بيروت ـ «القدس العربي»: يواصل مسرح شغل بيت فتح دفاتر الحياة، ناهلاً من تجارب الناس الحقيقية، ودروب حياتهم، سواء كانوا فيها مُسيّرين أم مُخيّرين. سيناريوهات جذّابة توضع على المسرح منبثقة من رحم الواقع. نصوص تتموضع فيها إشكاليات اجتماعية واقتصادية وطبقية وسلطة بطريركية، تحكي قصصاً موجعة، والمرأة هي الضحية الدائمة.
على مدى أسبوعين لعبت مسرحية «دفاتر لميا» على خشبة المونو بنجاح في هذا الموسم، بعد أن افتتحت في العام الماضي بستة عروض كاملة الحضور. إنها حكاية لميا الفتاة الصغيرة، التي لم تكن تعرف حين رافقها والدها إلى بيروت لتعمل خادمة وهي بعمر الـ13 سنة، أنها لن تخرج أبداً من هذا البيت، سوى إلى مثواها الأخير. وأن أحاسيسها ستتفتح في هذا المكان. وفيه ستفرح وستحزن. كما أنها ستحب للمرّة الأولى والأخيرة. ويبقى السر الذي رافقها في حياتها كامناً في الدفاتر التي وجدت بعد وفاتها؟؟
ليست الحكاية الشفّافة التي صاغها الكاتب ديمتري ملكي وأعدها للمسرح المخرج شادي الهبر، سوى قصة حقيقية معروفة اللحم والدم والحقوق الموؤدة. إنها لميا التي رسم والدها قدرها وهي برعم يتفتح. لم يكن لوالدتها رأي في مصيرها. وبالطبع لم يكن لها من العلم نصيب، فالذكور أوْلى بجنّة العلم. هكذا يرسم الأب مصير أولاده، الذكور للعلم والعمل، والفتيات للخدمة أو للزواج مُكرهات، ومن ثمّ معنّفات على أيدي أزواجهن. وتبقى الأم غائبة لا رأي لها ولا قرار، وكأنها وجدت للإنجاب وخدمة العائلة.
غياب رأي الأم التام يتماهى في هذا العرض مع المسلمات التي تؤمن بها لميا وتكررها. تنطق كلياً بمنطق ذكوري، تبرر لوالدها فعلته وتخترع له الأعذار، وتواصل قناعتها بجلد ذاتها.
ضمن ديكور بسيط وواقعي جرت أحداث «دفاتر لميا». نص تميز بالبساطة والسلاسة، وإخراج شد النظر والانتباه لحيويته. اختيار موفق للشخصيات بخاصة لميا. إنه المسرح الذي يضع المظالم التي طالما تكدّست على كاهل المرأة حتى نائت به وما تزال وجهاً لوجه أمام الجمهور. تعلمت لميا كتابة اسمها وحددت هويتها وأكدتها من تعبها وعرق جبينها قبل رحيلها.
مرّ العرض على حقبات ومراحل، أوجد حيثية إنسانية لما تضمّنه من أحداث، بدأ على أنغام العود، وخُتم بأغنية فيها ندب على عمر راح دون إرادة من صاحبته.
مع بطلة العرض الممثلة ريما حلبي هذا الحوار:
○ ما هي العناصر التي جذبتك إلى نص «دفاتر لميا»؟
•أحب المسرح بالإجمال والتمثيل يشكل حُلُم البدايات. وكأنثى وشرقية تحديداً أجد نفسي معنية بقضايا وشؤون وشجون المرأة، وهي كثيرة بالتأكيد في بلداننا. حكاية لميا خاطبت التهميش والظلم الذي لحق بالمرأة في مجتمعاتنا، ولا يزال يتواصل بأشكال ومناح مختلفة. لقد تزين الظلم بزينة التطور لكنه ما يزال موجوداً ومتحكماً. كذلك تتخطى قصة لميا المرأة المظلومة وقهر المجتمع لها، وقهر النظام الذكوري وإلغائه لوجودها وكيانها، لنبحث من خلالها عن الإنسان المهمّش والفقير والمقهور. فهذا الإنسان للأسف يظلم من هم تحت سلطته. فالظلم ليس من الغني على الفقير فقط، بل كذلك يفرضه الفقير على من هو أفقر منه. ويفرضه المهمش على من هو أكثر تهميشاً منه. ومن ظلمته السلطة وصار ضحيتها، سيظلم من هو تحت سلطته. حكاية لميا أيقظت كافة العناوين السابقة الذكر، وحكت عنها بلغة طبيعية وبسيطة جداً، متاحة للفهم ولكافة الأعمار. العناصر التي ذكرتها جميعها جذبتني لتمثيل «دفاتر لميا» فأنا أعشق النص الذي يحاكي كل الناس ويطال كافة الشرائح من مختلف الفئات والخلفيات الثقافية. نص «دفاتر لميا» تمتع بكافة تلك المقومات والقوة.
○ هل سبق وتنامت إليك حكايات من قريب أو بعيد تُشبه حكاية لميا؟
•كثيراً كثيراً. وحكاية لميا ليست فريدة، وليست نادرة. في الواقع أنه حصل في بعض القرى اللبنانية التي عانت من نير الفقر أن أرسلت بناتها إلى المدينة للعمل في منازل الميسورين. وشخصياً أعرف أربعاً من النساء يعشن هذه الحياة وحتى الآن. كذلك الممثل الذي أدى دور شادي وهو جميل الحلو، ما تزال قريبة له عاملة في أحد المنازل، وتشبه قصتها بحدود كبيرة قصة لميا. فيما دفاتر لميا هي القصة الحقيقية لعمّة المخرج شادي الهبر. لسنا حيال قصة فريدة، بل حيال حالة كانت ولا تزال موجودة في بلادنا.
○ هل ترين فيها قصة إمرأة ظُلمت وهُمشت من المهد إلى اللحد أم ثمة عناوين اخرى تُقرأ من خلالها؟
• من دون شك أن العنوان العريض لـ«دفاتر لميا» أنها إمرأة ظُلمت وسُلبت إرادتها في العيش، وحضن العائلة وعاطفتها وحمايتها وهي طفلة، وحق الفرح والتعاطي مع الآخرين. وحق التعلُّم والحب والأمومة، والأهم حق تقرير المصير من المهد إلى اللحد. لقد نُقلت إلى بيئة مغايرة لا تحكي لغتها، وليست ضمن سياق نُظمها التربوية. ويكمن تحت هذا الخط العريض من الطروحات طبقات من الظلم الذاتي، وكشف لكيفية تواطؤ الإنسان مع من يظلمه تماماً كما متلازمة ستوكهولم. فلميا التي حُرمت من الحب، نراها تغضب بشدة من حاجة الخادمة الجديدة للحب. وتصفها بقليلة الحياء. وفي مشهد آخر قالت لنفسها وهي تروي أحلامها «يحرق ديبك ما بتجيبي إلاّ صبيان جيبيلك بنت لآخرتك». لميا المرأة التي هُمّشت لا ترى للمرأة كياناً مستقلاً عن الخدمة. هكذا يتماهى المظلوم مع الحياة الظالمة ويعتبرها الطريق المثالي. حتى أن لميا ترى في العنف اللاحق بشقيقتها من زوجها «كف زغير من وقت للتاني مش مشكلة… ضرب الحبيب زبيب». وتبرر الظلم الذي لحق بها من والدها رغم حقدها عليه «شو طالع بإيدو هالمعتر 7 و8 تنفوس برقبتو…لو عندو نهر فلوس كان نشّف». فالمجتمع أقنعها بأن المرأة يجب أن تكون مطيعة، والوضع القائم يفرض عليها قبول ما يستجدّ على العائلة. انما بقي تمسكها بالبحث عن هويتها أقوى، وحُلُمها بالتعلُّم أكبر. سألت لميا لماذا تعلّم أخوتي الذكور «وما طلع من أمرن شي»؟ بالنهاية انتصرت في بحثها عن الهوية ورسّختها برمزية كتابتها لإسمها مراراً وتكراراً.
○ تمثيل القصص الحقيقية هل يختلف عن القصص المركبة؟
•طبعاً. القصص الواقعية تفرض الالتزام بالشخصية الحقيقية التي كُتب عنها، وليس لي خلق الكاراكتير الذي أقرره كممثلة. التزمت طريقة كلامها، فهي امرأة من الجبل ولها ما يؤكد انتماءها في النطق. وليس لي اللعب على حركة الجسد والتصرّف والتعبير. فجميع ما ذكرته هو سمات الشخصية الحقيقية، ووجدت ضرورة الأمانة لها. أما القصص المركبة تتيح للخيال أن يحلّق، ويسمح بتركيب الكاراكتير الذي نستنتجه من قراءة الشخصية والنص. لهذا نلمس الاختلاف في تمثيل الشخصيات المكتوبة من قبل كتّاب مسرح عالميين، بين ممثل وآخر. تلك الشخصيات تُقدّم بما ينسجم مع رؤية المخرج والممثل.
○ كون القصة تعني المخرج شادي الهبر هل اختلف حرصه عليها خلال التمارين؟
•أبداً. وهذا ما أقدره عالياً للمخرج شادي الهبر. حتى أنه لم يزودني بملاحظات كيف ستكون لميا. قال لتكن لميا كما ترينها أنت. حلّت عليّ لميا كما السحر، وكأني تقمّصت شخصيتها، ووافق عليه المخرج بالكامل. والغريب حين شاهدت قريبة لميا العرض ضمتني بعده وسألتني «كيف عرفت أنو لميا هيك بتحكي»؟
○ شخصية لميا صعبة أم بسيطة برأيك؟
•إنها شخصية بسيطة وواضحة. لكنّ الصعب يكمن في تعدد المراحل العمرية للشخصية. ففي لحظة كنت الشبح، ثمّ أعود الطلفة، ومن ثم المُسنّة، والمريضة على فراش الموت، أو المراهقة العاشقة، أو الغاضبة الحاقدة على من أحتلّت مكاني في العمل، وأردت حرمانها من حق الحب تماماً كما حدث مع لميا. تضمّنت الشخصية صعوداً وهبوطاً بالمشاعر وهنا تكمن صعوبة الدور. لقد فرض عليّ الإنتقال السريع كما الموج لأتمكن في اقل من ساعة من سرد قصة لميا، من خلال المشاعر والأحاسيس لكافة المراحل العمرية التي مرّت بها والأحداث التي تخللتها.
○ لنحكي عن ريما الحلبي وصلتها بالتمثيل. كيف وجدت نفسك على خشبة المسرح؟
•عشقت التمثيل منذ الطفولة، وكنت على مسرح المدرسة في كافة الحفلات. عندما حان زمن الجامعة رفض والدي اختصاص المسرح. فأنا ابنة قرية وفي المقياس السائد أن التمثيل غير مقبول اجتماعياً، إلى جانب كونها مهنة لا تُطعم خبزاً. التزمت بأوامر والدي، وإرضاء له درست الرياضيات في الجامعة الأمريكية، نلت الإجازة ومن ثمّ الماجستير، وبدأت التعليم. إنما حُلُم التمثيل لم يفارقني يوماً. حتى أني أعطي دروس الرياضيات بأسلوب مسرحي وخاصة حين أحكي عن النظريات الرياضية، وأضيف إليها قليلا من الملح والبهار لترسيخ المفاهيم في عقول تلامذتي. عندما دخلت عمر الـ45 أصابني إحباط نفسي. أعرف أني نجحت كمُدرّسة، وأني أرضيت مجتمعي بكل ما يريده. إنما سألت: أنا أين؟
○ ورداً على السؤال هل شكّل التمثيل علاجاً؟
•حقق التمثيل حُلُمي، وكانت الخطوة مباركة بسهولة كبيرة. لم يصل الإحباط للحالة المرضية بل كان احساساً بالقهر على حُلم لم يتحقق. تباركت الخطوة حين تعرّفت إلى مسرح شغل بيت حيث تدربت، وحققت حُلُمي بالتمثيل في أربع مسرحيات، وشاركت في أكثر من مسلسل تلفزيوني، وكذلك فيلم سينمائي طويل.
○ وماذا عن الفيلم الطويل؟
•فيلم مع المخرج يوليوس هاشم عن قصة القديس منصور عنوانه «همسة من السما». أديته مع القدير جهاد الأطرش، وعُرض أكثر من مرّة على شاشة «أل بي سي» بمناسبة الفصح المجيد.
○ كيف تلقى المحيطون بك عزمك على التمثيل وهل اعترض أحدهم؟
•تضحك وتقول: بت بعمر يسمح لي بتقرير مصيري. وجدت الدعم الكبير من زوجي وبناتي. زوجي يحب المسرح ويحب أن أحقق أحلامي. في حين استغربت والدتي أن أبدأ التمثيل «بعد هالعمر» لكنها فرحت كثيراً لأني أحقق حُلُمي. إنما وضعها لم يسمح لها بمشاهدتي على المسرح، لكن الفيديو أعجبها.
○ وماذا كانت ردة فعلها على ما شاهدته؟
•بكت لقصة لميا، وباركت كوني أمثّل على المسرح قضية اجتماعية.
○ هل ستكتبين نصاً؟
•أكتب الخواطر، ولا أجرؤ على الكتابة المسرحية. لست كاتبة ولن أخاطر بما لا أعرفه. إنما ذائقتي عالية فيما خص النصوص المسرحية. ولا أظنني سأكتب المسرح يوماً.
○ أين يشبه المسرح الرياضيات؟
•لا شبه واضحا بينهما. إنما كل ما يخص الإنسان نستطيع أن نُمسرحه. فقد سبق وقلت لك أني أعلِّم الرياضيات بطريقة مسرحية. مثلاً حين أشرح نظرية فيتاغوروس أو طاليس أو الخوارزمي أمتشق شخصياتهم. أمثّل دورهم أثناء تحليل وبرهان نظريتهم. يتفاعل معي التلامذة، ويتابعونني وكأنني حكواتية.
تصوير: كريس غفري