دراما سوداء ونقاش وبوح لأول مرّة في مسرح المونو التحرّش لا يبرر فماذا عن اغتصاب القاصرات؟

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«شو يا قشطة» أربع نساء على المسرح يحطمن جدران الصمت

بيروت ـ «القدس العربي»: في العادة يتوقع متلقو العمل الفني المرئي في السينما أو التلفزيون أو المسرح مشهد ذروة تتألق حوله سياقات الأحداث السابقة والتالية، أو تكون له وظيفة الصدمة الكبرى بعد سرديات ممهدة. في مسرحية «شو يا قشطة» يمكن إحصاء ثلاثة مشاهد أساسية أفضت إلى صمت مطبق في الصالة، وكأن ماءً باردة صُبّت عليهم.

«شو يا قشطة» نص درامي جريء يحتاجه مجتمعنا الذكوري، الذي يمنح ذاته سلطة على جسد المرأة بدءاً من أذنيها، وعينيها، وصولاً لكينونتها وإنسانيتها. وهذا ما يسمّى التحرش الذي يترك ندوباً يصعب زوالها، فكيف الحال مع الاغتصاب؟
«شو يا قشطة» نص صاغته وفاء حلاوي مع المخرج رياض شيرازي، ومثّلت فيه إلى جانب سينتيا كرم، وسلمى شلبي، وكايتي يونس، وأنتجته ميشيل فنيانوس مع وفاء.
مع الممثلات هذا الحوار:

○ زرعت بذور «شو يا قشطة». فهل مرّ القرار بمخاض صعب؟
• وفاء: الأحاسيس والمشاعر الداعمة للمباشرة بالكتابة تعيش معي منذ فترة زمنية. قبل سنة وثلاثة أشهر بات القرار واضحاً بأننا سنقدّم عرضاً مسرحياً عن التحرّش الجنسي. البحث كان طويلاً، تضمّن لقاءات مع نساء تعرّضن للتحرش، وأخريات تعرّضن للاغتصاب، وخلال الأبحاث وجدنا ضرورة للتركيز على العنف اللفظي المنزلي. وهكذا بتنا أمام ثلاثة أنواع من العنف. بدأت الكتابة منذ سنة، جمعنا القصص في إطار مسرحي، وعلم مسبق بأننا حيال كوميديا سوداء. مع اكتمال الأدوار وتبلورها تراءت لنا ممثلات، رغبت بدور ومن دون تحديد للشخصية، ومع جهوزية النص بات الاختيار على عاتق المنتجة ميشال فنيانوس والمخرج رياض شيرازي وأنا. سروري كبير بوجود سينيا وسلمى وكايتي على المسرح.
○ لماذا كان القرار بالتعاون مع رياض شيرازي، وليس مع كاتبة أو مخرجة؟
• وفاء: سبق وتعاونّا معه في إخراج مسرخية «مفروكة». رياض شيرازي استثنائي، تعجبني نظرته وتحليله لبعض قضايا الحياة، وكذلك نظرته للمرأة. خلال الكتابة كان التفاعل إيجابيا جداً بيننا، وكان مفيداً أن يكون الكاتب والمخرج رجلاً كما رياض شيرازي، بعيد كل البعد عن الذكورية في التحليل وفي العلاقات.
• سينتيا: أشعر أنّ وجهة نظر الرجل تساعد المرأة لتفهم ما يردده الرجل في باله، مع التأكيد بأن هذا ليس سلوكاً لرياض إنما قد يكون من رجال يعرفهم، وهكذا تتكامل الأدوار.
• وفاء: عملياً رياض شيرازي رجل صحّي، وبعيد عن الذكورية التي يُكرّسها المجتمع.
○ كيف تمّ اختيارك لدور الـ«سيكس ثرابي»؟
• سينتيا: عندما اتصلت بي المنتجة ميشيل فنيانوس لتخبرني عن مسرحية تتناول التحرّش عبّرت عن رغبتي السريعة بقراءة النص، والرغبة بالمشاركة. فرفع الغطاء عن القضايا المصنفة محرمات عبر الفن بات ضرورياً. وعندما قرأت النص مع وفاء ورياض سررت جداً، وشعرت بأن هذا مكاني، وهذا النص الذي يجب أن أقوله، وهكذا تمّ اختياري لدور «سيكس ثيرابي» هيا جوني.
