في إطار ما يمكن تعريفة بالتوجه العام للمنتجين والمخرجين ومحاولة توظيف السينما لمواجهة الفكر المتطرف ومحاربة الإرهاب، تأتي أحياناً جُملة من أفلام المقاولات التجارية المصرية لتدخل ضمن سيمفونية العزف على وتر الفكرة ذاتها فتمثل تجسيداً للانقياد الساذج وراء الحالة السائدة كنوع من إثبات الوجود، لكنه في الحقيقة يكون الوجود الذي يشبه الغياب تماماً لأن المعالجات السطحية تُعطي المعنى العكسي لما هو مطلوب إثباته.
فيلم “دعدوش” محاولة من هذا النوع أو لنقل حالة درامية مُلفقة ليس المقصود بها صناعة فيلم كوميدي وإنما هو مجرد تطويع أرعن للصورة السينمائية التأثيرية تماشياً مع الموجة السائدة وهي طرح قضية الإرهاب في أي سياق وعلى أي جانب، فالفكرة التي اعتمد عليها المخرج عبد العزيز حشاد هي إدانة الإرهاب والسخرية منه، وارتكن في ذلك إلى ما ورد في السيناريو المهلهل الذي كتبة السيناريست الشاب ساهر الأسيوطي من نكات وافيهات جاءت على لسان الممثلين الجدد، هشام إسماعيل ومدحت تيخه وياسر الطوبجي وبيريهان حسن وأمير صلاح الدين وعمرو عبد العزيز ومحمد فاروق، وهم الذين وزعت عليهم الأدوار وانضموا لمعسكر التدريب والعنف ما بين أمير التنظيم الداعشي، ومساعديه وأتباعه ومن وقعوا تحت تأثيره وفي قبضة يده وفقاً للتكييف الدرامي للشخصيات والأدوار .
وقد عمل المخرج على إبراز ملمح السمع والطاعة كمعطى مهم من معطيات الانصياع والانقياد والتسليم، ليكون مقدمة لتنفيذ الأوامر من غير مناقشة أو جدال، وهو تأكيد من وجهة نظره على فراغ العقلية الإرهابية من أي مرجعيات فكرية أو ثقافية تؤهلها للتحاور والتشاور والاعتراض قبل الإذعان للأوامر الصادرة من الأمير والقائد وتنفيذ العمليات الإرهابية والإجرامية التي تمثل الخطر الداهم الذي هو جُل الموضوع الأساسي للفيلم.
ولو أننا سلمنا بالفكرة كنواة لعمل سينمائي يشتبك مع الظاهرة المهددة لأمن المجتمع وأمن المواطن فلابد من التأسيس الدرامي المقنع، بمعنى أن تكون هناك نقطة مركزية للصراع ينطلق منها كل من كاتب السيناريو والمخرج تتمثل قيما تتمثل، لكنها تكون مقنعه على مستوى التضمين والموضوعية وأسلوب المعالجة، لا أن يصبح اللجوء للكوميديا هو الوسيلة الوحيدة للاستسهال والخروج من مأزق العجز عن التعبير، باعتبار أن الكوميديا هي الغطاء غير المنطقي الذي يُمرر من خلاله كلاشيهات التخويف والترهيب وانطباع الصور الذهنية المسبقة دون النظر للأبعاد والمستويات والدلالات، وهي شروط مطلوب توافرها بالضرورة في أي عمل فني كي يؤتي ثماره ويكون مقنعاً سواء كان كوميديا أو تراجيديا أو حتى جنسا ثالثا لنوع سينمائي جديد.
وقد يصح للسينما أن تطرح وجهة نظرها فيما تراه مهماً وواجباً شريطة أن يكون طرحها ناضجاً ومسؤولاً ودالاً على الحقيقة بقدر الممكن والمتاح، لا أن تختلق حالة مشوشة فتُخرج القضية من سياقها الاجتماعي والسياسي والإنساني بادعاء الاضحاك وإضفاء الجو الساخر على واحدة من أخطر المشكلات السابقة والراهنة، وهي لا تعي أن لغة التسفيه والتسطيح تُعمق من الهوة المجتمعية وتهيف المشكلة في نظر الجمهور وتُفقد التوظيف الفني جديته ومصداقيته، فضلاً عن أن الإرهاب لن يُقضى عليه بالفكاهة. فالأمير الذي يجمع حوله المحظيات في المعسكر ويزوج نفسه كيف ما يشاء ويوزع الفائض من النساء على الأتباع ويأكل بنهم، ليس إلا رسماً كاريكاتيرياً لشخصية متخيلة على الورق أراد من رسمها أن يُضبب الرؤية ويخفي معالم الشخصية الحقيقية التي تخطط وتدبر وتواجه وتقود وتصنع الخطر، وهي تعمية مقصودة وفعل سلبي ضار بالحقيقة ومغيب للواقع.
“دعدوش” هو العنوان الهزلي للفيلم والمشتق من كلمة “داعش” المشيرة إلى التنظيم الإرهابي يمثل المفتتح الخطأ لملف الظاهرة ومن ثم يقود إلى نتائج مغلوطة وغير موضوعية، وبالقطع لا يُسفر عن نتائج أو تأثيرات إيجابية تصلنا بالمعنى المراد تبليغه، بل ما يصل حتماً هو المعنى المضاد، حيث الاستخفاف بالظاهرة وما ينجم عنها وما يحيط بها من غموض وملابسات، ذلك أن الوعي بالفكرة السينمائية وما أسست علية ليس كافياً ولا شافياً ولا وافياً، لا على مستوى الرؤية والمنظور ولا على مستوى الفرجة والتلهي، كما أوعزت لنا الحدوتة منتهية الصلاحية.