لا يمكن عزل الأدب عن حياة الناس، ولأن الإنسان واحد، سواء كان أبيض البشرة أو أسود أو أصفر أو غير ذلك، فإن الصفات الإنسانية المشتركة التي تجمعه هي التي تجعل من الأدب وثيقة مهمة بالنسبة له حيثما كان.
عند انغماس القارئ في هذا المشترك الإنساني، فإنّه بكل بساطة يجد نفسه، ويرى جوهره الذي تخفيه الألوان والأقنعة الثقافية المبتكرة من طرف التجمعات البشرية المختلفة. يندهش الأوروبي الأشقر ذو العينين الملونتين، من أنه لا يختلف في عواطفه وآلامه وأفراحه عن الافريقي الأسود ذي الشعر الجعدي والشفاه الغليظة والأسنان ناصعة البياض والعينين الداكنتين. هذه الدّهشة نفسها تنتابنا حين نقرأ نصوصا قدمت إلينا من أمريكا اللاتينية، أو من العمق الروسي، فنشيد بها وبتلك الآداب، لأنّها لامست ذواتنا المخبأة بإحكام، والتي بشكل ما لم نستطع أو لم يُسمح لنا بالتعبير عنها. إن المأساة ظلّت كامنة – ولعلّها لا تزال – في مساحة التعبير المسموح بها للشعوب، لتنجب أدبا جيدا، وفي مقدار الشجاعة التي تحلّى بها البعض لقول ما يجب عدم قوله بصوت مرتفع. هكذا اشتهرت الأغاني والقصائد والقصص والروايات، قبل أن تتحوّل لدى بعض الشعوب إلى نوع من التّرف. لقد كانت كل هذه الفنون تعبيرا عن ألم ما، أو قلق، أو هاجس نبيل، لكن لأن العجينة البشرية واحدة، فلا شيء يظلّ على حاله.
في اللحظة التي يرفض فيها الكاتب رؤية ما يحيط به، وسماع الأصوات التي تستغيث طالبة الخلاص، وفهم تعبيرات الوجوه التي تتطلّع إليه، يفقد صدقه، ويفقد المعنى الكامل لتجربته الكتابية، فيصبح مهرّجا بالمعنى الصحيح للكلمة، إذ يصبح نيل مزيد من الابتسامات والتصفيق، هدفه الأول والأخير، كون مساهمته هنا تفقد كل معنى لتطوير الوعي.
هل الكتابة مرتبطة بالوعي فقط؟
ما أريد شرحه في هذه المقالة وهو ليس قاعدة، أو حكما نهائيا على وضع ما، هو أن أي شكل من أشكال التعبير، خاصة الكتابة، مرتبط بإثارة أسئلة مهمة حول الذات الإنسانية، فاستعادة الذكريات الشخصية وتدوينها، أو سرد حياة شخص ما، أو ابتكار قصة مشابهة لحيوات عايشناها، مرتبط ارتباطا مباشرا بالوعي الذاتي والجمعي ولا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضا. يمكننا متابعة نوعية النصوص المقروءة كيفما كان نوعها، وتسجيل نتائج حركة القراءة تلك وتأثيراتها. يمكننا أيضا معرفة أدق التفاصيل عن أي مجتمع من خلال قراءاته الغالبة. هناك مجتمعات لا تُقرأ! حسنا هذه المجتمعات «الخاوية» لديها موروثها الثقافي الذي تتكئ عليه، هي مجتمعات خام بالنسبة لنا، لكن لديها حتما مخزونها من الشعر والحكايات والفنون، من هذا الباب تفاجأنا بفوز عبد الرزاق قرنح بنوبل العالمية، فهذا الرّجل خرج من زنجبار تنزانيا هاربا من الظروف السيئة التي كان يعيش فيها، وقد عنونت بعض الجرائد العربية خبر نيله الجائزة بعناوين ذات حدّين، وذات بعد سياسي أكثر منه ثقافيا: «من لاجئ إلى حائز نوبل» «نوبل للآداب تُذكِّر حضرموت بابنها المهاجر» «الفائز بنوبل للأدب: اللاجئون الأفارقة لا يأتون إلى أوروبا فارغي الأيدي».
يعلّمنا الأدب الاعتدال في قراءة التاريخ مجرّدا من عباءته الكاذبة، وفهم حِيل الديكتاتوريات بأنواعها، تلك التي تتسرّب إلينا أحيانا حتى من حضن من نحب، فتحوّلنا إلى عبيد مجرّدين من الإرادة، إنه بالمختصر يعطينا «دروسا في الحياة» وهو بذلك يعرف أين يكمن وتر وعينا الحساس ويعزف عليه في الوقت المناسب.
أمّا لقب عائلته «قرنح» – ولا نعرف إن كانت كتابته صحيحة هنا – فقد كتب بصيغ عديدة: غورنا، قرنة، جرنة، ويبدو أننا ترجمناه كما سنترجم أدبه، ورغم فخرنا بأنه من أصول عربية، وأننا نلنا نصيبا معنويا من الجائزة، إلاّ أن هذا كله يمضي إلى إيقاظ وعينا، فهو يتعلّق بالدرجة الأولى بمدى انضباطنا الذاتي، وقدرتنا على التعبير عن مشاعرنا وهمومنا وطموحاتنا ومدى تشكيلنا لهيكل حقيقي لحضورنا في هذا العالم، بعيدا عن الحضور المأساوي لحروبنا وخلافاتنا وتدميرنا المستمر لذواتنا.
