ستخدم أفضل المصلحة الإسرائيلية وتمهد لشق طريق تسبقه تحسين الأوضاع المعيشية. وترى أن الحلول العملية معروفة ” بناء ميناء ومطار ومنشآت لتحلية مياه البحر وغيرها.”
يذكر أن جهات إسرائيلية سياسية وأمنية أبرزها وزير المواصلات والمخابرات في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس سبق وطرح هذه الأفكار في الماضي مما أثار جدلا في إسرائيل، حيث أيدت جهات أمنية ذلك بشرط توفير أجهزة رقابة على الاستيراد فيما رفضها المستوى السياسي بقيادة رئيس الوزراء نتنياهو الملتزم حتى الآن باستراتيجية تكريس الانقسام بين فتح وحماس وبين غزة ورام الله. وتراهن الدراسة الإسرائيلية على أن تحسين الأوضاع المعيشية داخل القطاع بشكل كبير سيعرض حماس لانتقادات متزايدة من الداخل والخارج ولتحذيرات من المساس بهذه المكتسبات من خلال تجديد القتال ضد إسرائيل. وتخلص الدراسة للقول إنه كلما تم استثمار أموال أكبر في غزة لتطوير بنى تحتية ومشاريع حيوية كلما فاز أطفالها بمستوى أعلى من خدمات الصحة والتربية وسيكون لديهم ما يخسرون فإن غير المتداخلين بالعمل العسكري سيظهرون فجأة كفعالين ومؤثرين. معتبرة أن نموا اقتصاديا وارتفاعا بنسب العمل سيلعبان دورا في تهدئة الخواطر والغرائز الجهادية وعندئذ ستحشر منظمة ” الجهاد الإسلامي ” في الزاوية ويمكن لغزة أن تتحول من موقع لليأس إلى بئر من الآمال”.