نقلت الأخبار عن المغنية اللبنانية ديانا حداد سعادتها الغامرة «بالوقوف أمام الرئيس عبد الفتّاح السيسي في مناسبة عظيمة، وهي الاحتفال بانتصارات أكتوبر».
مشاركة حدّاد جاءت في ما سمّي «الندوة التثقيفيّة رقم 34، التي حملت اسم «أكتوبر 73 والعبور إلى المستقبل».
من بين ما غنّت النجمة المعروفة أوبريت بعنوان «كمّل عبورك»، إلى جانب مغنّين آخرين، من بينهم تامر حسني. والكلمات لمحمّد البوغة، حيث يقول: «كمل عبورك هو ده وقتك ودورك/ ربنا يكون في عونك ربنا يسدد خطاك/ امشي في طريقك/.. شعب مصر أكيد معاك/ وصلت رسالتك وحي على العلم/ شوفنا في طاقتنا إنه مش عايز كسل»، إلى أن يختم بالقول: «ده الاختيار يا يعيشك يايموتك».
في ذكرى انتصار أكتوبر يأتي من يطالب، بل يأمر الرئيس السيسي بأن يكمل العبور! كيف، وقطار التطبيع يتقدم بسرعة الضوء، ألا يشكّل ذلك أي حرج للرئيس المشغول بعيداً تماماً عن خط بارليف؟!
هكذا إذاً! في ذكرى انتصار أكتوبر / تشرين الأول يأتي من يطالب، بل يأمر الرئيس السيسي بأن يكمل العبور! كيف، وقطار التطبيع يتقدم بسرعة الضوء، ألا يشكّل ذلك أي حرج للرئيس المشغول بعيداً تماماً عن خط بارليف؟!
لو كان صفوت الشريف هنا لما سمح لهذه المهزلة أن تحدث: لقد كلّف المطبلاتية ذات أكتوبر أن يجترحوا أغنية لحسني مبارك، تحمّسوا أكثر من اللازم، فكتبوا شطراً يطلب من الريّس: «عايزين عبور تاني». الشريف استشعرَ الخطر، قال ربما هذا سيحرج الريّس، فطلب منهم تعديلها إلى اقتراح كتبه بنفسه: «عايشين عبور تاني».
لا يخشى على المحروسة. دائماً هنالك صفوت الشريف.
لا نحسب أن قارئاً عربياً صدفَ من قبل عبارة تقول: «نأسف لنفاد الكمية من هذا الكتاب»، هذه العبارة غرّدتْها بالفعل الدار الناشرة لرواية السعودي تركي آل الشيخ، بعد أن تناهب القراء عشرين ألف نسخة من روايته الموسومة «تشيللو»، والتي قد وعد من قبل بتحويلها إلى فيلم سينمائي.
لا ماركيز، الروائي الكولومبي الشهير، ولا نجيب محفوظ، العربي الوحيد الحائز نوبل للآداب، حتى ولا أحلام مستغانمي، استطاعوا أن يبيعوا في معرض واحد عدداً مثل كتاب آل الشيخ!
ومن المعلوم أن حلم «أثخن» روائي في بلادنا أن يبيع خمسة آلاف نسخة، لا أكثر. أي أن آل الشيخ باع من كتاب واحد، في معرض واحد، ما لم تقدر عليه مستغانمي، الروائية الأكثر مبيعاً، في عزّ انطلاقتها.
ما يحيط بصدور رواية “تشيللو” يشي بأن رئيس هيئة الترفيه السعودية لا يمكن أن يكون لديه الوقت الكافي للتأمل واجتراح كلامٍ لرواية، وأنه يعوّل على ذباب الكتروني أدبيّ، وأموال طائلة تنطّق الحجر، وتحوّله إلى سينما بتوقيع أغلى مخرج في العالم.
على الشبكة ستجد أخباراً لا حصر لها عن الرواية، وتصريحات آل الشيخ عن موعد صدورها وحفل توقيعها، البروفة الأولى من المطبعة، بالإضافة إلى فصل على «يوتيوب» بصوت وحيد جلال، حظي بعشرات الآلاف من المشاهدات ومرات الاستماع.
نسمع، فنعثر على كلمات مثل: تشيللو، حانة، صناديق النبيذ، موسيقى الباروك، أوبرا، هل نحن أمام رواية سعودية حقاً؟ هل بإمكانك التعرّف فيها على مفردات الحياة في ذلك المكان البكر (أدبياً) من العالم؟ لماذا اختار آل الشيخ هذه الأجواء «الإيطالية» لروايته؟
قد تكون كلها أسئلة مبكرة، لكن كل ما يحيط بصدور الرواية يشي بأن رئيس هيئة الترفيه السعودية لا يمكن أن يكون لديه الوقت الكافي للتأمل واجتراح كلام لرواية، وأنه يعوّل على ذباب الكتروني أدبيّ، وأموال طائلة تنطّق الحجر، وتحوّله إلى سينما بتوقيع أغلى مخرج في العالم.
تركي آل الشيخ هو نفسه بات خبراً ترفيهياً، إنه مستغرق إلى هذا الحدّ في عمله كرئيس لهيئة ترفيه.
لم يخطر في البال مرة التقليل من شأن مساعي الممثلة الفرنسية الشهيرة بريجيت باردو القديمة والتاريخية بشأن الرفق بالحيوان ومراعاة مختلف حقوقه، ولا حتى المقارنة مع قلّة اهتمامها بحقوق البشر، الملحّة والعاجلة جداً، دائماً يقول المرء لنفسه لقد كرّست هذه السيدة حياتها المديدة لهذا القسم من الأحياء، فليهتمّ الآخرون، أفراداً ودولاً ومؤسسات وخلافها بحقوق البشر. لكن هذه المرة ذهبت السيدة بعيداً عندما أطلقت بياناً عنصرياً ضد سكان جزيرة لا ريونيون الفرنسية في المحيط الهادئ، ووصفتهم بـ «السكان الأصليين الذين احتفظوا بجيناتهم الوحشية».
من العدل، ولا نقول من باب أَوْلَى، أن ترأف بريجيت باردو كذلك بهذا الصنف من الثدييات (البشر) الذين هم في الآخر ضحايا على هذا النحو أو ذاك.
وحشية! إنها هكذا تسيء مرتين، مرة لبشر تتهمهم جملةً، ومنذ الجينات بأنهم متوحشون، ثم تعود لتنسف جهودها هي حين تنسب كل ما هو متخلف وهمجي إلى الوحوش، أما كان هؤلاء يستحقون الرأفة قبل قليل؟!
على أي حال باردو عرّضت نفسها لغرامة بقيمة 25 ألف يورو من محكمة فرنسية لوصفها بحق سكان الجزيرة، التي وصفتْها بـ «جزيرة الشيطان»، كما غرّم ملحقها الإعلامي بمبلغ 5 آلاف يورو «لتواطئه في قدح عام» عندما «عمّم رسالة باردو المثيرة للجدل على عدّة وسائل إعلام»، حتى لو كانت بتوجيه من معلّمته.
العنصرية إذاً جريمة، وليست وجهة نظر، حسب رسالة وزيرة أقاليم ما وراء البحار إلى باردو.
لقد انتظرنا كل هذا العمر مع بريجيت لنشهد أن دعوتها للرفق بالأخ الحيوان كانت مزيفة ومحض ادّعاء، فمن العدل، ولا نقول من باب أَوْلَى، أن ترأف كذلك بهذا الصنف من الثدييات (البشر) الذين هم في الآخر ضحايا على هذا النحو أو ذاك.
معظم الأخبار الصحافية التي تناولت وصول رفعت الأسد إلى دمشق منذ أيام استخدمت كلمة «العودة»، مع تنويعات وابتكارات عديدة: عودة العمّ الضّال، الابن أو الأب الضال، كما لو أنه أوليس في الأسطورة الإغريقية، لكنه في الواقع ليس سوى هارب من العدالة الفرنسية، وما سوريا-الأسد سوى تلك «الدولة» المارقة التي يأوي إليها مجرمون دوليون هاربون من العدالة، كان ذلك زمن حافظ الأسد، ويصحّ أكثر في زمن ابنه. وعلى أي حال، فإن الأخير لم ينكر أنه يؤوي طريد العدالة، فقد عنونت صحيفة «الوطن» السورية مع وصوله إلى دمشق: «منعاً لسجنه في فرنسا.. الرئيس الأسد يترفّع عما فعله وقاله رفعت الأسد ويسمح له بالعودة إلى سوريا».
الصحيح إذاً أن يسمى رفعت بـ «الهارب» لا «العائد»، اللهم إلا إذا على سبيل السخرية.
كاتب فلسطيني سوري