يقظة هذا الوعي لمستها في ما كُتِب عن عبد الرزاق قرنح، وأيضا عن محمد مبوغار سار الحائز جائزة غونكور، سيل من الكتابات حولهما على صفحات كُتّاب ونُقّاد على مواقع التواصل الاجتماعي، ثمة إعادة نظر جادّة في المنجز الأدبي الذي حققناه، مساءلة حقيقية عن أهمية الأدب المكتوب بلغات أجنبية، ودعوة لمصالحة لغوية خارج الصراعات السياسية التي أنتجتها الأخطاء الكولونيالية التي لم تُعالج بعد، ولا يبدو أنها ستعالج على المدى القريب. تساءل أحدهم وهو يستعرض رواية الكاتب السنيغالي مبوغار سار «جوقة الصمت»: «ألا يوجد بين النتاج الروائي العربي روايات عالجت موضوع الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا؟ لماذا أصبح الموضوع مهما الآن فقط؟ هل لأن مهاجريْن من القارة الحزينة نالا جائزتين مرموقتين؟ ألا يجب أن نضيء على أهوال حياتنا بأنفسنا؟ أم أن إضاءات الغرب على نتاجنا تعطيه شرعية لا نعرف أن نمنحنها لأنفسنا؟» أحدهم ترك تعليقا مختصرا بعد عرض قصير للجوائز التي فاز بها الكاتب: « كل هذه الجوائز ولم تترجم قصصه بعد إلى العربية؟».
يشعر المغاربيون بالتقصير أكثر من غيرهم تجاه هذا الأدب الذي تنتجه القارة السمراء، ويُتوّج على بعد خطوات منهم، وهم عنه بعيدون. لكن أعتقد أن كل تلك المراجعات صبّت في منحى واحدٍ وهو، أن المجحف في حق نفسه يجب أن لا يعاتبها، بل يجب أن يعمل سريعا على تغيير واقعه. من خلال تلك الصفحات على مواقع التواصل فهمت قصة الرواية التي نالت الغونكور، بشكل أفضل من المقالات التي أسهبت في الحديث عن الأدب الافريقي وتكريمه من طرف الغرب.
عام 1968 نال كاتب من مالي اسمه يامبو أولوغام جائزة رينودو، لكنَّ تهمةً لاحقته بالسرقة الأدبية وانتحالٍ لأدب غي دي موباسان، وأندريه شوارتز بارت، وغراهام غرين، ربما لم تكن أكثر من حرب عنصرية، فإذا بالرجل يختفي عن الأنظار، ويتوقف عن الكتابة، ويعود إلى قريته «سفاري» في مالي، رافضا كل أشكال الاتصالات والمقابلات حتى وفاته عام 2017، هذه القصة الحقيقية المؤلمة هي التي أثرت في الكاتب الشاب، وهي التي ألهمته ليعيد بناءها روائيا بحثا عن المعنى الذي يجب أن يُعطى للأدب، وأهمية أو عدم أهمية الجوائز الأدبية. طرح ذكي في الواقع لقضية عويصة وشائكة، وربما هذا ما جعل البعض يصف هذا الفوز بالجريء، والتكفير عن ذنب، كما وصف الفوز الافريقي بثلاث جوائز أوروبية دفعة واحدة بـ»الصحوة الأوروبية».
ركّز البعض على تصريح فيليب كلوديل سكرتير الأكاديمية الفرنسية، وإشارته المبطّنة لأمر ما: «مع هذا المؤلّف الشاب عدنا إلى أصول وصية غونكور… دعونا نأمل ألا تقطع غونكور رغبته في الاستمرار». كمٌّ هائل من القراءات والآراء طفحت به مواقع التواصل، مؤكّدة أن الوعي الدائم يصنعه الأدب والقراءة باستمرار، بسهولة تصدّى الأدب للثرثرات اليومية التي لا معنى لها، فتحوّل السجال إلى حوار عقلاني مفيد، لقد أبعدنا الحديث عن الكتب والجوائز والكتّاب، عن التوافه التي تجذبنا «لقتل الوقت» هكذا نظرنا إلى الحدث الأدبي بطريقة عميقة وأثرنا جدالا فكريا لفهم حركة العالم. ربما نحتاج من حين لآخر لمناسبات قوية كهذه لتهتز عواطفنا خارج المهد الزائف لمواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأهم أن لا نفقد الثقة في قوة الأدب نفسه، وارتباطه الوثيق بالوعي. لقد تصدّت النصوص البسيطة التي خاطبت العقل والقلب للغباء، والأمراض المقيتة التي تصيب النّفس البشرية، الغيرة، الحقد، النفاق، الخبث، العنصرية، الغرور، إلخ. يعلّمنا الأدب الاعتدال في قراءة التاريخ مجرّدا من عباءته الكاذبة، وفهم حِيل الديكتاتوريات بأنواعها، تلك التي تتسرّب إلينا أحيانا حتى من حضن من نحب، فتحوّلنا إلى عبيد مجرّدين من الإرادة، إنه بالمختصر يعطينا «دروسا في الحياة» وهو بذلك يعرف أين يكمن وتر وعينا الحساس ويعزف عليه في الوقت المناسب.
شاعرة وإعلامية من البحرين