بيروت ـ «القدس العربي»:
أسماء مؤثرة في عالم البحث في الموسيقى العربية اجتمعت في بيروت، في بينالي نظّمته مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربية ـ أمار بعنوان «الأغاني الساخرة».
الإصدار السمعي والبحثي الذي اُنجز بالتعاون مع باحثين مختصين بتأريخ الشأن الاجتماعي والثقافي والفني، أضاء بالتفصيل على الحضور البالغ الأهمية لـ«الأغنيات الساخرة» في بلاد الشام في المرحلة الممتدة بين 1920 و1950. وركز على مدى تعبيرها عن واقع المجتمع بكل فئاته، وعن النضال السياسي الرافض للاستعمار.
أغنيات ساخرة قسّمتها تلك الدراسة إلى خمس فئات هي: أغاني الواقع المعيشي، وأغاني النضال والهويات، والتأثيرات الثقافية والتمدّن، وأغاني الحب والعائلة، والأغاني الساخرة والمرأة. وهي ولدت في مرحلة الاستعمار التي عاشها مشرق العالم العربي، ومغربة، وعبّرت عن التوق إلى الحرية، وأعلنت التمرد على ما كان سائداً، وانتقدت بشكل لاذع بعض فئات الشعب التي كانت تتماهى مع الاستعمار سياسياً واجتماعياً.
في شرقنا العربي حيث لا نزال نعيش تداعيات ذاك الاستعمار، وخاصة تقسيماته المفخخة لبلداننا، وزرعه لكيان غريب في أرضنا، اخترنا حواراً مع ثلاثة من أهل الاختصاص في البحث الموسيقي، لنسألهم عن دور الأغنية الساخرة في حاضرنا؟ وعن دور موسيقى الراب كفن تعبير معاصر جذب فئة الشباب. هنا التحقيق:
الدكتور عبد القادر بن دعماش: الأغنية الساخرة بكلماتها الصحيحة تدخل القلوب
تعريفاً بالدكتور عبد القادر بن دعماش فهو باحث في الموسيقى، ومحاضر في «التراث اللامادي» وأحد مراجع الأغنية الشعبية الجزائرية. له العديد من المؤلفات والأبحاث والأنشطة بما فيها المهرجانات حول الموسيقى الجزائرية.
نسأله عن حضور الأغنية الساخرة خلال حرب التحرير الجزائرية؟ يقول: حاول عدد من الفنانين الجزائريين خلال مرحلة الاستعمار أداء الأغنية الساخرة، التي تهجو الاستعمار وممارساته. كان هناك مطربون كبار يلحنون ويكتبون أغنيات تهجو الاستعمار، والآفات الاجتماعية الناجمة من وجوده. وكذلك كان هناك مطربون معروفون لديهم شهرتهم الواسعة، عالجوا موضوعات كثيرة وبعضها يُعتبر خطيراً. وهؤلاء المؤدون كان لابد أن يتحلّوا بالشجاعة، ليتمكنوا من قول ما يريدون، ومن خلال أغنية تنتقد الاستعمار، وممارساته خاصة خلال الثورة التحريرية. وبعد الاستقلال تابع عدد من الفنانين دورهم كمحامين ينقلون هواجس المجتمع. خلال الاستعمار على سبيل المثال لا الحصر قال المطرب الكبير سليمان بالأمازيغية «أخرجو من بلادي.. ويش تعملو في بلادي». وتطرّق إلى هذا الموضوع مطربون آخرون.
○ غناء الراب بات له حضوره في التعبير الفني الاجتماعي والسياسي فماذا عنه في الجزائر الآن؟
• نعم هو موجود بأصوات العديد من الفنانين، ومنهم من يتعرّض للسجن. قبل ذلك نذكر سنة 1964 أي بعد الاستقلال بزمن قصير، انتقد أحد الفنانين النظام السياسي فكان نصيبه السجن، لكن رئيس الجمهورية حينها تدخّل وتمّ الإفراج عنه.
○ الأغنية الساخرة من الاستعمار في الجزائر كانت بالعربية أم الفرنسية؟
• بالعربية على الدوام، والأمازيغية. فكل مؤد كان يتعامل مع الناس باللغة التي يفهمونها.
○ ما هو رأيك بالأغنية الساخرة في بلاد الشام؟
• أعرفها بصفة عامة. الأغنية الساخرة في بلاد الشام أو في بلاد المغرب العربي قائمة على وجود حاكم وناقد، وهذا المؤدي سيكون دائماً في خطر.
○ كأستاذ وباحث كيف تنظر إلى الأغنية الساخرة حالياً وكم نحتاجها خاصة مع الواقع المأساوي الذي نعيشه كعرب؟
• لست مطّلعاً على الأغنية الساخرة عربياً، إنما في الجزائر الأغنية الساخرة موجودة في كل زمان وفي كل مرحلة تاريخية. حالياً في الجزائر مطرب كبير هو بعزيز، يتناول في ما يؤديه من غناء المتطرفين الإسلاميين وبصراحة، ومباشرة وتحدي. كما يتحدى في أغنياته النظام الحاكم، وهو يكتب الكلمة الصحيحة التي تدخل قلوب الناس مباشرة. بعزيز مثال وغيره كثيرون في الجزائر.
الدكتور طارق عبدالله: الأغنية الساخرة وسيلة مقاومة
الدكتور طارق عبدالله باحث مصري متخصص في آلة العود وخاصة فن العود المصري خلال عصر النهضة. يقيم ويعمل في مدينة مارسيليا منذ سنة 2001.
○ أين يقع مؤتمر أو بينالي خاص بحثاً في الأغنية الساخرة في لحظتنا العربية الحاضرة؟
• ترافق الأغنية الساخرة المجتمعات جميعها. وتمثل إحدى الوسائل للتخفيف من ظروف الحياة الصعبة. كما أنها وسيلة مقاومة بوجه نظام ما، حيث يلجأ الفنانون إلى هذا النوع من الغناء للتعبير عن الغضب الذي يأخذ أشكالاً متعددة. تعتمد تلك الأغنية التورية وعدم المباشرة في التعبير. إذاً فكرة الغناء الاحتجاجي تدخل في إطار الغناء الساخر. وبالتأكيد تختلف السخرية عن الهجاء، وثمة أغنية من النوع الساخر لا تحتوي على تقريظ، بل تتضمن مطالب ما. وهدف هذا الغناء تغيير واقع، وبالتالي وجوده مهم جداً، لكنه قد يتسبب ببعض الأضرار لأسباب ثقافية واجتماعية معينة. يمكننا القول حالياً وكأن النار تحت الرماد، وقد نشهد عودة نَشِطة لهذا النوع من الغناء، فهو موجودة بالتأكيد حيث قرأت مقالات كُتبت حوله، منها كتاب عن غناء سيد درويش ومفهوم الذكورية، وفيها يحمل الكلام يحمل نوعاً من السخرية. فالغناء الساخر يحتاج للفكاهة وخفة دم، وكذلك الحضور، وأداؤه يختلف عن أداء الغناء الكلاسيكي. وكذلك للأغاني الاحتجاجية شكل في الأداء، تشبه تلك التي يؤديها الشيخ إمام. بالاستماع إلى أغنياته نلمس كم هي حماسية، إضافة إلى تميز أدائه بالعاطفة. وفي المرحلة الأخيرة ازدهرت الأغنية الساخرة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وقد زاد اهتمام الشباب بهذا النوع من الغناء، لكونه مرتبطا بالظرف الآني الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه.
