دعوات للمحاسبة: هل تتجاهل ألمانيا حقوق الإنسان في تعاونها مع تونس؟

حجم الخط
3

برلين ـ «القدس العربي» : كشفت مجلة “دير شبيجل” الألمانية، في تقرير مشترك مع “راديو بافاريا” ومنظمة Lighthouse Reports الإعلامية عن قضية أثارت جدلاً واسعًا في أوروبا. وفقًا للتحقيق، تتورط قوات الأمن التونسية، بما فيها الحرس الوطني، في التخلي عن المهاجرين في الصحراء الكبرى عند الحدود التونسية الليبية، حيث يواجهون ظروفًا قاسية للغاية في واحدة من أكثر المناطق عدائية على وجه الأرض. والأمر الأكثر خطورة هو أن الحرس الوطني التونسي هو ذاته الذي يتلقى دعمًا عسكريًا ولوجستيًا من الحكومة الألمانية منذ عام 2015. وقد وجّه النائب عن حزب الخضر، يوليان بالكه، انتقادات لاذعة إلى الحكومة، داعيًا وزيرة الداخلية نانسي فيزر إلى إنهاء التعاون مع الحرس الوطني التونسي “الوحشي”، واعتبر أن هناك حاجة ملحة لإجراء تحقيقات فعلية، مشيرًا إلى أن أي تواطؤ ألماني في هذه الانتهاكات يعتبر غير مقبول.
يشار إلى أن الاتفاقية التي وُقعت بين ألمانيا وتونس تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني للحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين من تونس باتجاه أوروبا، وجاءت في إطار مساعي الاتحاد الأوروبي للتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية. تنص الاتفاقية على تقديم دعم مادي وتقني من الحكومة الألمانية للحرس الوطني والشرطة الحدودية التونسية؛ وقد شمل هذا الدعم معدات متطورة مثل محركات قوارب، زوارق مطاطية، أجهزة رؤية ليلية، وشاحنات صغيرة.
لم تقتصر الانتقادات على ألمانيا وحدها، فقد أثار التحقيق أيضًا انتقادات حيال دور الاتحاد الأوروبي. خلال زيارة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تونس، وعدت الرئيس التونسي قيس سعيد بمساعدات مالية تجاوزت المليار يورو مقابل منع تدفق المهاجرين إلى أوروبا، وذلك في إطار سلسلة من الاتفاقات التي تُعرف بين الخبراء بأنها “مقايضة المال بمراقبة الهجرة”.
وكان المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفان هيبشترايت، قد أعرب في وقت سابق عن قلقه بشأن التقارير التي تشير إلى هذه الانتهاكات، مشددًا على أن الحكومة تأخذ هذه المزاعم على محمل الجد. وأكد أن على ألمانيا أن تتخذ التدابير اللازمة إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة. ورغم مرور نصف عام على هذه التصريحات، لم يصدر عن الحكومة الألمانية أي تحقيق واضح أو بيان يفسر الإجراءات التي اتخذت لمتابعة الموضوع.
غير أن الاتحاد الأوروبي لم ينشر بعد نتائج تقييم المخاطر التي أجراها حول الوضع في تونس رغم الانتقادات الموجهة إلى سياسات سعيد القمعية. من جهتها، انتقدت أمينة المظالم في الاتحاد الأوروبي، إميلي أورايلي، الاتحاد بسبب افتقاره إلى الشفافية ودعت إلى وضع معايير محددة لتقييم مدى توافق الأموال المقدمة مع القانون الأوروبي.
ورغم كشف التحقيقات، تشير الأدلة إلى استمرار عمليات التخلي عن المهاجرين في المنطقة الحدودية. حيث صرح مسؤول ليبي بأن المهاجرين ما زالوا يتعرضون للتخلي بشكل متكرر في الصحراء، بينما أفادت منظمة غير حكومية تعمل في ليبيا بأنها تتلقى تقارير أسبوعية عن مثل هذه الحالات. ورغم ذلك، غالبًا ما تفتقر هذه التقارير إلى أدلة قاطعة.
تعتبر هذه الحوادث جزءًا من ظاهرة واسعة تشمل عددًا من الدول في شمال أفريقيا، حيث تتعاون قوات الأمن المحلية مع شبكات تهريب البشر، وهو ما تم توثيقه سابقًا في ليبيا. وأشارت التحقيقات إلى أن بعض الشركاء الأمنيين في ليبيا يتلقون أموالًا من الاتحاد الأوروبي، بينما يتعاونون في الوقت ذاته مع المهربين. وفي تطور جديد في موريتانيا، تم اعتقال أحد عشر مسؤولًا أمنيًا بتهمة التعاون مع المهربين، حيث كان هؤلاء المسؤولون ضمن الوحدات التي تعتمد عليها إسبانيا للحد من تدفق المهاجرين إلى جزر الكناري.
وتشير التقارير المنشورة أنه ومنذ عام 2015، قدمت ألمانيا ما يزيد عن 30 مليون يورو لدعم هذه الوحدات التونسية، وشمل هذا الدعم أيضًا تدريبات مكثفة لعناصر الأمن التونسي، وذلك بهدف تعزيز قدراتهم في مراقبة الحدود ومنع تدفق المهاجرين نحو أوروبا. ورغم ذلك، فقد أثارت تقارير إعلامية عدة منظمات حقوقية مؤخراً، إذ نُشرت اتهامات تفيد بأن قوات الأمن التونسية قد تركت المهاجرين واللاجئين في ظروف قاسية داخل الصحراء الكبرى عند الحدود مع ليبيا.
كما تشير الاتفاقية إلى التزام تونس باستخدام الدعم فقط لأغراض مراقبة الحدود ووفقاً للمعايير الإنسانية. ومع ذلك، أعربت منظمات حقوقية ونواب في البرلمان الألماني عن قلقهم من أن هذا التعاون قد يشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان، إذا تم التأكد من صحة الاتهامات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية