دراما السياسة والواقع في شهر رمضان!

حمل لنا رمضان هذا العام مشاهد مختلفة عما عهدناه في أعوام سابقة؛ ففيه بدأ الصيام موحدا بين أغلب دول العالم الإسلامي، ولم نشهد حربا على غزة، إذ على غير المعتاد لم يطلق الاحتلال حمم عدوانه، وإنما لجمَ توحشه في استهداف المدنيين، مكتفيا بضرب أراض فارغة لحفظ ما تبقى من ماء وجهه بجرائم لا تعد ولا تنسى.
في رمضان هذا العام، كنا أمام حالة تشويق تجاوزت الدراما العربية على الشاشات، لنشاهد دراما سياسية من نوع مختلف، حملت في حلقاتها تطورات دراماتيكية بعضها شديد التعقيد، والحساسية، منها أن الرئيس السابق دونالد ترامب أعلنها مدوية على الملأ: (علي وعلى أعدائي)، وأعداؤه هنا كان فريقا في الداخل الأمريكي، أو أكثر من فريق، ثمة من يتهم، نعم يتهم الدولة العميقة في أمريكا بأنها تخطط إلى إقصاء هذا العبثي، الذي يريد أن يعود بالنظام الأمريكي إلى عصر ما قبل المواطنة، إلى نظام الانقسام الأمريكي بين الشمال والجنوب، نظام تفوق العرق الأبيض، ما يعني أيضا نظاما معاديا للمهاجرين، لا سيما أولئك الأمريكيون من أصول وجذور مهاجرة.
قامت أمريكا في أساسها على أنها أرض الأحلام التي يقصدها المهاجرون من كل صوب وحدب في عالمنا الذي بات قرية صغيرة، وانغلاق ترامب على هذا النحو، وضربه لأسس صاغت النظام الأمريكي، كان من شأنه أن يفجر الصراع. يمكن أن نُعرف ترامب بأنه «صاعق التفجير»، ويبقى كذلك رغم خروجه من الرئاسة، المشاغب الذي لا يهدأ، فبعد أن ألغيت منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي، أسس لنفسه موقعاً في فضاء أزرق يحدد فيه قوانين ترامب الخاصة بعيداً عن خورزميات الأعداء – وما أكثرهم -.
اليوم تتوجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو محاكمة ترامب، وكل هيجانه وتهديداته لا تخرج عن كونها محاولة «الغريق الذي يتعلق بقشة»، والقشة هنا التلويح بحرب أهلية داخلية، قلب الطاولة على الجميع؛ لقد حوصر الرجل، ورُسِمَ حوله طوق فولاذ، يتمثل في المحاكمة، هنا يحاول الجمهوري العتيد أن يفلت من رباطه، بيد أن الأمر ليس بهذه السهولة، ففلتانه يعني أنه فوق القضاء، وفوق الدولة. وهنا ستكون الولايات المتحدة الأمريكية أمام اختبار تاريخي!، هل تنجو الدولة أم ينجو ترامب!
وفي سباق المفاجآت، لن يكون تسريب الوثائق الأمريكية الأخيرة خارج مشهد التأزيم الذي يرتبط برزمة أزمات، وهذه المرة في أوكرانيا وأوروبا والشرق الأوسط والموساد، فهل مسرب الوثائق، الشاب الطيار البالغ منه عمره 21 عاما من أنصار ترامب؟ أم له مآرب أخرى؟ لا ندري إن كانت واشنطن ستفصح عن هذه الزوبعة التي مضت في الفنجان سريعاً دون أن تتبعها عواصف قوية كما حدث في تسريبات ويكيليكس!
بعيدا عن الولايات المتحدة، وقريبا منها في الوقت نفسه، نجد نتنياهو الهائج في معمعة المعركة الداخلية يريد فيها النجاة بنفسه وعائلته من المحاكمة على خلفية فساده، خوفا من القضاء الذي في حالته ليس نزيها ولا عادلا، فهذه صفات وقيم عليا لا تتوفر في الاحتلال، لكن القضاء يخشى أن يصبح على الهامش إن مررت خطة الليكود في التشريعات، وقد أقرت بعض القوانين، كمنع عزل رئيس الوزراء، والسماح له بأخذ الهدايا، والتي ليست سوى رشى وعمولات سمسرة!
على هذا النحو نكون أمام المرآة الأمريكية وصورتها في الواقع الإسرائيلي، وفي قلب هذه المعادلة، والتجاذب حول دعم الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة بايدن لـ «الديموقراطية في إسرائيل»، يبرز الأقصى الذي كان دائم الحضور على الشاشات في رمضان لهذا العام، كما في الأعوام السابقة، فهو الثابت في المتغيرات كلها، المستهدف من «الديمقراطيين» والقوميين والليكود وحلف بن غفير؛ فاقتحام المستوطنين لباحاته، والسعي لفرض تقسيم مكاني زماني يهدف في نهاية المطاف لحرمان المسلمين – وليس الفلسطينيين فقط – من ثالث المساجد في الإسلام التي يشد لها الرحال، حرمان المسلمين من حقهم التاريخي فيه الذي تأسس منذ الإسراء إليه وصولاً إلى العهدة العُمرية وفتوحات صلاح الدين، ورغم هذه المخاطر المتفاقمة، إلا أن الفلسطينيين، كانوا كالجسد الواحد الذي طوق هذا المسجد المُبارك، فتهاوت على أسوارهِ خطط اليوم في تهويده، كما ستتهاوى كل خطط تحاولُ حرفَ البوصلة عن القدسِ، وتهويد أرضها المباركة.

 إعلامية فلسطينية أردنية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية