من “هوامل” كتاب فرنسيس فوكوياما “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” الصادر مطلع التسعينيات(1992) في أعقاب انهيار المنظومة السوفييتية، أنه أتى مرتين على ذكر دونالد ترامب، رجل الأعمال والانترتيمنت آنذاك، مع أنه لم يكن هناك ما يوحي جديا ان ذلك الأربعيني، على شفير الإفلاس آنذاك، كان يتطلع لخوض غمار السياسة، ومن بابها الواسع.
الإشارة الأولى لترامب، بالاسم، في “نهاية التاريخ” جاءت في الفصل المعنون “مملكة الحرية”. في هذا الفصل يستعيد فوكوياما تفسير كوجيف للفارق بين التاريخ وبين ما بعده عند ماركس، جاعلا من التاريخ الفضاء الذي يصارع فيه البشر بعضهم البعض كي “يتعارفوا”، إذا ما استعدنا الاصطلاح القرآني، مثلما انه تاريخ مكافحة جبروت الطبيعة بالعمل. أما ما بعد التاريخ فهو حين يتوصل البشر إلى التعارف، أي الاعتراف المتبادل ببعضهم البعض، فلا يعودوا يتصارعون ويعملون بكدّ أقل.
وظّف فوكوياما قسمة كوجيف هذه، فقال بأن نهاية التاريخ هذه لم تعد ممكنة بالقفز فوقه، مع انهيار الشيوعية، بل من داخله، من خلال الديمقراطية الليبرالية. مع هذا، معاودة قراءة فصل “مملكة الحرية” من الكتاب كفيلة بأن تظهر بأن فوكوياما كرر غير مرة فيه بأنه “لا يمكن تقديم انهيار الشيوعية كدليل على أنه لن يلحق بالديمقراطية المصير نفسه”. ما كان يبني عليه في المقابل، أنه، في ختام القرن العشرين، استنزف نقدان “يساري” و”يميني” للفكرة الليبرالية، أو بالأحرى للمزاوجة بين الديمقراطية والليبرالية. نقد من اليسار يأخذ على “الوعد الليبرالي” اكتفاءه بالاعتراف الشكلي، غير المتكافئ، بين البشر، ونقد من جهة اليمين، ينطلق من أن البشر، بالجوهر، غير متساوين، وأن الليبرالية تكابر وتحاول ان تخفي ذلك.
مطلع التسعينيات، كانت لدى فوكوياما، ثقة “الاستبلشمنت” بأن الديمقراطية الليبرالية استطاعت امتصاص هذين النقدين، وتكسيرهما، واخضاعهما لها.
لا يستشرف فوكوياما أبدا، في هذا الفصل، ان يكون هناك سكوت على اللامساواة أو تقبل أكبر لها، بعد انهيار الشيوعية. كما أنه لا يتردد في التسجيل، بكل حماسة، بأن “حب المساواة” كان أكبر من “حب الحرية” في تاريخ المجتمعات الديمقراطية، وليس هذا بأمر يشتكي منه البتة. في المقابل، يظهر الالتباس عنده حين يتحول إلى مواجهة مقولات اليمين عن اللامساواة “الطبيعية” أو البيولوجية بين البشر. يوحي نصه بأنه، يقترب من إعادة اللامساواة عموما إلى تلك البيولوجية، لكن النص يقمع هذا الشطح بالهروب إلى التراث الاغريقي من ناحية، وقصص الخيال العلمي من ناحية ثانية.
يستعين فوكوياما بآريستوفانس مثلا، في مسرحيته “ليسستراتي”، وبالذات حين يجبر فيها أصحاب البشاعة على التزوج من جميلات، والجميلات من قميئين، بغية المعادلة والمساواة في مستوى النسل المرجو. طبعا لم تكن تلك هي المناسبة لذكر حال ترامب.
في المقابل، يستعين فوكوياما بالفيلسوف السياسي الفرنسي الكسي دو توكفيل الذي تنبه إلى أنه حين يكون التفاوت كبيرا جدا بين الطبقات والجامعات تميل المغلوبة على أمرها منها إلى التسليم بالأمر والاستكانة، في حين يصبح تقبل التفاوت أصعب حين يحدث التقارب، ويزداد معه الوعي بالتفاوت وبراهنية مواجهته. وهنا بالتحديد يشير فوكوياما ان الناس تتقبل “مساوئ المساواة” أكثر بكثير مما تتقبل “مساوئ الحرية”، وحين يتوجب عليه ذكر أمثلة عن تلك الأخيرة، يأتي على ذكر.. دونالد ترامب من بين حفنة أسماء أخرى، كنماذج لأفراد مصابين بجنون العظمة في مضمار نشاط كل واحد منهم، ومع ذلك ينجح النسق الليبرالي في استيعابهم من ناحية، ويصير ذكرهم على اللسان كمصابين بجنون العظمة من ناحية ثانية، موضوعا للتندر بين الناس.
ثم يعود فوكوياما إلى ذكر ترامب في آخر كتابه. كرجل أعمال محب للشهرة مهما كان الثمن، لكن أيضا كنموذج فظ عن مثالية لا تنضب في المجتمع، والمطلوب تهذيبها وتأطيرها.
في كتابه الصادر العام الماضي، “الهوية. السعي من أجل الكرامة وسياسات الضغن” يستذكر فوكوياما “هوامل” مروره على سيرة ترامب قبل أزيد من ربع قرن. ويعتبر انه ذكره حينها كرجل طموح بشكل خرافي، مليء بحب الشهرة، والرغبة في الظفر بمكانة بارزة من الاعتراف به، في حقل البزنس ولاحقا في حقل الترفيه. ويكمل بأنه لم يكن يتوقع أبدا بأن يمتد طموح ترامب للشهرة إلى السياسة بعد عقود، لا بل وينجح في كسب السباق إلى البيت الأبيض. يعود فوكوياما فيكثف ما قاله في “نهاية التاريخ”. الديمقراطيات الليبرالية حملت الوعد بالاحترام المتساوي، بمعية الحقوق الفردية وحكم القانون والاقتراع في الانتخابات الحرة، وأنها قدمت النموذج الأفضل لإشباع “الثيموس”، أي هذا المنحى في روح كل منا لنشدان الإقرار بكرامته كشخص، ولو من دون تحقيق “ايزوثيميا” شاملة ونهائية، أي المساواة الكاملة. تحقيق هذه يبقى مع ذلك، عنده، على رأس جدول الأعمال ضمن الديمقراطية الليبرالية.
يذكرنا فوكوياما في المقابل انه، منذ “نهاية التاريخ” كان ينبه إلى المشكلة الثانية. وهي “الميغالوثيميا”. أي الرغبة في ان تنتزع، ليس كرامة متساوية مع الآخرين، بل ان يكون معنى كرامتك أنك فوق الآخرين. هذه، لا حل نهائيا لها في أي منظومة قيمية وحضارية. لكن فوكوياما كان متفائلا وقت “نهاية التاريخ” بالمواهب الاستيعابية في الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق لهذه “الميغالوثيميا”، لهذا النزوع الذي لا يشعر فيه إنسان بكرامته إلا إذا كان فوق الآخرين.
وعلى هذا النحو جرى تقديم ترامب، من قبل فوكوياما مطلع التسعينيات، كنموذج لحالة فردية “محلولة سلفا”. ليتبين بعد ذلك أن هذه الحالة بإمكانها ان تصبو إلى ما هو أبعد من ذلك، بكثير، وتحمل معها نقمة “الميغالوثيميا” على” الايزوثيميا”، على الاعتراف المتبادل بالكرامات، إلى أقصى درجة.
يمكن هنا، الاستعانة بتوصيف المؤرخ تيموثي سنايدر في كتابه “الطريق إلى انعدام الحرية”، الصادر أيضا العام الماضي، للحالة التي تميز ترامب، في دنيا الشعبويين، بأنه ظاهرة “سادو- شعبوية”، تحترف في الوقت نفسه لعبتي “تجسيد الناس” ضد النخب والاستلبشمنت، وتجسيد” الفوقية” المتغطرسة ضد الناس. اوليغارشي يقود الشعب ضد الاوليغارشية، لكنه” يربي” الشعب نفسه، عوضا عن مجمع الاوليغارشيين.
مع اقتراب العد العكسي للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، اختار ترامب بأن يخوض المعركة بإظهار الفضائح الاوليغارشية لخصمه الديمقراطي المرجح فيها جو بايدن، وبشكل مباشر أكثر من خلال رصد وكشف أعمال نجله هنتر بايدن. الأخير استفاد من موقع والده كنائب رئيس، للعمل في أوساط الأوليغارشيا ان في الصين أو في أوكرانيا.
في الأخيرة تحديدا حل في إدارة شركة بوريسما للنفط والغاز، المتهم صاحبها ميكولا زلوتشفسكي بغسيل الأموال والتهرب الضريبي من القضائين الأوكراني والبريطاني. هنتر الذي يترصده ترامب هو إذا أحد نماذج هؤلاء الأوليغارشيين العابرين للبلدان، كمستشارين عند اوليغارشيين أكبر منهم، مستفيدين من نصيب آبائهم وأقربائهم في السلطة والنفوذ. هو الصنو “الديمقراطي” لصهر ترامب جاريد كوشنير.
بعد أن فشل رهان الديمقراطيين في الكونغرس بعزل ترامب وفقا لسردية التواطؤ والتخابر مع موسكو، تراهم يعيدون الكرة الآن، من بوابة ضغط ترامب على الرئيس الأوكراني تحت طائلة تجميد المساعدة العسكرية لبلاده، ان هو لم يتعاون معه، على ابن المرشح المنافس لترامب في الانتخابات.
ترامب يلاحق آل بايدن ضاربا عرض الحائط بالمؤسسات، ويهزأ بها ان حاولت أن تضع حدا لهذه الملاحقة الإمبراطورية بامتياز، من اوليغارشي ضد آخر. الديمقراطيون، وآل بايدن، يدغمون في المقابل بين الغيرة على المؤسسات وبين التغطية على أنشطة يسود اشتباه كبير جدا بأنها خارجة عن القوانين، لهنتر بايدن، في أوكرانيا.
والديمقراطية التمثيلية هل ما زالت قادرة على استيعاب داحس والغبراء هذه بين الاوليغارشيين؟ نعم حتى إشعار آخر. لكن ليس بتهذيب هذه العناصر الطاردة أاو الممتحنة لها. بل، بأقل تقدير، من رصيدها كديمقراطية، وبأكلاف تتضاعف.