○ تميّز دورك بالعصبية في التعبير عنك شخصياً وعن سواك. وبعضهم قرأ أسماء تقصدونها. فماذا عن «ميرا»؟
• كايتي: بداية لم نتقصّد إسماً. كُتب الدور وأديته بعيداً عن التصويب على شخص بعينه، ودوري يتناول التحرش في بيئة المسرح، إنما واضح أن المهن جميعها عُرضة لتلك الممارسات المشينة. يحدث التحرّش في مكتب هندسة، في مصرف وعلى الطريق. لماذا العصبية؟ أنه نبض الشخصية. «ميرا» ما تزال طالبة جامعية وتخضع للابتزاز والتحرّش الذي لم يمر عليه الزمن لتستعيد أنفاسها، لم تقو على الصمت، فالتحرّش بها متكرر من قبل المخرج، وحالها كحال زميلاتها، لهذا تشعر بالمسؤولية تجاه نفسها وزميلاتها اللواتي عشن التجارب نفسها.
○ أدّت سلمى شلبي دور «ليلى» الزوجة التي تتعرّض للعنف اللفظي بعد إنجابها لطفلين. نسألها هل يصنّف هذا التعنيف في خانة التحرّش؟
• سلمى: خلال الأبحاث التي قامت بها وفاء ورياض وميشيل وجدوا أن عناوين العنف متعددة، وثَبُت انتشار العنف اللفظي المنزلي، وهو عنف كما التحرّش. تتناول المسرحية مشاكل النساء، والعنف اللفظي من أكثرها انتشاراً. العنف ضد المرأة يؤدي لمضايقة جسدية أو نفسية، سواء كان لفظيا أو جسديا أو بإيحاء جنسي. زوج «ليلى» يتعرّض لها بتعنيف لفظي ووصفها «مبشّعة. نصحاني. شعراتك بشعين. اكلاتك مش طيبين» وهذا يندرج في إطار العنف، تماماً كما التحرش.
○ قابلتم الكثير من الناجيات. هل عُجنت تلك القصص الحقيقية فأفضت لهذا العرض الواقعي؟
• وفاء: صحيح وهذا ما حصل. بُني هيكل العرض المسرحي عبر الأبحاث، وتالياً ظُهّرت كل شخصية بمفردها. كافة مشاهد المسرحية مستوحاة من قصص حقيقية، إنما لا قصة حقيقية متكاملة على الخشبة، وحظي النص بقراءة قانونية من قبل الهيئة الوطنية لشؤون المرأة في لبنان.
○ نسأل المعالجة «هيا»: كنت حيال حالات متعددة. أي منها الأكثر صعوبة برأيك؟
• سينتيا: كل حالة بمفردها تُصنّف صعبة. ولكل حالة أساس علاج. يختلف البشر في الإستجابة للعلاج، وثمة فرق بين ممثلة لدور المعالجة، والمعالجة المختصة.
○ نعرف أنك قابلت معالجة سيكس ثرابي لتحديد إطار الدور. ما هي الحصيلة؟
• سينيا: طرحت عليها الأسئلة وكأني أعيش مشكلة زوجية وأبحث عن حل، والهدف من السؤال استكشاف كيفية تعاملها مع الإجابة، وكيفية تلقيها للسؤال. تعاملت المعالجة مع أسئلتي بكل بساطة، وبعيداً عن أي مُحرّم. أي سؤال خاص بالحياة الجنسية، تتلقاه كما لو قلت لها مرفقي يؤلمني، وهذا ما أردت اكتسابه من المعالجة لأتمكن من أداء الدور بعيداً عن الشخصنة. لقد طرحت عليها الأسئلة ذاتها التي تُطرح خلال العرض المسرحي للوقوف على ردّها. البحث وافٍ، لكني كنت أحتاج أن أفهم ما بين السطور من خلال المعالجة.
