لا يمكن أن يتكثف الوعي بالكتابة والإبداع بدون الاهتمام بتجارب الرواد، الذين تتسرب حياتهم في سيرهم، كما الماء الجاري في عروق النبتة. تقترن الكتابة كثيرا بمسعى الحرية، وليس أجدى من أن ندفع الكتاب إلى أن يتناولوا مسارات حياتهم، كمادة للكتابة عن أنفسهم، إنها الذاتية الأكثر موضوعية، لأنها قرينة الجمال، ذلك هو موضوع الكتاب الحواري الذي أنجزته الكاتبة والإعلامية نوارة لحرش، مع الكاتب والروائي والمترجم الراحل مرزاق بقطاش. نسجت الأسئلة بكثير من الشعرية، واستطاعت أن تستخرج منه مشاعر محبة الكتابة والجمال، وافتكت منه ما كان ينفر من الحديث عنه، في كتاب/حوار: «مرزاق بقطاش… ذلك الذي حكى البحر».
هاتف الكتابة/ كتابة الامتلاء:
تصف المحاورة وضع مرزاق بقطاش مع الكتابة بقولها: «لا فضاء أرحب من فضاء الكتابة. فالكتابة هي البحر الآخر الذي ينتمي إليه بقطاش..». يأتي من البحر أو من الكتابة، ليس للتنفيس عن الهاجس في العثور على الإجابة، لكن لإدراك العمق الذي يودعه البحر في مساحة الكلمات، لعل الكتابة عند مرزاق تعبّ من ذلك الفضاء الاختلافي، باعتباره مترجِما يأتي من التشابك اللغوي عند التماسات الحساسة للاختلاف. يتطلع بقطاش إلى الحياة على أساس أن الكتابة والقراءة هما الجوهران الفريدان اللذان تقوم عليهما، «أنا إنسان يحب القراءة والكتابة، ويكفيني فخرا أن الله وهبني شيئا منهما»، هكذا تقول المحاوِرة، إنه كان يقول لها، فعند هذه التخوم التي لا تقبل التفسير على أنها شيء آخر غير احتراف السؤال عند عتبة اللغة، يتشكل النص باعتباره مكنة الوجود في الحياة بأدوات الجمال التي تكشف عن النص الذي لا ينقال لأنه مستمر في ديمومة التحول.
وطد بقطاش كما يقول تلقائيا وهو في سن «الثالثة من العمر، عام 1948… العلاقة بين القراءة والكتابة»، هذا الوعي المبكر، ربما يكون إذ ذاك وعيا سطحيا، لكن أهميته تتجلى في ذلك المصدر الذي تتفجر من أوعيته الكتابة، التي لا تأتي من فراغ، ولهذا نجده يتساءل: «وبالفعل هل يستقيم إبداع أدبي بدون قراءة بمعناها العام؟» إنه سؤال الإحراج بالنسبة للمتسرع إلى الكتابة بدون أن تستوي الجسور إليها على قواعد استلهام الخيال، التي تتأكد عبر تغذية الذهن بحيوات الذين مضوا على درب الكتابة، إنها التجارب التي تدفع التخييل إلى مداياته القصوى، لإنتاج وعي بالكتابة يستمد قوته من تجربة الآخر، مدمغا بخصوصية متولدة عن التمييز، بين أن أتلقى للتخزين أو أتلقى للإبداع، ولهذا فبقطاش يرى أن الكتابة الإبداعية تتطلب ثلاثة شروط: القراءة الجادة، الكتابة كل يوم والتأمل.
في فلسفة الكتابة:
في سؤال عن الواقعية أجاب بأنها هي «الواقعية السردية»، معللا كلامه بما ذهب إليه جون شتاينبك من أن الروائي هو من حوله كومة من الأوراق، وفي رأسه حكاية يريد سردها، ويقدم نجيب محفوظ نموذجا جميلا لها، ولا تخرج هنا السردية عن الإلمام الجوهري بأهمية الحكاية في الرواية، أي هناك ما يريد أن يقوله الروائي، وهو ما يجعل لهذا القول حدودا واضحة في ذهن الكاتب، ولكي يكون صادقا مع نفسه، لأنه طول الحوار ما فتئ يكرر قيمة الصدق في العمل الأدبي. يجيب عن سؤال الجنس في الرواية بقوله الحاسم: «ألخص لك موقفي في هذا الشأن: أنا لا أكتب شيئا لا أقوى على عرضه على أفراد أسرتي»، وما يجعل الصدقية مكرسة في هذا الموقف ليس الاعتبارات الأخلاقية وحسب، ولكن العلاقة الإنسانية التي تستوجب الفرح الجماعي في استقبال النص، فبهذا الموقف يعتبر بقطاش الأسرة استمرارا موضوعيا لما يكتب، وهو قمة الحرية، حيث لا تتوارى الحوارات خلف رمزية مقنعة لإبعاد التصادم المفتعل في طرح قضايا هامشية في العمل الفني، ولهذا فهو يرى أن الرواية هي هذه «الحرية التي نبحث عنها مشرقا ومغربا».
يعتبر بقطاش أن «الرواية التاريخية.. ما عاد لها من دور كبير في أيامنا هذه»، ربما في هذا الرأي شيء من الحدية، لأن الرواية باعتبارها سردية تحكي قصة الإنسان، فهي بطبيعتها تاريخية، لكن في التحديد الموضوعي لمعنى الرواية، يصبح التاريخ من الأهمية بمكان على مرّ الفترات، فالذاكرة تعتبر همزة الوصل بين حضور الإنسان في المكان والراهن وحضوره في التاريخ، وهو دائم العودة إليه لتجسير الأواصر بما يمكن أن يكون رؤية تعالج أزموية الواقع أو تفتح له أفقا تخييليا مختلفا. يرى أن ميزة الرواية الجزائرية في جرأتها، «في حجم الحرية الذي تتمتع به لأنها انتزعته انتزاعا»، ولا يخفي هذا الرأي الصراع التاريخي مشرق/مغرب وقضية الريادة، وحقيقة إن الرواية الجزائرية بدأت فرنكفونية، وهو ما فتح النص على تجارب مختلفة وثرية وتاريخية استفادت منها الرواية في مسعاها العربوفوني المتأخر، فما انتزعته انتزاعا يبدو إنه يتمثل في ذلك الوعي بالكتابة، باعتبارها مشتركا إنسانيا يروم سقفا عاليا من الحرية المسؤولة.
لحظة الأديب الوجودية من أجمل اللحظات، لأنه يعمقها بالدلالة التاريخية في القراءة، باعتبارها فعلا مستمرا بالذات في التاريخ، بدايةً وانتهاءً، ولهذا فهو لا يعتبر ذاته ابن بيئته فقط، بل ابن هذه المرحلة التي تَعْبُر الحياة وتتسمى «إنسانية»، الإنسانية المتداولة على مسرح الكينونة والحياة.
دراما الذات/ سلطة الحياة:
تعرض بقطاش إلى محاولة اغتيال في عشية 31 يوليو/تموز 1993، ويقول إنه لا يحب الحديث عن تلك المأساة، وحتى في الحوار يقول لنوارة «أثرت مواجدي»، ليس لأن هذا الحدث يعتبر تجربة مريرة، ولكن: «لأنه يعيد إلى وجداني صورة المرحومة والدتي، وأنا في هذا الشأن لا أتحمل العذاب الذي تحملته هي في صمت وصبر وهدوء»، إذن، في المقام الأول تطغى على لحظته التي يستعيد فيها الحدث معاناة الأم، التي طبعا وصلته عن طريق وصفِها هي له، هو، كان في غيبوبة عميقة، وبالتالي يكشف هذا الموقف عن حركة حضور وغياب، حضور الأم وغياب الابن، وما يتحرك بينهما من رغبة في التخلي عن الحياة من طرف الأمومة لصالح البنوة، لو كان في المقدور، هذه الحالة الإنسانية العميقة هي أشد ما يواجه الإنسان في استفاقاته على حقيقته الإنسانية. هناك عامل آخر كان سببا في عدم رغبة بقطاش في الحديث عن محاولة اغتياله، وهو إمكانية تحوله إلى «وحش طاغ قد يفتك ببني الإنسان»، الإحساس بالاعتداء دونما سبب، يولد الرغبة في الانتقام، وهذه هي الطبيعة الإنسانية، لنتخيل ما تعرض له، رصاصة اخترقت دماغه من «الجانب الأيسر من القفا» وخرجت من الجانب الأعلى من الخد الأيمن، يصف طبيعته الإنسانية: «كنت قادرا على القتل، ولكن الله عصمني من ذلك»، شعور بالقوة حين تستعصم الذات الضعيفة بجناب الله القوي. لا يمكن أن نتجاوز هذه المرحلة المأساوية في تاريخ الجزائر وأيضا في تاريخ بعض الفاعلين فيها، منهم من دهسته الآلة العمياء للمأساة الوطنية، ومنهم من نجا، وظل شاهدا على تلك الفترة، والأدباء والكتاب أقدر على نقل شيء من واقع الذات، وهي تعيش التوحش بكل ما تحمله الكلمة من معنى القسوة والفوضى والانتقام الأعمى.
ربما واقعية بقطاش السردية وبحثه عن الصدق في العمل الأدبي، هو ما جعله يرى عدم قدرة الأدب على تصوير المأساة، يقول: «أنا لا أحسب أن الأدب قادر على أن يصور تلك المعاناة»، لأنه، ولا جميع الكلمات في لغات العالم قادرة على أن تصف لحظة وقوف الأم على وضع ابنها وهو يصارع الموت، أو تصف مجزرة من تلك المجازر الرهيبة، إنه الوضع الإنساني الهش الذي تعجز اللغة عن أن تستعيد اللحظة بوقائعها كما حدثت، إن تلك الحادثة يقول: «هي أعمق غورا من جميع أشكال التعبير الأدبي كلها»، هل هو عجز التعبير عند بقطاش؟ لا أظن ذلك، ولكن شبحية الحالة بغموضها وهيمنتها التوحشية وخروجها عن نطاق الإنسانية هو ما جعله يُؤْثر الابتعاد عن أي محاولة لاستعادة الحدث.
لحظة الأديب الوجودية من أجمل اللحظات، لأنه يعمقها بالدلالة التاريخية في القراءة، باعتبارها فعلا مستمرا بالذات في التاريخ، بدايةً وانتهاءً، ولهذا فهو لا يعتبر ذاته ابن بيئته فقط، بل ابن هذه المرحلة التي تَعْبُر الحياة وتتسمى «إنسانية»، الإنسانية المتداولة على مسرح الكينونة والحياة. يصف اللحظات قبيل محاولة الاغتيال: «رحت أقرأ الصفحات الأولى من كتاب «الوعد الحق» لطه حسين، وأفقت بعدها في المستشفى». كان في تلك العشية مع أصدقائه يتابع ويلعب معهم «الكريات الحديدية»، قبل أن يختلي بنفسه ليسرح مع المعنى في كتاب، إنها حالة من حالات الوعي العميق بالتاريخ عند المثقف، إذ لا يكتمل معنى الذات بدون أن تقتلع من الوعي الإنساني ضرورة (ثقافية) تجعلها ممكنة، ولأن الكتاب أهم عنصر يمثل هذا الجانب من الوعي، بتاريخية المثقف العابرة للأجيال والحضارات والأمم والثقافات، فلا يمكن لمن يحسب على الثقافة إلا أن يكون قارئا أولا، يستصحب الكتاب أينما حل وارتحل، لأنه يمثل عينه على العالم والتاريخ، ولهذا بقطاش يؤكد: «أقرأ في أثناء تأديتي لعملي الصحافي، ويستحيل ألا يكون الكتاب إلى جانبي في أثناء تأديتي عملي».
كاتب جزائري