الحفاوة السعودية بالغناء المصري

نشاهد كثيرا من الفعاليات الثقافية في المملكة العربية السعودية، يحتل فيها الفن المصري مكانا مميزا. يحدث هذا منذ عدة أشهر.. بالطبع لا ينفصل هذا عما حدث من تغيرات مستمرة في بنية وفكر الحياة في المملكة السعودية. لقد تراجعت الوهابية وكادت تختفي في الشوارع ومعارض الكتب، فلم يعد هناك رجال جماعة الأمر بالمعروف يزجرون امرأة تكشف وجهها أو شيئا من شعرها، واختفت الجماعة نفسها من دخول معارض الكتب تبحث عن أي كتاب عليه صورة وجه لامرأة، أو عنوان لا يعجبهم، أو استجابة لنميمة في ناشر أو كتاب. أصبحت هناك شواطئ على البحر الأحمر تنزل فيها السعوديات بالمايوه، وأصبح فسح الكتب، أي الموافقة عليها، يتم إلكترونيا، بإرسال ملخص للكتاب، وأصبحت هناك مهرجانات سينمائية وظهرت أفلام سعودية، ودور نشر متقدمة في الترجمة والتأليف، وطبيعي جدا وقد حدث هذا أن تكون هناك حفلات للموسيقى والغناء.
طبعا هناك مطربون وموسيقيون سعوديون أو عرب كثيرون، لكن في مصر أعداد كبيرة، أكبر من أيّ بلد عربي بحكم التاريخ، وحكم أعداد السكان، ومن ثم فاللجوء إليهم أو طلبهم لحضور فعاليات غنائية، أمر طبيعي جدا في هذا المناخ الجديد. قليلون يدركون ذلك، وكثيرون يتصورون أن المصريين يذهبون من أجل المال، وكأن عليهم الذهاب بالمجان، وكأن أحدا لا يدرك فارق المكافآت المالية بين دولة نفطية، والدولة المصرية، أو كأنه ليس في ذلك تقدير للفن والفنانين المصريين يستحقونه. السهل هو القول بالإغراء المالي. طيب ما رأيكم في أن جائزة شخصية العام الثقافية هذا العام في مسابقة الشيخ زايد للفنون والأداب ذهبت إلى الموسيقار المصري عمر خيرت؟ هل في ذلك قصد ما؟ أم هي الجائزة وشخصية عمر خيرت وإنجازه وإبداعه تستحق كل تقدير؟ لا أحد يرى إلا القلة ما صار ينقصنا بعد أن كان عاديا جدا بيننا، وأقله أن التلفزيون المصري مثلا لا يذيع حفلات الأوبرا المصرية، ولا يذيع المسرحيات الجديدة رغم قلتها، وكانت حفلات الإذاعة والتلفزون يوما سحر الحياة. من ينسي كيف كانت تخلو الشوارع من الناس بعد العاشرة مساء واجتماعهم في بيوتهم للاستماع، أو مشاهدة حفل سنوي بمناسبة وطنية، أو مناسبة مثل شم النسيم، أو حفلة شهرية كانت في الخميس الأول من كل شهر لأم كلثوم. هل كان هذا لا يصل إلى العالم العربي؟ كان وصوله قليلا بسبب نقص التكنولوجيا التي تنقل البث عبر الفضاء. عندما ذهبت للعمل في السعودية عام 1978 ولم أمكث غير عام واحد، كان من النادر أن يذيع التلفزيون شيئا من هذا، رغم توافر شرائط التسجيل في المحلات. كان أكثر من يشتري هذه الشرائط الغرباء وكنت منهم، لكن أهل البلد باستثناء البعض من الشباب في السر، كانوا يرون أن الغناء حرام، خاصة غناء النساء، وقد استمر هذا طويلا . ظهر في السعودية مطربون وموسيقيون مثل محمد عبده وعبادي الجوهر وطلال مداح عرفناهم في مصر في حفلاتهم هناك، أو هنا أو في أي مكان، لكن لم تظهر مغنية هناك، ولا بد أن هذا سيحدث.
وظهر في مصر فنانون بعد جيل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وبعد هاني شاكر، وكانت الإذاعة والتلفزيون تتابعهم، ثم قلت المتابعة وغابوا عن الفضاء الإذاعي، لكن لم يغيبوا عنا أو عن غيرنا بفضل السوشيال ميديا، فاسماؤهم منقوشة على حجر الجَمال بأصواتهم النادرة. منذ الثمانينيات عرفنا وعرفت الأجيال الجديدة أصوات محمد منير ومدحت صالح ومحمد ثروت وعلي الحجار وآمال ماهر، حتى وصلنا إلى انغام ومي فاروق وشيرين وغيرهم، فهل حين تحتفي السعودية بهم يعد ذلك إغراء ماديا، وهل حين يوافقون يكونوا يبحثون عن المال، وهو حقهم في كل وقت.

يقف الكثيرون عند ثناء الفنانين على تركي آل الشيخ مسؤول هيئة الترفيه في السعودية، ويلومونهم لا أدري لماذا، ويصورون ذلك على أنه نوع من التقرب بغواية المال، ولا يقفون عند شيء بسيط جدا، وهو المجاملة المصرية اللطيفة، فماذا يمكن أن تفعل لمن يحتفي بك، غير شيء من الشكر والعرفان.

يقف الكثيرون عند ثناء الفنانين على تركي آل الشيخ مسؤول هيئة الترفيه في السعودية، ويلومونهم لا أدري لماذا، ويصورون ذلك على أنه نوع من التقرب بغواية المال، ولا يقفون عند شيء بسيط جدا، وهو المجاملة المصرية اللطيفة، فماذا يمكن أن تفعل لمن يحتفي بك، غير شيء من الشكر والعرفان. هم ليسوا غائبين ليشعروا بالعرفان، لكن الشخصية الطبيعية ترد الجميل ولو ببعض الكلمات، فأين هي المشكلة؟ ثم إن الحفلات التي يقيمها إذا كان يبدو فيها البذخ في استضافة أعداد كثيرة، وتهيئة المكان، فهذا طبيعي جدا في بلد صار يرصد للفن كثيرا جدا من الأموال. لن يكون سؤالي لماذا لا نفعل نحن ذلك، لأن الرد سيكون «نحن فقراء أوي!» لكن هل يمنع الفقر إذاعة حفلات الأوبرا أو وزارة الثقافة. لقد احتفلت هيئة الترفيه مثلا بالموسيقار الكبير هاني شنودة، الذي لخص الأمر في مقولة «أنا ابن مصر» وهو مؤكد شعور جميع من احتفلوا بهم حتى لو لم يقولوه، وإذا كان أحدهم قد مدح المملكة السعودية، فهذا عادي جدا، فنحن نمدح كل الدول العربية ولا نرى فارقا بيننا وبينها. لا يعني هذا نكرانا لوطننا. تجد البعض يتحدث أن محمد منير، كبر في السن ويعيب عليه ذهابه، ولا يفكر أن منير او غيره، رأى في الذهاب قوة على الحياة. ولا يفكر أنه في النهاية، ليس ممكنا أن يعجب أي فنان، حتى في عز شبابه، كل الناس. ما أكثر من أحبوا عبد الحليم حافظ، وما أكثر من أحبوا فريد الأطرش، وما أكثر من لم يحبوهما، أو أحبوا واحدا ولم يحبوا الآخر. هذه طبيعة البشر، وطبيعة التلقي للفن، فلا يجمع الناس على كاتب أو فنان مهما باعت سلعته. لقد جاء علينا يوم كان فيه أحمد عدوية يبيع شرائط تسجيل أكثر من عبد الحليم حافظ، وحين احتفت به هيئة الترفيه السعودية فهذا أمر طبيعي. في الفن لا شيء مطلق، وكل شيء يتغير، لكن تظل الأصوات الجميلة عابرة الفضاء، مهما جرى على المجتمع من تراجع إلى الخلف. من الأجيال ما بعد عبد الحيلم حافظ، كانت تجربتي مع أصوات مثل محمد منير ومدحت صالح وعلي الحجار رائعة، أدمنت الاستماع إليهم، ورأيت في صوت كل منهم، وكلمات أغانيه وألحانها، شيئا جديدا رائعا، وهناك غيرهم أحببتهم لكن لم أستطع أن أستمع إلى أكثر من أغنية لهم، وليس هذا عيبا فيهم ولا ميزة وفهم لي، لكن هو التعود على الأصوات القديمة، التي لم أر من يقترب منها، ويجعل له طريقا جميلا مثلهم إلا هؤلاء. الأمر نفسه مع أنغام أو آمال ماهر أو شيرين أو مي فاروق، قد أكون مخطئا، لكنني لا أمنع غيري من الإعجاب بما فاتني ولا ألومه. كان التلفزيون يذيع الحفلات، فكانت فرصتي، فلم أذهب مثلا إلى الأوبرا لسماعهم، ليس لأي سبب غير أن الحفل يُذاع، لكني كنت أذهب إلى الأوبرا لمشاهدة عروض الباليه، رغم أنها أيضا كانت تُنقل من قبل، لكن رؤيتها على المسرح تختلف عن رؤيتها على شاشة لا تتسع مهما كبرت، للحركات التي تملأ الفضاء بالبهجة والمعاني الإنسانية. كذلك فعلت مع الحفلات الموسيقية الخالصة لمنال محيي الدين وعمر خيرت ويحيى خليل وغيرهم كثير. ولولا المتاعب الصحية وقبلها الانشغال لما فاتتني حفلة واحدة. لقد عشت أيضا بين الشيخ أمام وعزة بلبع وعدلي فخري ثم الفرق الشبابية بعد ثورة يناير/كانون الثاني.
وسؤالي الأخير لقد جاء علينا زمن ولا يزال، جعلت فيه الوهابية من الغناء خطيئة، وما أكثر الشيوخ الذين سبّوا عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومشت وراءهم جحافل من الناس، فحين تخلع السعودية رداءها الوهابي، ندخل في الحديث بلا معنى عن بعض الحاضرين من الفنانين المصريين، ولا نفكر أن نعود لردائنا القديم، حين كانت مصر حاضنة الدنيا، ولدينا المسارح والأوبرا والقنوات التلفزيونية؟

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية