لا يوجد نص في العالم مثل دون كيخوتي دي لا مانشا، تلون عبر الزمن مغيرا جلده القروسطي في كل مرة، متخفيا في أغلفة جديدة تؤكد انزلاقه مثل الثعبان بحيث يصبح الإمساك به صعبا. رفض الموت والانتفاء أو التلاشي بحكم سلطان الزمن، بل انتهى إلى قتل مبدعه، ميغيل سيرفانتس، حتى لم يعد ذكره ضروريا للتعريف بالنص، وقتل الكاتب واحدة من صفات الخلود. الشيء نفسه يقال عن ألف ليلة وليلة التي ولدت وهي متخلية منذ اللحظة الأولى عن كاتبها أو كتابها.
الكثير منا، قرّاء، يعرف العنوان ويجد صعوبة كبيرة في ذكر اسم الكاتب. فالقراءة المتحولة عبر الزمن أسهمت وتسهم بقوة في الرفع من قيمة هذه النصوص إذ تجردها من عامل الزمن فلا تشيخ مطلقا، لهذا نقول إن دون كيخوتي دي لامانشا هو نص المفارقات الكبرى، نشأ على حواف عالم كان قد انسحب نهائيا بقيمه الكبرى ومنها الفروسية، وعالم كان في طور التكوين بلا قيم واضحة ولا ملامح يمكن لمسها بسهولة، لكنــها موجودة وتبشر بشيء كان في طور التكوين.
ارتكزت حداثة هذا النص الاستثنائي ونصوص أخرى، مثل قصص نموذجية Nouvelles exemplaires للكاتب نفسه، على المفارقة الحادة داخل دوامة عاصفة، استطاع سيرفانتس أن يلقي القبض على نبضها. وقد تجسد ذلك في سلسلة من العلامات التكوينية في الرواية.
أولا، فعل السخرية: وهو الذي يعني، من بين ما يعنيه، الانتقال نحو لغة غير حيادية تبدو في ظاهرها غير جادة، لكن عمقها مدمر لكل ما يعترض طريقها لأنه لا تاريخي، لغة شديدة الخطورة لأنها مدسوسة بشيء مضاد لأكسدة الزمن. كل يقين هو شبيه من الموت، لأنه الوهم ذاته، وكل ثبات حوله سيرفانتس إلى أرض رجراجة، ولا يقين إلا يقين الموت، وحتى هذه لم يستطع الزمن حيالها أي شيء. لنتأمل مشهدا كهذا: رجل يحارب طواحين الهواء وينتهي إلى حالة تراجيدية شبيهة بالجنون؛ من الخارج نسخر منها ونحن نضحك لأن المفارقة مفجعة، ولا نتساءل: نحن نضحك على الحالة البائسة لدون كيخوتي وهو معلق على شفرات الطاحونة الهوائية، أم نضحك على أنفسنا المتهتكة التي ليست حالة دون كيخوتي إلا صورة ظاهرة لها.
كثير من القراء الذين يقهقهون تحت انتشاء مشهد الحرب، بأن حرب دون كيخوتي هي حرب حقيقية ضد الشياطين، ومؤمن حتى النهاية بما يقوم. المفارقة الكبيرة هي أننا في السخرية بينما دون كيخوتي في عمق الحقيقة، وأن نبل الحرب التي خاضها لا تتلخص في انتصاره على معترضيه، شياطين كانوا أم غيرهم، ولكن في القدرة على خوض حرب عادلة أو يراها كذلك، على الرغم من عدم تكافؤ القوى عددا وعدة. طبعا نراه مهزوما منكسرا، وهو لا يقبل مطلقا بالنتيجة التي يراها الآخرون. خارج كل مدارات التقييمات البشرية امتلك القدرة على تخطي المستحيل بوسائله الساخرة، والمفارقة تتجسد في النية الكبيرة من حيث الأفكار النبيلة عند دون كيخوتي، وفي التنفيذ تتحول السخرية إلى سلاح فتاك ضد الطغاة وضد سدنة الإطلاقيات الدينية والاجتماعية. من الضحك الخارجي إلى مأسوية العمق في عصر مأسوي، لأنه بلا قيم. ودون كيخوتي يعيد تركيب كل ما هو مفكك بهدوء، حتى قيمة الفروسية التي اتكأ عليها دون كيخوتي جاءت لتثبت أن البشر بلا ذاكرة، وأن الزمن في تحولاته القاسية لن يمس جوهر الأشياء.
ثانيا، الحب كقيمة إنسانية: الحب الذي ينتقل بالإنسان إلى الأعلى والسمو هو ما يناقض الحب النفعي الزائل الذي لا يقدم شيئا، لأنه محدود القيمة. الصور الحقيقية ليست ما نراه، ولكنها بالضبط ما لا نراه. المتخفي تحت المسبقات البائسة، دولثيني، التي تبدو لنا فلاحة عادية ومضحكة في لباسها وممارستها وردود فعلها، وحتى خشونتها، هي لدون كيخوتي قيمة سامية معبرة عن الحب السخي الذي لا حساب له في النهاية إلا خير الإنسانية. مفهومه الذهني للحب هو مفهوم إنساني عميق، بعيدا عن نفاق المجتمع السائد. ولا يكفي أن يحب المرء في زمن أصبح فيه كل شيء سلعة للمقايضة، ولكن أن يتعلم أيضا كيف يدافع عن حبه إذا كانت قناعته عميقة.
ثالثا، الجهد اللساني الشعبي: حقق سيرفانتس ما لم يحققه غيره على الصعيد اللساني، فكتابته باللغة الشعبية كانت نقلة نوعية ضرب بواسطتها البلاغة المتسيدة والفارغة داخليا، المنحصرة في القصور، أو عند مجموعة ثقافية تظن نفسها أنها مالكة لكل شيء.
قد يبدو هذا الجهد اللساني عبثيا لأن اللغة القشتالية الشعبية لا يمكنها أن ترتقي باتجــــاه اللغة العالمة. كيف لها أن تعبر عن جوهر مجتمع في تحولاته العميقة؟ اختارها الكاتب لأنها وسيلته لضرب الثابت وزعزعته، لأنه مبني على ضعف غير مرئي، وتعبير عن العمق الإسباني والإنساني الخالد.
اللغة هي العصب الأساسي الذي ترتسم فيه الصور المختلفة بظاهرها أو متخفيها. وعندما ترجمت هذه الرواية إلى الفرنسية كانت الفكرة بسيطة، كيف نجر اللغة الشعبية التي تنقص من رواية عظيمة في اتجاه لغة كبيرة ترتقي مع النص؟ على رأس هذا النوع من الترجمات ما قام به فياردو، الذي افترض لغة راقية لكاتب كبير، ويجب تفادي اللغة الشعبية في الترجمة، وإلا سينزل النص إلى تحت. لكن بعد عشرات السنين جاءت الأستاذة في جامعة السوربون الثالثة، آلين شولمان، لتعيد للنص بهاءه الشعبي، وغامرت بطباعة الرواية في أفقها اللساني الذي بنيت عليه، ثم فرضت هذه الرؤية على ناشرها الذي خاف من الترجمة الجديدة. ولكن الغريب هو أن هذه الترجمة انتشرت بسرعة في الأوساط الثقافية، وكان جهد الين شولمان مفيدا ومهما، أعاد للنص روحه التي سرقت منه. من هنا، دون كيخوتي، ليست رواية فحسب، لكنها ثورة حقيقية في كل شيء، في عالم الكتابة على وجه الخصوص.