○ كم كان دورك «ميرا» قريباً من حياتك وأنت طالبة مسرح؟
• كايتي: «ميرا» طالبة تمثيل. جميعنا يختار الـ«كاستينغ» للحصول على فرصة، وجميعنا يتعرّض لهذا للتحرّش لفظيا كان أو جسديا أم سواه. إنه واقع نعيشه كممثلات، بالتأكيد ليس مع الجميع إنما بنسبة 99 في المئة من الممثلات يتعرّضن لما ذكرته «ميرا».
○ حملة «مي توو» انطلقت من الولايات المتحدة حمّستك لكتابة «شو يا قشطة»؟
• وفاء: بالتأكيد لا. ليس صدفة أن يتحوّل التحرّش إلى موضوع يتمّ تناوله عالمياً. وكما ذكرت كايتي بأننا كممثلات نتعرّض للكثير من المواقف، وبات ضرورياً أن نكسر الصمت، وأن نقوم بفعل ما وهذا ما حدث.
○ هل تواجه الممثلة قدراً اسمه التحرّش؟
• سلمى: ومن قال أنّ قدر المرأة أن تتعرّض للتحرش أينما كانت؟ التحرّش يسود كافة المهن، لكننا كممثلات نعيش تحت الضوء، ومن المؤكد أنّ عمل بعضنا قد يتوقف في مكان ما، لأنّ بدل الدور هو القبول. قبل أيام قرأت جملة مفيدة ومنطقية بهذا الخصوص «يا منصلِّح الرجال.. يا منسلِّح النساء» إذاً على المرأة أن تكون مُسلّحة بقناعة بأن تفعل ما تختاره وتحبه وبالطريقة الصحيحة، والموهبة ستظهر مهما كانت الضغوط. في مهنتنا كُثُر غير متحرشين، وأحدهم رياض شيرازي.
• سينتيا: إذا تعرّضت للتحرّش كممثلة، وإذا كان المخرج عاجزا عن الاختيار بين عمله وغرائزه فهذه مشكلته. الفنانة الموهوبة لن يأخذ مكانها أحد. أن يطير مخرج متحرّش من يدها فإلى الجحيم غيره يحترم حضور الممثلة والمرأة معاً.
○ في بحثكم لمقابلة الناجيات الممتنعات كنّ أكثر من المتجاوبات؟
• وفاء: من وجدن صعوبة في التعبير هنّ الأقل. إحداهنّ اتصلت في يوم الموعد لتعتذر وتقول «لم أنم طوال الليل وأنا أبكي لست قادرة على الكلام» أعتقد إنها من اللواتي تعرّضن لأكثر من تحرّش.
○ ماذا عن الحوار الذي يلي العروض مع الجمهور؟ ما هو اللافت؟
• سينتيا: تأثّرت برجل مُسن رفع يده خَجِلاً ليقول «شكراً لإنجازكم هذا العرض. كنت أنظر إلى السيدات والصبايا ولم أكن أعرف بأني ألحق الأذى بهنّ. شكراً لأنكم نورتم طريقي». في الحقيقة نحتاج لتنشئة مجتمع يحترم مشاعر المرأة وهذا الرجل ومنذ مراهقته اعتقد النظرات والتلطيش مسموح وعادي.
• كايتي: في الحوار مع الناس كنا جميعاً ضمن مساحة آمنة للتعبير. تحدّث الجمهور عن قصص حقيقية ولأول مرّة. أخبرت إحداهنّ عن تحرّش تعرضت له قبل 35 سنة، وقالت بأنها الآن باتت قادرة على مواجهة الجاني. نعم «شو يا قشطة» منحت الكثيرين قوة المواجهة والتعبير.
