على غير العادة، لم تف معارك ختام دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، بكامل وعودها. بدأت بليلة بيضاء بلون الحليب، بسيطرة أسوأ نتيجة في العالم على سهرتي الثلاثاء بين ليفربول وبايرن ميونخ، والأخرى التي جمعت برشلونة بمُضيفه الفرنسي ليون على ملعبه، قبل أن يتنفس عشاق كرة القدم الحقيقية الصعداء نوعا ما، في اليوم التالي، بمباراتين أكثر إمتاعا، وعلى الأقل أكثر غزارة تهديفية، بمشاهدة 7 أهداف، منهم 5 في أعظم ريمونتادا إنكليزية في التاريخ، والتي كان بطلها بيب غوارديولا وكتيبته مانشستر سيتي، بقلب الطاولة على شالكه في عقر داره، بعشرة لاعبين بعد طرد المدافع الأرجنتيني نيكولا أوتامندي في منتصف الشوط الثاني، في المقابل شهد ملعب “واندا متروبوليتانو” هدفي قلب دفاع أصحاب الأرض أتليتكو مدريد خيمينيز ودييغو غودين في مرمى الضيف الايطالي يوفنتوس.
ماذا حدث في أنفيلد روود؟
اعتقد الجميع أن موقعة عملاق الميرسيسايد بخصمه الألماني العنيد، ستكون عامرة بالأهداف، أو على أقل تقدير لن تنتهي على نتيجة البياض، لكن على أرض الواقع، شاهدنا واحدة من المباريات القبيحة بالنسبة لعشاق المتعة والإثارة، والعكس بالنسبة لملوك التكتيك، وإذا أردنا إلقاء الضوء عن كثب على الأسباب التي أدت في النهاية لتأجيل الحسم لموقعة الإياب التي سيستضيفها ملعب “آليانز آرينا” منتصف الشهر المُقبل، سنُلاحظ أن المدرب الكرواتي نيكو كوفايتش، توقع سيناريو المباراة بشكل جيد، والأهم أنه توقع إفراط نظيره في الريدز يورغن كلوب، في الاعتماد على ثلاثي الهجوم روبيرتو فيرمينو، محمد صلاح وساديو ماني، وهو ما حدث بشكل كربوني، فرغم نجاح مدرب البايرن في تضييق الخناق على ثلاثي هجوم ليفربول، بوضع صلاح بالذات تحت رقابة ثلاثية مكونة من دافيد آلابا، ماتس هوملز –الذي قدم ربما أفضل مباراة له مع البايرن- وخافيير مارتينيز، كرأس مثلث يقوم بنفس الدور في الجهة اليمنى مع كيميتش وتياجو ألكانتارا، لغلق المساحات أمام أسد التيرانجا، مع ذلك، ظل كلوب ينتظر الحل من هذا الثلاثي، في ليلة كان الفريق في أشد الحاجة لتدخله، أو بالأحرى جرأته، لحل أزمة حلقة الوصل المفقودة بين ثلاثي الهجوم وثلاثي الوسط، بالكثرة العددية، التي لعب بها الفريق الألماني، والتي وصلت لحد، عودة روبرت ليفاندوفسكي على الدائرة، ليكون حائط الدفاع الأول من المنتصف، وما صعب الحياة أكثر على النادي الإنكليزي العريق، الحالة “التحفظية” التي كان عليها ثلاثي الوسط بالتحديد نابي كيتا، جوردان هيندرسون وفينالدوم، وتجلى ذلك في طريقتهم “الكلاسيكية”، بتسليم الكرة من قدم لقدم، وأغلبها تمريرات بالعرض، لو استمرت 10 سنوات، لن تُشكل أدنى خطورة على فريق منظم ومنضبط ككبير المانشافت، حتى لو كان في أسوأ حالاته، الشاهد، أنهم نّحو خيار المغامرة بالتمرير الدقيق والبحث عن الابتكار عموما جانبا، والسبب؟ الخوف والذعر من العواقب الوخيمة من المرتدات، لعدم وجود صخرة الدفاع فيرجيل فان دايك ومعاونه الأول ديان لوفرين، بداعي الإيقاف بالنسبة للأول والإصابة للثاني.
بالطبع يعرف كل لاعب أن تمريرة خاطئة أمام مواهب بحجم خاميس رودريغيز، ليفاندوفسكي، ألكنتارا والبقية، كفيلة بالقضاء على فرص الفريق في الترشح للدور القادم، قبل التفكير في رحلة “بافاريا”، لذا، غلب على أدائهم، الشكل والصبغة الكلاسيكية البحتة التي أشرنا إليها، أضف إلى ذلك، أن حيلة كلوب التي تنطلي على جُل منافسه في بلاد الضباب، بالضغط العالي على الخصم من الثلث الأخير من الملعب، لاستغلال مشاكل التمرير التي تواجه معظم حراس ومدافعي أندية الدوري الإنكليزي الممتاز، والتي ينجح من خلالها الفريق عادة في استرجاع الكرة من منتصف الخصم. هذه الحيلة، كانت أشبه بالحصة التدريبية للفريق البافاري، الذي يملك حارس مرمى كمانويل نوير، بدون مبالغة، لديه القدرة على مداعبة الكرة والتمرير، ربما أفضل من كثير من لاعبي الوسط في أندية كبرى، بجانب هوملز والبقية المُعتادين على مواجهة منافسين يلعبون بنفس الطريقة في البوندسليغا، هذا بجانب، حالة “الرضا” التي سيطرت على كلوب، أو ربما خوفه من هاجس استقبال هدف في غياب قلبي الدفاع الأساسيين، والتي تجلت في تغييراته التقليدية، باستبدال فيرمينو (المُصاب بفيروس الانفلونزا) بالمهاجم ديريك أوريجي ونابي كيتا بجيمس ميلنر، كل ما في الأمر أنه أشرك لاعب مكان لاعب في نفس مركزه، رغم أن بجانبه لاعب مثل شيردان شاكيري، كان بإمكانه حل معضلة حلقة الوصل الغائبة بين الوسط والهجوم، بذكائه في التحرك بين الخطوط، ومهارته في المراوغة في موقف لاعب ضد لاعب، ومن ثم ضرب الدفاع بتمريرة في العمق أو على الطرف لواحد من عدائين الهجوم، حتى حركته وخفته في حد ذاته، تخف الضغط ولو قليلا على صلاح أو ماني، وهو الدور الذي يفتقده الفريق منذ تعرض أليكس تشامبرلين لإصابة مُزعجة في الركبة، لو عُدنا بالذاكرة إلى الوراء في مثل هذه السهرات، كان صلاح وماني وفيرمينو يُبدعون بدعم ومد من الجندي المجهول تشامبرلين، نفس حالة “الرضا”، سيطرت كذلك على المدرب الكرواتي، بالإصرار على أسلوبه الدفاعي البحت للدقائق الأخيرة، التي استغلها لإهدار وإضاعة الوقت في التغييرات الثلاث المشروعة، أما ماذا سيحدث في “آليانز آرينا”، فهذا سيناريو لا يستطيع نجيب محفوظ تخيله أو توقعه، بالطبع كل الاحتمالات واردة، بالنسبة للبايرن، فقد تخلص قليلا من مشاكل تقليص فارق النقاط مع متصدر الدوري المحلي بوروسيا دورتموند، فيما بدأ صلاح ورفاقه يشعرون بالقلق على حِلم استعادة اللقب الغائب عن “أنفيلد روود” منذ تغير نظام ومُسمى الدوري مطلع تسعينات القرن الماضي، ما يعني أن وضع كل فريق والحالة المزاجية والنفسية للاعبي كلا الفريقين قبل المباراة، سيكون لها دور كبير في حسم تذكرة التواجد مع الثمانية الكبار في مباراة قابلة لكل الاحتمالات بفرص ونسبة تصل 50% لـ 50% لكل فريق.
الصمود الفرنسي
حافظ فريق ليون الفرنسي على صموده بسجله الخالي من الهزائم على مستوى دوري أبطال أوروبا، بفضل الدفعة المعنوية الهائلة التي تحصل عليها الفريق بعد الفوز على باريس سان جيرمان في آخر اختبار بين العملاقين الفرنسيين قبل مباراتهما في الأبطال، والتي أسفرت عن تعادل سلبي بطعم الانتصار أمام برشلونة في حضرة البرغوث ليو ميسي، الذي لم يجد من يعاونه على فك طلاسم الدفاع الفرنسي وحارسه أنطوني لوبيز، الذي قدم مباراة لا تُنسى، ويُحسب لمدرب ليون جينيسو برونو، أنه تغلب على ورطة غياب نبيل فقير، بالدفع بالهولندي ممفيس ديباي في مركز اللاعب رقم (10)، ليؤدي المهمة على أكمل وجه، هذا في الوقت، الذي نجح فيه رباعي الوسط في عزل ديمبلي وميسي عن بقية الفريق، بجانب لويس سواريز، الذي أثبت مرة أخرى، أنه لا يُجيد أبد في مباريات برشلونة التي يخوضها خارج القواعد، بفشله في التسجيل خارج “كامب نو” منذ مباراة روما في نسخة 2015-2016، وهذا يعكس ويُلخص حجم المأساة التي يعيشها ليو ميسي، الذي بالكاد يتحمل بمفرده كل أعباء الهجوم في المباريات الخارجية، وكأنه مطلوب منه أن يفعل كل شيء بمفرده في كل مباراة! وهذا ما حذرنا منه في وقت سابق، وهو عدم وجود داعم حقيقي لميسي في الاختبارات الصعبة، أو بمعنى أدق، لاعب آخر مثل نيمار، من الممكن الاعتماد عليه كحل بديل عندما لا يكون ليو في أفضل حالاته، أو غير موفق، ورغم مشاركة عثمان ديمبلي، لويس سواريز وفيليب كوتينيو في الشوط الثاني، إلا أنهم لم يُقدموا أي إضافة أو لمسة حقيقية في الثلث الأخير من الملعب، هذا بجانب تأثر الفريق بغياب آرثر، وتجلى ذلك، في وصول نسبة الاستحواذ لـ63%، لكن دون فعالية حقيقية، لنفس المشكلة التي عانى منها ليفربول أمام بايرن ميونخ، وهي غياب لاعب الوسط الذي يملك لمسة إبداعية في الثلث الأخير من الملعب، عموما. المباراة قرعت أجراس الخطر على ميسي وحلمه باستعادة كأس دوري الأبطال، لوضع حد للحرج الذي صدره الريال للكيان الكاتلوني بأكمله، بسيطرته (الريال) على الكـأس في آخر 3 سنوات، توسيع فارق عدد مرات معانقة الأميرة الأوروبية، بواقع 13 مقابل 5، وهو اعترف به ميسي بشكل واضح وصريح أكثر من مرة هذا الموسم.
انتصارات متتالية
يكفي التفاوت المُفزع بين أداء ونتائج وإحصائية الفريق في أول بداية الحملة الأوروبية، ببداية مُشرقة أسفرت عن 3 انتصارات متتالية، مُدعمة بـ10 أهداف مقابل استقبال هدفين فقط، بعدها انخفض الأداء والنتائج، بانتصار وحيد وتعادلين، والأسوأ من ذلك، سجل خلالها الفريق 4 أهداف، قبل أن يأتي موعد اختبار ليون، الذي يُعتبر أشبه بالاختبار البسيط، مقارنة بالاختبارات المُحتملة في الدور ربع النهائي، وعدم تسجيل هدف في منافس مثل ليون، يضع علامات استفهام بالجملة ويطرح كذلك أسئلة من نوعية .. إذا كان فشل في هز شباك ليون خارج الملعب فماذا سيفعل أمام باريس، السيتي، بايرن أو أي منافس آخر أكثر قوة وجودة من ليون؟ تقريبا نفس السيناريو المُرعب الذي تسبب في خروج الفريق من نسخة العام الماضي، عندما توقف مخزون ليو في “الأولمبيكو” في ليلة الريمونتادا الشهيرة، لكن هذا لا يمنع أن مباراة الإياب لن تكون سهلة، دعك من عودة نجم ليون الأول نبيل فقير، فهذا الفريق، سبق له أن أحرج بيب غوارديولا ورجاله في قلب “الاتحاد” بالفوز عليهم بنتيجة 2-1 في افتتاح دوري المجموعات، كما أن كل المؤشرات والنتائج والتجارب، تؤكد أن ليون يسير على خطى موناكو في نسخة 2016-2017، عندما فاجأ الجميع بوصوله للدور نصف النهائي، وبطبيعة الحال، إذا ظهر سواريز، كوتينيو والبقية بنفس المستوى والصورة السلبية التي كانوا عليها في مباراة الذهاب، ففي الغالب، سيواجه ليو صعوبة بالغة لافتكاك بطاقة العبور للدور ربع النهائي، وهذا سيتوقف على ردة فعل اللاعبين في مباراة منتصف الشهر القادم، ومصير ومستقبل البرسا بوجه عام في البطولة، سيتوقف على مدى تَحسن النتائج في المباريات الخارجية، وظهور مُلهم أو مساعد لليو بدلا من سواريز الذي تجاوز الـ24 ساعة بدون هدف أو تمريرة حاسمة في البطولة التي وصفها هداف الفريق والليغا التاريخي بـ “اللقب الأهم هذا الموسم”.
الإعصار السماوي وبطل من ورق
بعث الفيلسوف الكاتلوني بيب غوارديولا رسالة مُخيفة لكل كبار أوروبا، بعودة مُذهلة خارج القواعد أمام شالكه، في مباراة أظهرت المعدن الحقيقي للفريق السماوي، الذي لم يتأثر بتأخره بهدفين بالمجان من علامات الجزاء، على عكس أحداث سير المباراة في شوطها الأول، والأغرب من ذلك، أن الفريق لم يتأثر كذلك بطرد نيكولا أوتامندي، بعد حصوله على بطاقة صفراء في منتصف الشوط الثاني، والنتيجة آنذاك 2-1، على الفور، رفض البكاء على اللبن المسكوب، بإجراء تبديلين دفعة واحدة لحل معضلة النقص العددي، بإشراك القائد فينسنت كومباني والجناح الشاب الألماني ليوري ساني على حساب دافيد سيلفا وسيرخيو أغويرو، ليقلب الطاولة على أصحاب الأرض، بهدفين في آخر 10 دقائق، ليضمن التأهل للدور القادم بنسبة تزيد عن 90%، ولا تنسى عزيزي القارئ، أن باستمرار السيتي في البطولة الأوروبية، سيبقى من القلائل المنافسين على 4 جبهات، على الأقل حتى هذا اليوم –الأحد-، حيث سيخوض أول نهائي ضد تشيلسي لتحديد هوية بطل كأس الرابطة، مع استمراره في أعرق كؤوس العالم –كأس الاتحاد الإنكليزي- واستمراره كذلك في قمة المنافسة على لقب البريميرليغ مع ليفربول، عكس يوفنتوس، الذي كان في بداية الموسم، مُرشحا فوق العادة لتكرار ثلاثية الإنتر التاريخية مع مورينيو عام 2010، وذلك بعد قدوم ماكينة الأهداف البرتغالية كريستيانو رونالدو، لكن مع الوقت، بدأت تتضح ملامح معاناة ماسيميليانو أليغري، بسلسلة من الانتصارات “الخادعة” على مستوى جنة كرة القدم، مثل الانتصار “المُسكن” الذي جاء على حساب لاتسيو بخبرة رونالدو في تنفيذ ركلة جزاء، وغيرها من المباريات، التي أعطاها المدرب أكثر من حجمها الطبيعي، دون أن يكترث للعواقب المتوقعة من الإفراط في الاعتماد على كريستيانو رونالدو، في مباريات لا قيمة لها بمعنى الكلمة، أمام هدفه وحِلم الجماهير بفك عقدة كأس دوري الأبطال، الغائبة منذ منتصف التسعينات، والتي خسرها الفريق 5 مرات منذ ذلك الحين، وشاهدنا كم المشاكل التي واجهها قلبي الدفاع ليوناردو بونوتشي وجورجيو كيليني لوقف خطورة “الهجام” دييغو كوستا، الذي تفوق على نفسه في هذه المباراة، تقريبا كانت مباراة كربونية من ليلة الانحناء أمام أتلانتا بثلاثية دون رد، يوم الخروج من أولى بطولات هذا الموسم –كوبا إيطاليا-، والشيء المُحير فعلا، ويُثبت أن دييغو سيميوني “سّير” المباراة كما أراد، وتفوق على أليغري تكتيكيا، هو إصراره على ترك الكرة للاعبي اليوفي، ليفعلوا فيها ما يُريدون، لكن دون الاقتراب من مرمى الحارس يان أوبلاك، باستثناء الصحوة المتأخرة بعد الهدفين، التي أسفرت عن فرصتين في الوقت المحتسب بدل من الضائع، وهذا ما ساعد الأتليتي على تحقيق هدفه من المباراة، بتصدير كل معاني الذعر لقلبي دفاع البيانكونيري، بالاعتماد على فارق السرعات بينهم وبين مهاجمي الهنود الحمر، والأهم، استغلال سلاح الكرات الثابتة، التي جاء منها هدفي قلبي الدفاع خيمينيز ودييغو غودين، ليكشف كل مساوئ وعيوب سلطان الكرة الايطالية، ويضعه على حافة الخروج المُبكر من البطولة، بعدما كان أقوى وأبرز المُرشحين لإنهاء هيمنة إسبانيا على اللقب في السنوات الخمس الأخيرة، بواقع 4 ملكية ولقب كاتلوني، والسؤال الآن.. هل سيستمر اليوفي في تأدية دور الفريق المنافس على الورق فقط؟ أم سيُكشر عن أنيابه في موقعة الإياب؟ الإجابة تبدو صعبة، والأصعب حقا أن تُسجل أكثر من هدفين في فريق يقوده من خارج الخطوط داهية كدييغو سيميوني، يُجيد التعامل مع مثل هذه المعارك، إلا إذا كان لرونالدو ورفاقه رأي آخر. عموما دعونا ننتظر ماذا سيحدث في جولة الإياب الشهر المُقبل.