دمشق – «القدس العربي» : أضاف التنافس على النفوذ، بين روسيا وإيران، في درعا كبرى المحافظات الجنوبية السورية، مزيداً من الفوضى والفلتان الأمني، في ظل سعي روسي واضح للتقليل من التأثير الإيراني على المشهد، ومحاولة موسكو الحفاظ على اتفاقات التسوية، من الانهيار، لما من شأنه تعميم التوتر قرب الحدود مع الأردن وفلسطين المحتلة، في وقت يدفع فيه النظامان السوري والإيراني في اتجاه الفوضى الأمنية ما يعني تعزيز التغلغل الإيراني في درعا، التي تتخذ ميليشياتها من مقرات قوات النظام مواقع تمركز ومعسكرات تدريب.
وسط تنافس إيراني – روسي على النفوذ جنوب سوريا
وبينما تتراكم الشواهد على التنافس السياسي والاقتصادي والثقافي والإنساني، ما ينذر بتزايد الخلافات والصدامات بين أتباع الطرفين الروسي والإيراني للسيطرة وتعزيز النفوذ، وجد سكان درعا أن لا مفر من توحيد مناهضتهم للنظام ليقدموا صورة متجددة لرفضه واستمرار الإعلان عن عدم القبول به.
مستقبل درعا
وفي مظاهرة هي الأكبر من نوعها، منذ سيطرة قوات النظام السوري على محافظة درعا التي لم تشهد استقراراً أمنياً منذ منتصف عام 2018، خرج آلاف المدنيين والعسكريين، في ريف درعا، بمظاهرة حاشدة، طالبوا خلالها بإسقاط النظام السوري وخروج «المحتل» الإيراني وحزب الله اللبناني من البلاد وذلك أثناء تشييع قتلى «الفيلق الخامس» من أبناء درعا، الذين قضوا في تفجير يوم السبت. وأكد ذلك المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وذكرت مصادر محلية أن الآلاف من أبناء محافظة درعا تجمعوا في مدينة «بصرى الشام» في الريف الشرقي للمشاركة في تشييع 9 من عناصر الفيلق الخامس التابع لروسيا حسب المرصد السوري (12 حسب الوكالة الألمانية «د ب أ»)، ممن سقطوا جرّاء تفجير حافلة كانت تقلّهم، وما لبث أن تحوَّل لمظاهرة تُطالب بإسقاط النظام السوري وإخراج المعتقلين من سجونه وتعلن رفض الوجود الإيراني في المنطقة، وتدعو لطرد الميليشيات المرتبطة به.
وكانت حافلة مبيت تقلّ 40 عنصراً من اللواء الثامن في الفيلق الخامس – معظمهم من العناصر السابقين في الجيش الحر- تعرضت لتفجير ضخم بواسطة عبوة ناسفة، ما أدى إلى مقتل وجرح جميع مَن كانوا داخلها، وسط أنباء تشير إلى وقوف الميليشيات الإيرانية وراء الحادثة.
ولفت المرصد السوري إلى أن محافظة درعا تشهد تصاعداً في الصراع الخفي بين الفيلق الخامس الذي أنشأته روسيا من جهة، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق رئيس النظام السوري من جهة أخرى، ويتمثل الصراع الخفي بالمحاولات المستمرة من كل جانب لفرض نفوذه الكامل على درعا، فبعد أن ثبتت قوات الفيلق الخامس نفوذها وباتت القوة الأكبر على الأرض هناك، عادت الفرقة الرابعة إلى الساحة مؤخراً.
الفرقة الرابعة، تسعى لاستقطاب الرجال والشبان وخاصة المقاتلين السابقين لدى الفصائل مقابل رواتب شهرية وإغراءات أخرى واستطاعت، وفقاً للمصدر، استقطاب دفعة مؤخراً تضم العشرات وجرى زجهم على الحواجز بعد إخضاعهم لدورات عسكرية في ريف درعا الغربي، في المقابل لا تزال كفة الروس راجحة عبر الفيلق الخامس الذي يضم مقاتلين سابقين لدى الفصائل ممن رفضوا التهجير وأجروا «مصالحة وتسوية لأوضاعهم».
وكانت المنطقة الجنوبية حاضرة على لسان السفير الروسي السابق ألكسندر اكسينيوك ضمن حملة الانتقادات الروسية التي طالت نظام الأسد والتي أشارت إلى سوء سياسته في قوله «في أغلب الأحيان، من الصعب أن نميز بين هدف مكافحة الإرهاب والعنف الذي تمارسه الحكومة ضد مناوئيها، وهذا من أسباب تصاعد التوتر مجددًا في المناطق الجنوبية الغربية من سوريا التي تم تحريرها بموجب اتفاقيات وقعت مع قسم من المعارضة المسلحة حول تقاسم سلطة محلية شبه مستقلة في تلك المناطق. ما أدى إلى تزايد عمليات القتل والتهديد والخطف في ظروف غامضة على خلفية الاعتداءات التي قامت بها المخابرات السورية».
كما تُظهر دعوة قائد ميليشيات «مغاوير البعث» المحلية جهاد بركات إلى إبادة أهالي درعا، حين قال إن «استشهاد أي ضابط أو عسكري يجب أن يقابله إرسال كل أهالي الإرهابيين الذين يقاتلون الدولة إلى جهنم، ليكونوا عبرة للآخرين، وأعني الكبير والصغير والمقمط بالسرير؛ درعا طاف الكيل»، وهو ما يشي بالعجز والتقهقر الذي وصل إليه النظام هناك، في حين تستمر العمليات الخاطفة والمرهقة ضد قواته والميليشيات الإيرانية والروسية في درعا من خلال المقاومة الشعبية على طريق «حرب العصابات» التي بدأت تفرض وجودها وبقوة في الواقع السوري بسبب التأييد الشعبي والحاضنة الشعبية المؤيدة لذلك.
وفي هذا الصدد يقول الخبير السياسي رشيد الحوراني إن تكتيكات «فرِّق تسُد» التي يتبعها النظام أحدثت فوضى بدلاً من السلام، و خلقت بيئة معادية، وزاد الاستياء وأثار صراعات محلية. الأمر الذي ظهر بعد اجتماع الشخصيات الفاعلة في مدينة الحراك في الفترة السابقة وتقرر فيه ما يلي:
3 قرارات للثورة
أولاً، اعتبار كل عنصر من قوات النظام هدفاً مشروعاً للثوار في حال أقدم النظام على اقتحام المدينة، ولو كان من أبناء البلدة، وهو ما يسعى إليه النظام لإحداث شرح واقتتال داخلي بين أبناء المنطقة الواحدة. ثانياً، اعتبار جميع القرارات والمفاهيم المتفق عليها مع النظام، لاغية، ويتحمل نتيجة ذلك الجانب الروسي. ثالثاً، كل فرد من مدينة الحراك يتم اعتقاله سيقابله التمرد ضد عناصر النظام المنتشرة في الحراك والقرى المحيطة.
وأضاف المتحدث أن التنافس غير المباشر على النفوذ بين كل من روسيا وإيران يزيد من انعدام الأمن، خاصة أن كلاً منهما قامت ببناء ميليشيات بالوكالة في جنوب سوريا – على الحدود مع الأردن وإسرائيل، نظراً لاختلاف الرؤى والمصالح والأهداف لكل منهما، وطريقة تعامله مع السكان المحليين في المنطقة.
واليوم وجد سكان درعا أن يعملوا على توحيد مناهضتهم للنظام مع مدينة السويداء ليقدموا دليلاً آخر على كذب النظام ومراوغته، وصورة متجددة لمناهضته.
دلالات مهاجمة إيران
واتخذت إيران نقاطاً استراتيجية في سوريا لتؤثر بها في المحيط الإقليمي التي ترى فيه مجالاً جيوسياسيا لتوسعها، وتعتبر مدينة درعا إحدى أهم هذه النقاط الإستراتيجية، وخاصة المنطقة الغربية منها المحاذية لإسرائيل، لتكون وفقا للخبير العسكري رشيد الحوراني ورقة بيدها تهدد إسرائيل في أي مفاوضات آتية، وبناء على ذلك زادت إيران من نشاطها وقوتها الناعمة والخشنة في المدينة.
وتتمثل قوتها الناعمة حسب المتحدث في محاولاتها نشر التشيع الذي لاقى قبولاً إلى حد ما بسبب ضيق الأوضاع الاقتصادية، وفيما تحاول روسيا استيعاب السكان المحليين بنيلهم حقوقهم إلى حد ما، تعمل إيران بالقوة لفرض أجنداتها، لذلك ضاق المدنيون ذرعا بممارساتها في الجنوب.
وتنتهج إيران أساليب في محاولاتها احتواء الرفض الشعبي لها أساليب النظام نفسها متمثلةً بـ»القوة والعنف»، وحاولت «مع النظام التخلص من كل مقاتلي الفصائل السابقة في المنطقة، لأنها ترى فيهم تهديداً بالعودة للعمل ضدها، حتى أن التفجيرات التي طالت عربات لعناصر في الفيلق الخامس يوم أمس هم بالأساس فصائل محلية حاولت روسيا استيعابهم وتشغيلهم لصالح النظام لكنها اخفقت وظلوا محتفظين بقدر كبير من الاستقلالية، ولم يتعاونوا مع روسيا إلا بقدر تمايزها عن إيران واختلافها معها، وقد ظلوا عملياً محافظين على مبادئهم الثورية والدفاع عن أرضهم وأهلهم وقد رفضوا الاشتراك بقتال الثوار في الشمال» لذلك لم يستبعد الحوراني أن تكون إيران وراء تصفيتهم بهذه الطريقة.