ويضيف: ثمة أنماط موسيقية متنوعة تعبر أو تواكب حركة الشعوب ونضالاتها وخاصة في فلسطين. وثمة ألحان كثيرة واكبت وتواكب النضال الفلسطيني، وهي تأخذ طابع الأناشيد. وكذلك في لبنان ظهرت أغنيات كثيرة ملهمة أذكر منها أغنية «عصفور طل من الشبّاك» لمرسيل خليفة. ومن المهم الذكر أن التجربة اللبنانية في الغناء الاحتجاجي والوطني مرتبطة بزياد الرحباني، وتجربته تخطت حدود لبنان إلى الوطن العربي الذي رحّب بفنه وأغنياته وأحبها. كما شكّل فنه رسالة تحفيز خاصة أعماله المسرحية للآخرين، وعمل مشهور للفنان علي الحجار بالتعاون مع جمال بخيت، شكل ما يشبه الاستكمال لعمل زياد الرحباني الشهير «أنا مش كافر».
○ كيف تقرأ في فن الراب وكم ترى من خلال كلماته الخطاب الساخر أو الهاجي؟
• يعبر الراب عن ظرف اجتماعي وعن مطالب الناس. وهو بدأ ينفتح على مواضيع عديدة، لكني لست متابعاً جيداً لهذا الفن للأسف.
أكرم الريس: الأغنية الساخرة تنال من صورة المتسلط وتكسر هيبته
من مؤسسي مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية أمار وعضو مجلس إدارتها. باحث في علم موسيقى الشعوب والتراث الثقافي، يهتم بالموسيقى والمسرح في بلاد الشام، وله عدّة مؤلفات. سألناه: ماذا عن دور وأهمية البينالي الذي نظمته أمار في مرحلتنا الحاضرة غير السارة؟
• البينالي هو اهتمام بالذاكرة وبالإرث الثقافي. ومن هذا المنطلق التراكم الذي حدث خلال القرن الماضي في نمط الأعمال التي تقع في خانة الأغنية الساخرة سواء كانت اجتماعية أو سياسية كان مؤثراً. وهو عبّر عن ظروف مرّت بها بلادنا في القرن الماضي من انتداب واحتلال، وتالياً ما مرت به تلك البلدان بعد الاستقلال خاصة احتلال فلسطين وتشريد شعبها. إذاً هي تداعيات مستمرة بشكل أو بآخر حتى يومنا. والإبادة القائمة ليست متمثّلة فقط بالإبادات الجسدية للبشر، هي كذلك إبادة للذاكرة والأمكنة. وهذا التوسع والتوحش في الإبادة يُعرّض للخطر البشر وكامل إنتاجهم الإنساني والثقافي على مختلف المستويات. في الأهداف فهذا البينالي أخذ على عاتقه الإضاءة على هذا الإرث والسعي للمساهمة بحدود امكاناته، والاهتمام بحفظه، وبتشجيع الآخرين على العمل والاهتمام بحفظه كذلك.
○ في تاريخنا الثقافي الموسيقي هجونا وسخرنا منذ سيد درويس، إلى عمر الزعني وزياد الرحباني وآخرين. ماذا بعد هذه السخرية؟
• تُشكّل السخرية أحد سبل التعاون مع واقع صعب، كما أنها أحد سبل المشاركة في صراع مُعين. وهي أسلوب للنيل من صورة متسلط أو مستعمر أو محتل وكسر هيبته. وفي الوقت نفسه هذا الهجاء يشكّل نوعاً من أنواع شحذ الهمم، والنهوض بوجه الظلم الذي يواجههم. هذا النوع من الغناء الساخر أو الهجائي يستمر باستمرار الظروف التي أفرزته. ما أراه مهماً هو استمرار هذا النوع من الفن، وتوجهه نحو مزيد من الإبداع مستنداً إلى الإرث الذي سبقه. وهذا بالطبع يعتمد على الفنانين أنفسهم وعلى البيئة التي يعيشون فيها، خاصة وأن الظروف التي نعيشها تتجه نحو مزيد من الاستفحال، وفي الوقت عينه تعيش مجتمعاتنا تطرفاً أكثر، وعلمانية أقل، وهذا ما يُشكّل تحديات إضافية. فاستمرار هذا النوع من الغناء في ظروف مماثلة يُشكّل خطراً على حياة الفنانين، وكذلك على الشعراء والأدباء.