• سلمى: خلال النقاش اكتشفنا أن محامين في الصالة يجهلون القانون 205 الذي يعاقب على التحرّش والصادر سنة 2020. إنه الدور التوعوي للمسرحية الذي وصل لحدود تعريف أهل المهنة بالقوانين. شخصياً اكتشفت تعدد أنواع العنف بعد اعتقاد بأنه فقط اللمس غير المرغوب به. التوعية التي قدّمتها المسرحية متشعبة، من بينها الأضرار النفسية التي يسببها التحرّش. ولفتني كذلك أن بعضهم حكى عن التحرّش بالأولاد الذكور وضرورة إيلاء الأمر أهمية، هذا صحيح، إنما النسب لا تُقارن بين الذكور والإناث.
• سينتيا: صدمني خلال الحوار قول بعضهم بأن الرجل بطبيعته حيوان! أو أن تقول أخرى «أيه ما الرجّال رجّال». والمفرح أن السيدة التي قالت بأنها ستواجه الجاني بعد 35 سنة، تلقت في الصالة مباشرة علاجاً نفسياً مجانياً من مختص. والأكثر أهمية أن اثنتين من المعالجات النفسيات تعرّضن للتحرش في الصغر، وقفتا معاً وقدمتا علاجاً مجانياً لكل من يرغب بالعلاج من مشاكل التحرّش، ومجاناّ.
• وفاء: مع تأكيدي على الأهمية الكبرى لكل ما حصل ويحصل في الصالة، تقدّمت سيدة منّي بعد الحوار لتسألني «فيني أعبطك؟» رددت أكيد، ضمتني وأجهشت بالبكاء وقالت: «فشيتي خلقي..المسرحية مستني بقوة».
○ في أبحاثكم وصولاً لنص واقعي في «شو يا قشطة» هل انتبهتم لدور الأهل المفقود في التوعية ودور المدرسة في الثقافة الجنسية؟
• سلمى: لا شك بدور التربية من البيت أولاً ومن المدرسة عبر حصص خاصة بالتربية الجنسية. درس التربية الجنسية يشرح للصغار ماهية الجنس الصحي، ويعلّمهم متى يقولون لا، ومتى يجب أن يسمع الأهل أطفالهم في المواضيع الخاصة بالتربية الجنسية، وأن يقرأ الأهل ردّات الفعل الصحيحة لأطفالهم خاصة عندما يتركونهم مع أشخاص معينيين. ففي دور «ميرا» تقول كايتي إذا رفض الطفل/ة الجلوس في حضن عمّو أو تقبيله فلنحترم قراره.
• سينتيا: في مجتمعاتنا الشرقية يحق للولد ما لا يحق للبنت. يتعاملون مع الولد كملك زمانه، فيتمسك بهذه السلطة ويمارس دور الحامي على أخواته. تنشئة الولد الذكر تبدأ من المنزل، وحين يرى احتراماً للسيدات والفتيات في محيطه، فسيتعامل مع المرأة في المجتمع بالمثل. مدماك الحماية الأول للأطفال أن يتعلّموا بأن جسدهم لهم، وهو ممنوع من اللمس.
○ هل بدأ المسرح بخوض دور اجتماعي؟
• وفاء: «شو يا قشطة» نعم. ونتمنّى أن نلعب جميعنا كممثلات وممثلين دوراً مماثلاً، ليس فقط على المسرح بل في المجتمع، ونأمل تغييراً اجتماعياً إيجابياً. إنما المسرح يطرح الأسئلة ولا دور له في الحلول.
• سينتيا: بدأت الخطوة الأولى ونتطلع إلى كرة الثلج، وإلى مزيد من الوعي، ومن الحماية القانونية.
• كايتي: كنا حيال 19 عرضا و19 فرصة للتغيير، وأتمنى أن يساهم كل من حضر المسرحية بالتغيير المنشود.
• سلمى: يتمثّل دور المسرح بالإضاءة على المشكلات. فريق العمل في «شو يا قشطة» عرض عملاّ راقياً جداً، الرسالة مباشرة وواضحة. أتمنى أن نلمس فرقاً وأن تكون المساحات الواسعة مفتوحة للناس ليتكلّموا، الكلام ليس عيباً، السكوت مضر. التحرّش لا يبرر، ومن يبرره هو متحرّش.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية