دونا خليفة أطلقت جديدها “الأمل يحلّق كما الريش” واستمدت قوتها من الانتفاضة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:استمدت دونا خليفة شجاعة من انتفاضة اللبنانيين الذين غطوا الساحات في كافة المناطق، وقررت تقديم حفل تطرح خلاله أغنيات عملها الغنائي الجديد. هو “سي دي” من تسع مقطوعات عنوانه بالعربية “الأمل يحلق كما الريش” وهذا ما حصل مطلع هذا الأسبوع.

  للتعريف بدونا خليفة ثمة قائمة طويلة من الدراسة الموسيقية أنجزتها. فقد أمضت ردحاً طويلاً من عمرها في اقتفاء أثر الموسيقى والتعمق في معارفها. في عمر مبكر اختارت باريس للدراسة، وتمكنت من تطوير وتمتين طريقتها في الغناء، التأليف، التوزيع والارتجال. كما أن صفوفها في البيانو الجاز وفي الكونترباص وقيادة الأوركسترا ساهمت كثيرا في صقل حسها الفني وأدائها الموسيقي.

عام 2017 صدر لها “سي دي” موسيقى بعنوان “هيفي دانس” وفي جديدها قررت حضور صوتها. علوم كثيرة تعرّفت عليها دونا خليفة لكن تعريف عازفة الكونترباص له الأولوية في حياتها. معها كان هذا الحوار:

*انتفاضة اللبنانيين أنتجت غناءً خاصاً بالمناسبة لماذا قررت في هذا التوقيت إطلاق جديدك “الأمل يحلق كما الريش”؟ وهل ترين أملاً من الانتفاضة؟

**وجود الأمل أكيد. يرى البعض مخاطرة في إطلاق عمل غنائي في هذا التوقيت. لكني وجدت نفسي في رحلة بحث عن الأمل في داخلي خلال إعدادي لعملي هذا بعد أن فقدته خارجاً. وبما أن تغيير الخارج غير متاح، سعيت لتغيير ذاتي بحيث أتمكن من رؤية الجمال في الخارج. نعم للمرة الأولى أشعر بالجمال في الخارج، وبأني أحب المحيطين بي. في هذه المرحلة وجدت الحب والأمل وكل ما كنت أبحث عنه في العالم الضيق المحيط بي. إذاً الأمل موجود أكيد ونحن نلمسه.

*وهل كان لك حضور في الساحات كما غالبية جيل الشباب؟

**بالطبع ومنذ البدايات. كمواطنة يستحيل أن ابتعد والازم منزلي وأكون متفرجة. ما حصل ويحصل كان مطلوبا منذ زمن بعيد.

*ولهذا كان حفلك في “مترو المدينة” لإطلاق عملك الجديد؟

**شعرت أن ما حصل ويحصل يقود هجوماً إيجابياً عليَ. ووجدت أن صدقي مع نفسي يحتم تقديم السي دي وبدون تأخير. فالأمل الذي بحثت عنه في السي دي بتُ أجده في عيون وقلوب الناس وحركتهم. مع العلم أن البعض نصحني بالتروي، خوفاً على عملي وليس “لأنو مش وقتو”.

*أنت الأولى منذ شهر ونيف تقررين إطلاق عمل جديد وعبر حفل معلن. هل هي جرأة؟

**لم أكن أعلم بذلك. أعرف أن حفلات جاز محدودة تمت خلال الفترة الماضية. ما شعرت به أن هذا العمل الغنائي يجب أن يكون في المتناول وفي هذه المرحلة. وحين صار الحفل حقيقة، أحسسته ليلة حب، أعطيت خلالها كل ما عشته، وعملت لأجله طوال السنتين الماضيتين. وأصارحك القول إنني كنت حيال مهمتين في السنتين الماضيتين وهما العمل على نفسي والأغنيات، وبالتوازي التام.

