«دعابة الكاتب» مجموعة قصص العراقي عبد الله طاهر: الميتاسرد وميلاد الأفق والحوار

عادل ضرغام
حجم الخط
1

القصة الأخيرة من المجموعة القصصية التي حملت اسمها «دعابة الكاتب» للقاص العراقي عبد الله طاهر يمكن أن تمثل المدخل الأكثر قيمة في قراءة المجموعة، وفي الإحاطة بالمنحى الفكري أو المعرفي لفعل الكتابة نفسه بشكل عام.
والكاتب حين يضع هذه القصة المفتاح أو الملهمة والدالة في نهاية المجموعة يوجه نحو قصدية في معاينة التشكيل الفني لمجموعة القصص داخل مجموعته من جانب، ومن جانب آخر يؤكد على أن كتابة القصة القصيرة فن خاص في تولده وتشكله، فهي تنأى عن التخطيط المسبق الذي قد نجده في الرواية، لأنها ليست بناء قائما على الترابط المنطقي والتراتب، فهي – أي القصص – أبنية ذهنية معرفية في الأساس في توالدها، وفي ارتباطاتها الممتدة داخل وحدة زمانية خاصة بها، وهي ارتباطات قائمة على الشبهة في إدراك التشابه أو التناسب بين الأشياء خارج بنية زمنية ضاغطة. فهي تتمحور داخل بنية عقلية حدسية، فيصبح واقع القصة متمحورا حول أسئلة الإنسان في وجوده الفردي داخل الكون المصنوع من انفتاح فكري ممتد في العصور القديمة من الزمن بتأسيساته وطبقاته.
فالكتابة القصصية في هذه المجموعة – ووفق منطق القصة الأخيرة – عبارة عن تشظ وجودي للكائن داخل إطارين لا ينفصلان، إطار يمثل نثريات الحياة، وإطار يمثل التكوين الفكري والعقلي الممتد، وكل إطار منهما يؤثر في الآخر، ويغير في طبيعة وجوده، ومقاربته للوجود.

الميتا سرد ومحو النثار الواقعي

وراء هذه الكتابة القصصية الخاصة بالميتا سرد وإشكاليات النوع وتراتبه، أهداف مهمة، فهي تلحّ على خصوصية النوع، وعلى خصوصية التشكيل الخاص بكاتب القصة القصيرة والملامح المشتركة.
في «دعابة الكاتب» هناك اشتغال في مجمل القصص على إشكاليات النوع، وطبيعة وضع وتراتبه داخل الأنواع الأدبية من خلال الصفات المقدمة لها على ألسنة بعض الشخصيات في بعض القصص، مثل (الفئران الصغيرة)، أو على لسان أحد الناشرين حين يصفها (نفاية الأدب). وعلى هذا الأساس تلحّ قصص المجموعة على صناعة جدارة لهذا الفن نابعة من خصوصية مقاربته ورصده منذ بدايته الأولى، حيث ينطلق من السردي، ولكن لجذوره الشعرية والفكرية لا يبقي على هذا السردي، ويتعاظم عليه، فيجعله أداة لتشكيل المعرفي، خارج حدود القيد الزمني، من خلال الانفتاح على التجاور الممتد لتشكلات الفكرة.
في قصة (اختفاء يد موزارت) ليس هناك حضور لبناء تقليدي قائم على النمو أو الحركة أو التتابع، ولكنْ هناك حضور لعوالم القصة أو لنثارها الواقعي المفرّغ قبل التشكل، أو إذا شئنا الدقة هناك حضور لجزئيات العمل أو الفضاء قبل الكتابة، وكأن في الوقوف عندها بعد كتابة القصة ونشرها نوعا من الحركة بين السرد والميتاسرد، لأن هذه الحركة ستكشف نوعية المقاربة وخصوصيتها، في تحويل هذا النثار الواقعي إلى خلق جديد يتعاظم على محدودية زمانية ومكانية.
تلحّ قصص المجموعة على قيمة العمارة البنائية للقصة القصيرة، وأن هذه البنية المعمارية ليست ساكنة أو ثابتة، لأنها مرتبطة بشيئين، المثير الواقعي، والامتدادات الزمنية السابقة لهذا المثير في تشكلاته، وهذا الارتباط الثنائي يخلق زحزحة للخطية السردية، ويؤسس بنية منفتحة، لتصبح مشدودة إلى مدارات الفكرة وطبقاتها من الآني إلى الماضي، ومن الماضي إلى الآني، وكأن الزمان أصبح دائريا أبديا يتفلت من التعاقب والتراتب، فالقصص كلها تحرّف مؤسسات القصة الواقعية، ليحيل البناء الهيكلي لقصص المجموعة إلى أبنية فكرية ممتدة لمقاربة الأفكار.
الكتابة هنا ليست معنية بالقصة، ولكنها معنية بجزئيات الكتابة ونثارها وأدواتها الغفل التي اكتست واكتسبت وجودا مغايرا بعد الكتابة، فعلاقة المؤلف بما يكتب ليست علاقة تلاش وانتهاء، بل علاقة استمرار ونمو وانفتاح للإضافة والحذف والهدم، فالكاتب لا يغادر موضوع قصصه، بل يقاربه بشكل جديد في كل مرة، ففي عودته لمعاينة فضاءات ورموز قصصه مثل الدوائر والفرجار والمثلث، يدرك أنها في حركة دائمة، لتلبس جديد وإدراك مغاير.
ما يقوم به الكاتب في قصة (يد موزارت) – بوصفها ميتاسرد لقصة غائبة نشرت تحت اسم العين المتوحّدة – هو محاولات التفسير، وفكّ للترابط والمخيلة التي جمعت من خلال التداخل والتشابه بين أشياء بعيدة داخل نسق واحد. يؤيد ذلك قول السارد في تفسيره للمشابهة بين هيكل وبنية قصته وكنيسة وكاتدرائية رايمز الفرنسية في قوله (هل أنني عندما دخلت كاتدرائية رايمز في ذلك الوقت خطرت في مخيلتي كتابة قصة تشبهها، أم أننا نصنع أحيانا مع أنفسنا إجابات عن أسئلة لم نسمعها يوما أم أنها لم تتجسّد بعد).
التأمل في القصة يكشف عن أن فعل الكتابة هو محور الحركة في القصة، بالإضافة إلى أن النص (العين الواحدة) ونثاره الواقعي لا يكف عن الإشارة إلى التداخل والتناظر الكاشف عن محو هذا النثار لحظة تشكله، مما يؤسس اهتماما خاصا بالكتابة في انفتاحها على المعرفي، فالعين المتوحدة تشير إلى فلسفة كتابية، وإلى فلسفة في الوعي الفردي بالعالم تجلت في قصص كثيرة من المجموعة، بوصفها عين المعرفة، ومساحة الاشتراك بين الأبدي والمتحلل والمتلاشي.

المشابهة وميلاد الأفق

يعود السارد في قصة من قصصه إلى مقولة رولان بارت في كتاباته عن أن مراوغة اللغة وخديعتها يعدان جوهر الكتابة والأدب. ففي قصة (غبار النجوم) يستند الكاتب إلى أسطورة بجماليون، وإلى ظاهرة الباريدوليا، ليس لتأسيس الدلالات الجاهزة بتوظيف هذه الأسطورة أو هذه الظاهرة، وإنما لكي يحفر للأسطورة معنى جديدا آخر، فالفن في منطق القصة هو الشيء غير الحقيقي، أو غير الملموس الذي لا يمكن تكديسه بظواهر الحواس المعهودة.
إن تقسيم كلمة الباراديلويا يعطي وجودا حقيقيا لهذا التسامي في تشكيل الواقعي وهذا التجاوز الخاص بالنثار الواقعي، فالجزء الأول (بارا) السمو والارتفاع، والجزء الثاني (ديلويا) يشير إلى الواقع أو إلى الحقيقة إذا كان هناك تصور لشيء بهذا المسمّى. وفي ظل ذلك يتشكّل معنى الفن بشكل عام أو فن القصة القصيرة بشكل خاص، لأن بها في أصل نشأتها وجودا لهذا التعاظم وهذا الخروج من السردي الحكائي إلى الفكري والمعرفي، فهي تسرد حكاية أو واقعة، ولكنها لا تبقي في دلالتها على حدود هذه الواقعة، من خلال دورانها وانفتاحها معرفيا على دلالات الرموز الأكثر حضورا، بالإضافة إلى أن تصور البارديلويا يعطينا تصورا شاملا عن الفن، في كونه محاولة جادة في التقاط التداخل الكاشف عن الاقتراب بين شيئين بعيدين.
في قصة (الرنجة الحمراء) هناك إصرار في إدراك ومقاربة الوجود من خلال الرائحة، وتلمس وجود الفن أو الفنان الذي لا يتشكل من محسوس، أو من لحم ودم، بل هو أنا مختفية لا يمكن لمسها، بالرغم من اليقين بوجوده من خلال الرائحة، مثلما يشعر الفرد العادي برائحة الرنجة التي تسود في لحظة وجودها أو في لحظة تذكرها. ولكن هذه الرائحة تؤدي أدوارا أخرى أكثر من إشعارنا بوجودها حين ترتبط بالكتابة والفن، فهي تشد الكاتب إلى الارتباط بنمط من الكتاب والمفكرين، فالفن لا يختلف عن الرائحة التي تسهم في اختيار توجه من توجهات إبداعية عديدة متاحة، لصناعة سلسلة إبداعية محمومة بصياغة توجه جديد في مقاربة الأشياء والوجود.
الفارق بين أنا الواقع، وأنا الفن المتعالي يحتاج إلى عين راصدة ترتبط بفكرة التلصص على الوجود، ومن هنا يتمّ الاشتغال على ثنائية الأديب والجاسوس، ويستحضر النص القصصي الكاتبين أيان فليمينغ وجون لو كارييه، ويحيل إلى شخصية روائية هي شخصية جورج سمايلي ضابط المخابرات البريطاني التي اخترعها وشكلها كارييه. تنبع قيمة هذا الربط بين الأديب والجاسوس في قدرته- أي فكرة الجاسوسية- في خلق انخراط مغاير وخاص، فالأديب في ظل هذا الربط أشبه بالعميل المزدوج، فالسارد- لإسدال نوع من المشابهة- يشير إلى الانتساب إلى الموساد بهولندا كعميل سري، كما يكمل – على حد تعبير النص القصصي- المسلم دينه بالزواج، للإشارة إلى واقع عام أولي، ثم يشير إلى الانتساب من أجل الإغواءات الأدبية إلى جهاز المخابرات الهولندية كمخبر سري.
كتابة القصة وفق هذا المنطق أقرب إلى محاولة الإمساك بالشغف، من خلال كل ما سبق بذهن جاسوس لا يكفّ عن التلصص في صناعة عالمه الخاص. فيصبح الكاتب أديبا وعميلا سريا، فالعميل السري من خلال عدسته المفتوحة وتلصصه في تكديس الأشياء لفعل الكتابة، يصنع مشابهة ذات خصوصية مع الأديب، فالكتابة الفنية شبيهة بكتابة التقرير السري، تقول القصة (بينما وراء الوجه الآخر ثمة عشرات من أشرطة نانو المسجلة، تدور وتسجل صامتة في الخفاء، وهي مكبوتة الأنفاس).
من خلال هذا الفعل التلصصي القائم على المعايشة أو القراءة يمكن معاينة تولد الأفق الجديد من الآفاق القديمة في ظل اصطفاء حالة مقاربة شديدة الخصوصية ترتبط بوضع الإنسان في العالم، وفي حضور مفارقات زمنية لكل طبقة من الطبقات الآنية أو الماضية، فاستحضار (إيما) في رواية مدام بوفاري، أو إسبينوزا في قصة (رداء كهنوتي مزيّن بالببغاوات) يجعلنا أمام نموذجين كاشفين عن اختيار النسق المشابه، وعن تولد الأفق أو الطبقة المعرفية في كل سياق حضاري خاص للفكرة وتوالدها المستمر.
الكتابة هي فن المتخيل الذي يحقق اتصالا مع تجليات سابقة أما تجاوبا أو تباينا، من خلال الحوار مع هذه الشخصيات في وجودها الممتد، لأن هذه الشخصيات تظل فاعلة باستمرارها ودورانها في أدمغتنا في مقارباتنا للحياة، وتؤثر بالضرورة على اختياراتنا في اللحظات الحاسمة. ومن هنا يتمّ تنضيد مكانة للكاتب العظيم الذي يؤسس بنماذجه حركة حية في حياة البشر، وردود أفعالهم. وتظل (إيما) بطلة مدام بوفاري نموذجا لافتا في هذا الإطار، لأنها بسلوكها الواقعي في إيمانها بما هو خيالي، وابتعادها عن المؤسس العرفي والأخلاقي، أزالت الخط الفاصل بين الواقعي والخيالي، وتولد لديها يقين كامل بذوبان الفواصل بين هذين القسيمين، فتحوّلت حياتها المملة إلى واقع مملوء باللذة والمعاني مثل حياة الأبطال الخياليين الرومانسيين، فبدت- ولم يظهر ذلك في تشكيل فلوبير لها مما يؤسس لخروج طبقة جديدة- امرأة تريد الشيء ونقيضه في الآن ذاته، والفن- أيا كان نوعه- أشبه بالطبقات المتراكمة التي تتوالد وتتداخل، لتبني توالدها وتداخلها في حوارها الممتدّ، وحركتها غير المنتهية مع طبقة أو طبقات مؤسسة سابقة، فالكتابة – على حد تعبير قصة دعابة الكاتب-كالذرة في ميكانيكا الكم، فحين يكون لها موقع تختفي حركتها، وحين يكون لها حركة يختفي موقعها.

عبد الله طاهر: «دعابة الكاتب»
دار شهريار، العراق، البصرة 2022
98 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية