دولتنا الراعية: مسامير في الهواء

يتطارح التونسيّون اليوم، وقد ضاق عليهم معاشهم، وما آلوا إليه من فقر وسوء حال؛ مشاكلهم الاجتماعيّة وضائقتهم الاقتصاديّة؛ بمزيج من الحسرة والحدّة. أمّا الحسرة فعلى دولة يزعمون أنّ «دعمها» وسِع جميع التونسيّين محتاجين أو غير محتاجين، قبل «الثورة»، وأمّا الحدّة فبسبب ما يعتريهم من غضب، وهم يرون معاداة السياسيّين بعضهم بعضا ومخالفاتهم ومنازعاتهم؛ غير عابئين بمشاكل الناس، ولا مبالين. بل ينظرون إلى المستقبل بكثير من الخوف والفزع، ويتّخد اغترابهم الروحي أكثر من صورة فاجعة؛ وبخاصّة عند طوائف من الشباب طالت بطالتهم، وصاروا يعانون من وطأة فقدان التواصل الطبيعي مع الآخرين. ومن دون هذا التواصل، يصعب أن تكون للفرد هويّة أو حسّ وطني.
ولكنّ البعض يعدّ مطالب الناس المشروعة بعد الثورة، نوعا من التحوّج، أو طلب الحاجة بعد الحاجة؛ خاصّة أنّ الدولة لا تزال تنهض بدعم الموادّ الأساسيّة مثل الخبز والسكّر والبنزين؛ وإن كان أكثر المستفيدين، هم من غير مستحقّيه. ولكنّها ليست في نظرهم الدولة الراعية التي عرفوها مع بورقيبة، أو حتّى مع بن علي.
ما هي الدولة الراعية Providence؟
لعلّ ترجمة المصطلح بهذه الصيغة، وأنا أتتبّعه عند أهله وفي تدخّلات السياسيّين، هي الأصوب، وإن كانت الكلمة الفرنسيّة تحمل معنى الحماية، إذ يقال عن الأمّ إنّها «حامية الأسرة»؛ بل هي أمسّ بالعناية وخاصّة الإلهيّة؛ وثمّة مذهب يسميّه الفلاسفة «البروفيدنسياليزم» «الغائيّة العنائيّة» كما يترجمها البعض، ومفاده أنّ العناية الإلهيّة هي مسوّغ الوجود ومبرّره. ويرى البعض أنّ المفهوم يتحدّر من أصل كاثوليكي، على نحو ما جاء في الرسالة البابويّة عام 1891 لليون الثالث عشر، من ضرورة التدخّل في المجال الاقتصادي. ولكنّ الفرنسي إيميل أوليفياي هو ناحت هذا المصطلح عام 1864، وكان يقول بنبرة ساخرة؛ وهو المعارض لتدخّل الدولة الذي يعتبره سلبيّا: «إنّ الدولة الراعية هي تلك التي تزعم أنّها تقوم مقام العناية الإلهيّة». ذلك أنّ الدولة بهذا المفهوم الواسع الفضفاض، هي التي تمارس «التدخّليّة» أي التدخّل في القطاعات الخاصّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة جميعها. ولكنّ المفهوم بالمعنى الحصري، يخصّ تدخّل الدولة في المجال الاجتماعي دون غيره؛ وتحديدا أنظمة «الحماية الاجتماعيّة» أو»التأمين الاجتماعي» التي نشأت في نهايات القرن التاسع عشر؛ وكانت تستهدف أساسا الحماية من المرض والشيخوخة والبطالة. وهو مفهوم يتعارض ومفهوم «الدولة البوليسيّة» المتسلّطة، تلك التي تقصر تدخلاتها على الوظائف السياديّة: الجيش (الدفاع عن الأمن القومي) والشرطة (حفظ النظام) والعدالة. والدولة بهذا المفهوم هي التي تستأثر بما يسمّيه عالم الاجتماع ماكس ويبر «حقّ العنف المشروع».
ونعرف أنّ تيّارات إنسانيّة عديدة، كانت غداة الحرب العالميّة الثانية، تشدّد على نصيب المواطن من الدخل القومي؛ وتسوّغ هذا الحقّ بحاجات المواطن من حيث هو إنسان (الضمان الاجتماعي)، ومن حيث هو منتجٌ (التقاسم العادل للثروة)، ومن حيث هو ربّ أسرة (الإعانات العائلية). وقد أمّن هذه الحقوق، في دول غير قليلة، نظام تأمين ونظام مساعدة اجتماعيّة؛ فحفظا المواطن من تقلّبات الحياة ومخاطر العمل، مثل البطالة والمرض والحوادث والشيخوخة وما إلى ذلك؛ ووفّرا له الاحتياجات الأساسية (التعليم والماء والغذاء والنظافة). وإذا كان البعض يرى في هذا المنحى بعدا ثوريّا، مثل المؤرّخ وعالم الاجتماع الفرنسي يير روزانفالون، وحجّته أنّ الدولة الراعية تقوم على مفهوم العقد الاجتماعي، على نحو ما تم تطبيقه خلال الثورة في فرنسا؛ فإنّ آخرين مثل المؤرّخ الأمريكي روبرت باكستون، يقفون على طرف النقيض من هذا الطرح، ويذهبون إلى أنّ الدولة الراعية معادية للثورة بشكل أساسي. ولعلّ مردّ هذا الموقف، وقد يكون فيه مقدار غير يسير من الصواب، إلى أنّ الملكيّين في  أواخر القرن التاسع عشر، هم الذين أخذوا بتراتيب الدولة الراعية وأحكامها وتدابيرها. ثمّ تبنّاها الفاشست في القرن العشرين، من أجل صرف العمّال عن النقابات والاشتراكيّة. بل إنّ أطيافا من اليسار الراديكالي كانت تعارض الدولة الراعية. ويذكر المؤرّخون أنّ بسمارك في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهو نصير الدولة الراعية أو مؤسّسها، كان معاديا لحرّية الصحافة؛ وقد حظر أكثر من أربعين صحيفة؛ وسنّ قوانين تحظر اجتماعات الحزب الاشتراكي الألماني والنقابات العمّالية. فليس بالمستغرب إذن أن يقول باكستون إنّ «كلّ الديكتاتوريات الأوروبيّة الحديثة في القرن العشرين، سواء الفاشيّة أو الاستبداديّة، كانت دولا راعية؛ إذ أمّنت جميعها الرعاية الطبيّة، ومعاشات التقاعد والسكن الميسور والنقل الجماعي؛ من أجل الحفاظ على الإنتاجيّة، ودعم الوحدة الوطنيّة والسلم الاجتماعي». ويبيّن أنّ الماركسيّين الأوروبيّين مثل روزا لوكسمبورغ، كانوا يعارضون تدابير الحماية الاجتماعيّة المنتظمة؛ حيث كان من المحتمل أن تضعف من نضاليّة العمال وكفاحهم، دون أن تغيّر في الجوهر من توزيع الثروة وتقاسم السلطة. ولم يتغيّر الوضع إلاّ بعد الحرب العالميّة الثانية، عندما تخلّى هؤلاء عن الماركسيّة كما هو الشأن عام 1959 في ألمانيا الغربيّة فتبنّت الأحزاب الاشتراكيّة في أوروبا الغربيّة، والنقابات العمّاليّة مفهوم الدولة الراعية.
على أنّ هذا المفهوم تغيّر منذ النصف الأوّل من القرن الماضي، إذ وسّعت الدولة «الحديثة» مجالات تدخّلها، لتشمل الاقتصاد والمجتمع؛ وهو ما يسّر الانتقال من «الدولة البوليسيّة» إلى «الدولة الراعية». ومنذ السبعينات، يطّرد الكلام على «أزمة الدولة الراعية» حيث تتباطأ نسبة النمو، وتتفاقم معدّلات البطالة، والطرد؛ وانتشار الجريمة، كما هو الشأن عندنا في تونس؛ فضلا عن الصعوبات الماليّة التي تعانيها الصناديق الاجتماعيّة، وأنماط من البؤس مثل تقطّع أواصر الألفة بين أفراد العائلة أي بين الإخوة والأخوات، وتآكل روابط الصداقة والجيرة، ووقوف الناس عرايا وحيدين؛ وما إلى ذلك من صور الحرمان والشقاء والضياع والعوز والفقد؛ أو ما يسمّيه البعض «خصخصة الاغتراب». وكان الجواب الذي يُساق دائما، هو أنّ الثروة لا تلبّي الحاجة أبدا حتى في الغرب حيث هناك فئات لا تزال تعاني من سوء التغذية، أو هي بلا مأوى وبلا عمل، وتعيش مثل فزّاعات الحقول، في داخل المدينة أو على أطرافها. بل تعاني من الإحساس بالعجز والألم بل العنف و»الفحش» اللفظي؛ ولكنّها من المسائل التي يحلّها الفرد عادة في محيطه الضيّق. على أنّه من حقّ هؤلاء أن يحمّلوا غياب الدولة كامل المسؤوليّة عن ظاهرة الإدمان وانهيار العائلة ووحشة المجتمع ووحشيّته. والأرقام عندنا مفزعة عن تزايد أعداد الفقراء والسجناء من الشباب، والجوّابين بلا مأوى؛ دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّ كلّ هؤلاء يعانون خللا أو اضطرابا نفسيّا وفسادا عائليّا.
إنّ الديمقراطيّة التونسيّة الناشئة بعد الثورة، ليست مبنيّة على تأمّل تاريخي واجتماعي يأخذ المساواة الاجتماعيّة بالحسبان. وهذه المساواة المنشودة هي الأكثر نسيانا وإغفالا عند جلّ سياسيّينا، ما عدا أطيافا من اليسار الطوباوي الذي لم يتحّرر من إرث القرن التاسع عشر الماركسي؛ حتى ليمكن القول إنّ الانفصال يتّسع بين الديمقراطيّة من حيث هي نظام حكم، والديمقراطيّة من حيث هي صورة من صور المجتمع. وإذا ما  تفاقم هذا الانفصال وهو شكل من أشكال الانفصام، ولم تبن»الثورة» المجتمع الديمقراطي، كما هو الحال الآن؛ فسيكون الخطر محدقا بالنظام الديمقراطي نفسه، وهو اليوم موضع ريبة وشكّ وتساؤل عند جلّ المحتاجين المعدمين من أبناء شعبنا. وليس أدلّ على ذلك من «الشعبويّة» التي يرفع لواءها بعض سياسيّينا، وتجتذب فئات غير قليلة إليهم. ومن ثمّة فإنّ القضيّة لا تتعلّق بالمواطنة من حيث هي مشاركة في الشأن العام أو السياسي تحديدا، بل بالمجتمع نفسه. أو لأقل أنّ المسألة تتعدّى المواطنة القانونيّة إلى المواطنة الاجتماعيّة. ولعلّنا أحوج ما نكون إلى مفهوم الدولة الاجتماعيّة من حيث هي شكل من أشكال السياسة التي تتبنّاها بعض الدول (سويسرا مثلا) على أساس من سلطات تنظيميّة واسعة، من أجل فائدة مواطنيها: النموّ الاقتصادي وخلق الثروة؛ بما يمهّد السبيل إلى امتصاص أعمال القسوة والعنف.
والسؤال وهو كما نقرأ مطروح في جلّ دولنا: هل تستطيع الدولة الراعية أو الاجتماعيّة، الاستمرار في تمويل الحماية الاجتماعيّة؛ ومواجهة ارتفاع معدّلات البطالة والتضخّم، وما إليها ممّا يردّده الساسة ورجال الاقتصاد، وهي المدعوّة إلى تشديد سياسة التقشّف وخفض الإنفاق العام؟
إنّ أكثر التونسيّين اليوم من العاطلين أو أصحاب العمل غير القارّ، أو الذين «يعطّلون» إنتاج النفط وهو ثمين في تونس على ندرته، والفوسفات على وفرته؛ يغبطون أصحاب الرواتب الشهريّة القارّة؛ فالراتب بعبارتهم المأثورة «مسمار في حيط»؛ وهؤلاء «الشهّارة» كما يسمّون في تونس، «قدّادة» أو هم من ذوي الغنى واليسار والمقدرة؛ وكأنّ لسان حالهم المثل الشعبي «أحنا قدّادة ونقدّوا، وندقّوا مسامير في الهواء/ ويشدّوا».
* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية