عندما تتسع دائرة التداول والإقبال الجماهيري وتقل فرص الإنتاج في ظل هيمنة الشركات الكبرى على منافذ التوزيع والأسواق، تبدأ محاولات الفكاك من الحصار المضروب حول المصنفات الفنية بأنواعها، وهذا ما حدث بالفعل، حيث تكونت مجموعات من الهواة والراغبين في المشاركة الفنية لعمل ما يشبه الإنتاج الموازي للدراما المصرية على شبكة الإنترنت، وذلك في محاولة من جانب الشباب للتعبير عن مواهبهم وقدراتهم، وأيضاً رسم خريطة جديدة لشكل الدراما الحديثة بعيداً عن الأشكال التقليدية المتبعة منذ عقود، وهي التي فقدت صلاحيتها أو أوشكت على فقدان الصلاحيةبحسب وجهات النظر الشبابية.
وقد بدأت المجموعات الفنية المشكلة على شبكات التواصل الاجتماعي بإنتاج عدد من الحلقات الدرامية تحت عناوين مختلفة وفي إطارات مغايرة تماماً للسائد والمألوف، وحملت العناوين مضامين لمسلسلات مكتملة الملامح والمواصفات، وتحتوي على صراع درامي وحبكة فنية، بما يوحي باكتمال عناصر الصناعة الاحترافية الجديدة وفق مقاييس فكرية تناسب الشرائح الأكثر تعاطياً للتكنولوجيا المتطورة وهي الشرائح التي أعلنت تمردها على شكل ومضمون وصياغة الأعمال الدرامية السابقة والراهنة على حد سواء، وشرعت في استحداث ألوان فنية ترى أنها تعبر عنها بشكل جيد، فضلاً عن أنها بهذه الطريقة المبتكرة تستطيع الخروج من شرك المؤسسات الإنتاجية التي تغالي في فرض شروطها وتضع أطرا محددة للأعمال الفنية التي تقوم بإنتاجها.
وفي سبيل تحقيق الفكرة الاستقلالية تمكنت المجموعات الإلكترونية بالفعل من تنفيذ بعض الأعمال التجريبية ونجحت في استقطاب نسبة كبيرة من المشاهدين شجعتها على الشروع في عمل أجزاء من مسلسلاتها حديثة الإنتاج والتي تتراوح حلقاتها ما بين 7 إلى 10 حلقات لكل جزء ولا يزيد زمن الحلقة عن 20 دقيقة كحد أقصى للمشاهدة.
ويُعتقد وفقاً لمعطيات النجاح والإقبال، أن المعدلات الإنتاجية ستتزايد خلال الفترات المقبلة مع حلول المواسم الرئيسية التي تشهد فيها الدراما التلفزيونية نشاطاً مكثفاً كالموسم الرمضاني على سبيل المثال، غير أن هناك مواسم موازية تستمر أغلب شهور السنة.
المثير والمدهش في الأمر أن ظاهرة الإنتاج الدرامي الإلكتروني تتمادى في الانتشار ويسعى النشطاء فيها على إبرام عقود مع نجوم ونجمات كبار لدعم أعمالهم ليكونوا محفزين للعناصر الشبابية المشاركة ومشجعين على تطوير الفكرة والعمل على تعميمها كحل بديل لأزمة الدراما بدلاً من الانتظار على عتبات مكاتب المنتجين وشركات الإنتاج العملاقة التي تسوق بضاعتها بكبار النجوم ولا تقبل بأقل من نجوم الصف الأول، وما عداهم تترك لهم الأدوار الثانوية والظهور العابر كمجاميع وكومبارس.
وحول المخاوف التي تساور بعض شركات الإنتاج الكبرى من تنامي المشروع الدرامي الإلكتروني تأتي الأسباب على هذا النحو، أولاً الخوف من توجه الجمهور إلى هذه الأعمال بدافع الاكتشاف والانصراف عن مشاهدة المسلسلات العادية، وبالتالي تراجع نسبة الإعلانات في القنوات الفضائية، ومن ثم إحجامها عن شراء الأعمال الدرامية الجديدة، وبهذا يحدث تقلص في سوق التوزيع وتتأثر العملية الإنتاجية برمتها على المدى البعيد، هذا بالإضافة إلى التخوف من نجاح المجموعات الفنية على شبكة الإنترنت واستقطابها لعدد من النجوم وإحداث حالة من المنافسة تشكل خطورة حقيقية على المنتج الدرامي التقليدي أو تضطر المؤسسات الإنتاجية لرفع الأجور لاستمرار بقائها والمحافظة على نجومها.
وعن نوعية ما يتم إنتاجه والرهان عليه في المشروع الدرامي المصري الجديد “دراما أون لاين” فالاعتماد سيكون في الأساس على الأعمال الكوميدية الخفيفة كمسلسلات الست كوم من عينة “تامر وشوقية” و”رجل وست ستات” وغيرها من النوعيات التي أجريت عليها التجارب وأثبتت نجاحها ورواجها قبل سنوات، وكذلك مسلسلات مثل “شباب أون لاين” و”يوميات زوجه مفروسة” و”سوبر ميرو” و”هبة رجل الغراب” إلى آخره، حيث يتميز هذا النوع بسهولة الاستيعاب والاقتراب من الذائقة الشعبية بمختلف شرائحها.
ولكن مع وجود هذه الافتراضات لما يُشكل الخلطة الدرامية لجمهور الإنترنت، يُصبح من الوارد أيضاً كسر القاعدة باللجوء إلى إنتاج أعمال تراجيدية واجتماعية وسياسية من العيار الثقيل، تستوجب الالتفات للتطور الجديد في صناعة الدراما ومكوناتها وإمكانياتها، حيث لا حدود للتأثير في ظل المجال التكنولوجي المفتوح على كل الاتجاهات.