*قبل مرحلة العمل التي تحدثت عنها أين كنت؟

**كإنسانة أتميز بالإيجابية التي يتخللها صعود وهبوط. مع عودتي إلى لبنان بعد سنوات من الدراسة في باريس، شعرت بما هو غير عادي، وأن انحطاطاً ملموساً يفرض نفسه في أمكنة ومجالات عدة. قررت عدم “النق” والتوجه لتغيير ذاتي لأن التغيير في الخارج أمل لا رجاء منه. مع بدء الانتفاضة وجدت الخارج وقد بدأ يتغير، وإن ببطء. العودة إلى حيث كنا باتت مستحيلة.

*لنعد إلى جديدك فماذا عن محتوياته؟

**إلى جانب الأشعار المختارة باللغة الإنكليزية غنيت شعراً بالعربية لفادي طفيلي. وآخر باللغة السويدية. وثمة مقطوعة تتضمن شعراً لم أقله غناء لحسن عبد الله. قرأت مع زملائي العازفين هذا الشعر وجرى تقسيمه ومن ثم ارتجلاناه موسيقياً. وهذا ما أعتبره طريقة تعبير، خاصة وأني أنتمي لعالم الجاز الذي يشكل الارتجال نسبة 80 في المئة منه.

*ما هي الكلمات التي اخترتها للشاعر حسن عبد الله؟

**يقول: “أخرج من المنزل في أعلى التلّ..فيباغتني الفضاء الرحب فوق السهل.. ويشدني إليه الأفق.. عندها، أفرد أجنحتي وأحلّق.. لست طائراً، ولكن.. للضرورة أحكامُها!” واخترت من الشاعر فادي طفيلي نصاً يتناول الطبيعة ويقول مطلعه: “صامتة لا تجيب على أسئلة الهواء المُكهرب، ولا تحدّث أحداً..”. شجعني على هذا الشعر اختزانه لهذا الكمٌ الكبير من الدراما، لكن نهايات القصيدة كلها أمل. أتت الموسيقى مماثلة للموضوع الذي يمثل تكدساً سريعاً للغيوم والحشرات وغيرها، فهو الإستعداد “للشتوة” الأولى. أعتبر هذا الشعر فكرة عظيمة، لأن الطبيعة في حد ذاتها فكرة عظيمة. أما الأغنية التي حمل السي دي عنوانها فهو شعر مختار من إيملي ديكنسون. عندما ترغب ديكنسون الكتابة عن فكرة مجردة تشبهها بالحيوان، وفي النص الذي اخترته لها شبهت الأمل بالعصفور الذي يقف على روح كل منا. وهو موجود على هذه الروح في العواصف وسواها. هو عصفور لا يحتاج لصيانة. إذاً الأمل موجود ولا يحتاج لصيانة.

*هل رغبت يوماً في التعبير كتابة؟

**ملكة ليست في متناولي. إن حصل فستكون نصوصي خاصة.

*هل ستقدمين عملاً غنائياً جميعه باللغة العربية؟

**في عملي الموسيقي الأول غنيت من دون النطق بكلام محدد. في موسيقى الجاز الصوت آلة موسيقية في حد ذاته، فليس للساكسوفون أن يقول كلاماً. فللصوت قدرة التعبير لأنه آلة بشرية سهلة الحمل وبدلها المادي أوفر من سواها. إذاً في “الأمل يحلق كما الريش” كان التحدي الذي خضته وجود الكلام المكتوب وبعضه بالعربية.

*من يقرأ سيرتك في دراسة الموسيقى سيسأل متى كان لك كل هذا التحصيل؟ ولمن الأولوية؟

**نعم درست في فرنسا في حدود 12 سنة وما زلت أتابع الدراسة لتطوير ذاتي في العزف على الكونترباص. الجواب رداً عن الخيار فهو حيث أنا مع آلة الكونترباص. لست عازفة بيانو رغم طول الزمن في دراستي له. درسته من عمر السبع سنوات وصولاً إلى المراهقة. حينها راح تفكيري إلى مكان آخر وبت ألعب الغيتار. درست البيانو كثيراً ولم اشعره يوماً آلتي. ألجأ اليه لمرافقة تلامذتي، وعندما أكون بصدد التأليف كونه آلة شبيهة بالأوركسترا، وتساعدني في التوزيع الهارموني أو التلوين الموسيقي.

*وما هو “الكونتربوان” الذي كان من ضمن دراستك؟

**أنها مادة نظرية تماماً كما الهارموني. هي مواد دراسية ضرورية لكل من يتخصص في الموسيقى الكلاسيكية. يمكن القول إنها قواعد كتابة الموسيقى.

*المزيد من التعمق في دراسة الموسيقى هل يُعقد المهمة أم العكس؟

**في رأيي المزيد من الدراسة يعني مزيداً من معرفة الطريق وماذا نريد من الموسيقى. من خلال تجربتي فإن الدراسة لسنوات طويلة تركت الأمور أكثر سهولة لجهة التعبير عبر الموسيقى.

*أن تكون موسيقى الجاز هي السائدة فماذا يعني لك ذلك؟

**أتمنى ذلك، لكننا نعرف أن عائلة الجاز صغيرة جداً في لبنان. لكنها في الحقيقة كبرت جداً مقارنة بما كانته قبل عشر سنوات. حتى في الغرب ليس الجاز هو الموسيقى الطاغية.

*أن تكوني عازفة جاز فهل هذا عامل مساعد في الغناء بالنسبة لك؟

**ربما الكونترباص هي الآلة الوحيدة التي تحتاج للمزيد من العازفين وعلى الدوام. أن ألعب كونترباص وأغني في الوقت عينه فهذا طبيعي بالنسبة لي، خاصة وأني منذ الصغر أغني وأعزف. في الواقع يستغرب البعض أن ألعب هذه الآلة وأغني معاً، وقلة تفعل ذلك.

*ما هو تعريفك للجاز؟

**هو حرية فنية نظراً لما يتضمنه من ارتجال. حتى وإن كنا حيال لحن معروف، فمن يلعب الجاز يمتلك قدرة التصرف به. يمكن للجاز تأمين التواصل بين أعضاء الفرقة الموسيقية وكذلك الجمهور. عزف الجاز يفترض التأهب الدائم استعداداً للارتجال. وعازف الجاز يتحلى بالجرأة وقدرة المخاطرة.

*من يجذبك من عازفي الجاز في لبنان؟

**لدي العديد من الأصدقاء الموسيقيين. ومن لعبوا معي في حفل إطلاق السي دي من بينهم. فؤاد عفرة الذي يلعب على الدرامز أتعاون معه منذ بدأت الموسيقى، وهو رافقني وساعدني كثيراً منذ بداية الطريق. كذلك عازف البيانو آرتور ساتيان الذي يعود له الفضل في وجود موسيقى الجاز في لبنان، فهو من أسس ويشرف على هذا القسم في المعهد الموسيقي الوطني. وأيضاً عازف الغيتار رافي مندليان، وجميعهم من أفضل اللاعبين للجاز في المنطقة العربية.

*ماذا عن الجائزة التي نلتها من المعهد الموسيقي في باريس؟

**إنها جائزة في فن التوزيع للأوركسترا. درست هذا الفن الذي أتاح لي قدرة توزيع أي مقطوعة موسيقية من البيانو إلى الأوركسترا.

*وهل سيكون لك تعاون مع الأوركسترا الغربية في المعهد الموسيقي الوطني؟

**ألعب الكونترباص في حفلات الأوركسترا كبديلة أحياناً. تقدمت بطلب إلى المعهد وأنتظر اتصالهم لأصبح عازفة أصيلة لهذه الآلة.

*وأين أنت من الموسيقى الشرقية؟

**أسمعها بشغف ولا أجيد لعبها. إن رغبت في ذلك فتلزمني دراسة طويلة لست جاهزة لها الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية