يبدو العنوان مركّبا تركيبا غير متناسب بين صفة تنسب عادة إلى رفعة الأخلاق، واسم هو عنوان لكسرها وهدرها على قارعة الكلام. هذا الإقرار بعدم التناسب يخفي لدى أصحابه تفكيرا قائما على الثنائيّة، لا على الاسترسال.
التفكير الثنائيّ شأن التفكير التقليدي لقرون هو الذي يجعل الحلال مقابلا للحرام والحسن مقابلا للقبح ودماثة الأخلاق مقابلة للوقاحة، لكنّ التفكير الجديد يقول بالاسترسال Continuum بمعنى أنّ هناك مسافة بين معنى موجب وآخر سالب تتدرج بينهما المعاني التي هي أقل سلبا أو أقلّ إيجابا، فالليل لا يصبح نهارا إلاّ بشيء من الاسترسال ترقّ فيه الظلمة، وتضعف وتبدأ تباشير النور شيئا فشيئا إلى أن نصبح في واضحة النهارن كذلك الشأن في الكلام فإنّه لا يقف في ضوء فكرة المسترسل على طرفي نقيض: كلام حلو عذب وكلام مرّ أجاج، الكلام ككلّ شيء في هذه الحياة مسترسل أي فيه امتداد كامتداد ألوان قوس قزح، إذ تنكسر فيه الألوان شيئا فشيئا إلى أن تذوب في غيرها. ليس في الكلام تقابل بين لطف ودماثة وشدّة ووقاحة، بل فيه ضرب من التدريج الذي يمكن أن توجد في درجاته دماثة في الكلام الوقح ووقاحة في الكلام الدمث.
تعني الدماثة في اللغة سهولة الطبع ومرونته، ويبدو أنّ هذا المعنى المجازي قد تطوّر عن المعنى الحقيقي الذي يعني ترطيب شيء شديد حتى يلين؛ فهو ضرب من تهذيب الشيء الشديد وتشذيبه، وفي الحديث يُمكن للمرء أن يُلطّف الكلام لغاية فيكون التلطيف تمهيدا لطلب، أو لإبداء رفض لكن بشكل مليّن. ومثلما يُدَمّثُ المضجع حتى يلين للنائم عليه، كذلك الكلام يدمّث حتى يلين وتقبله النفوس؛ فالتدميث في الكلام سياسة يراد بها حسن أخذ السامع المهتاج إلى رياض النفوس أو أخذه باللين حبا فيه وتيسيرا له وربّما عنى ذلك أيضا كيّا بالبارد وقتل السامع صبرا: قتله عِرْقًا عِرْقًا كما نقول اليوم في تونس.
ليس التعامل اليومي بالخطاب يسيرا ولا عسيرا، هو تعامل يمرّ عبر المجاري التي ربّما يسرت مروره وسيلانه، وربّما عطلته وأربكت التواصل به. وجُبِل الإنسان على أن ينوّع الكلام ويراعي إنشاءه وتركيبيه وفق مقتضيات المقام النفسية والاجتماعية والثقافية وقد يحتاج المرء أن يدمّث الكلام تحت ضغط الحاجة بمعنى أنّه يجنح عن منوال عاديّ في الكلام إلى ضرب من التهذيب والتحسين لحاجة معيّنة، ففي إدارة من إدارات عالم ممكن لا تحكمه الأمزجة ولا القوانين، لا يمكن لطالب وثيقة مستعجلة أن يستعمل خطابا عاديّا قانونيّا، بل يميل إلى ضرب من التلطيف المبالغ فيه أحيانا حتى يحصل عليها، بل إنّه ربّما دمّث الخطاب فرارا من عجرفة الخطاب المستفزّ في إدارة ذلك العالم الممكن.
اللين في الكلام يبدو اختيارا، لكنّه في الأصل يقع تحت ضغط براغماتي. وتقتضي هذه الطريقة أن يقف المتكلم في موضع ليس هو الموضع الأصلي الاعتيادي الذي يناسب الكلام، بل يغيّر موضعه، بحيث يرى الوضعيّة التي يصفها بشكل لا تعسير فيها، فعلى سبيل المثال فإنّ الاعتذار يمكن أن يحضر فيه شكل من أشكال التدميث في الخطاب والتليين فيه؛ فعبارة (أعتذر منك) هي عبارة تبني بناء وضعيّة عاديّة لا يختارها المتكلم، هي تبني عالما مألوفا لكنّها عبارة قد لا تلاقي لدى المعتذر منه قبولا، فلن يقول (قبلت اعتذارك، أو لا عليك أو لا تهتمّ) أو غيرها من العبارات الدالة على قبول العذر قبولا عاديّا، أو لنقل طرازيا في كلام الناس اليومي. تليين الخطاب في الاعتذار يمكن أن يكون من نوع زيادة عبارات لا حياد فيها قد تذكّر بنوع العلاقة قديما (خليلي، روحي، حبيبي..) وهذه زيادة لا تمسّ القضيّة (أي الجملة) بل أطرافها أو محيطها الكلامي الذي يراد منه أن يصنع تطريزا.
في خطاب الوقاحة يسير الاستدلال مع الموضوع والشخص الذاتي مع الشخص القائل الاجتماعي: أنا أتحداك إن كنت ستردّ عليّ إن رددت هزمتك، وإن سكتّ هزمتك.
وعلى طرف آخر من المسترسل تقع الوقاحة وهي ضرب من السلوك القولي أو الفعلي، يهدف إلى كسر نظام علاقات رتيبة عادة ما تحكمها المواضعات الاجتماعية والنفسية والثقافية. كسر المألوف يمثّل عنفا في ذاته يسمّى ثورة، وكسره بالكلام يمكن أن يوسم أخلاقيّا ومن وجهة من انتُهِكَ حقّه الذي تضمنه العلاقة الرتيبة، وقاحة، لكنّ الوقاحة يمكن أن تكون تسمية جماعيّة لا فرديّة فالردّ العنيف من ابن على أبيه هو ضرب من الوقاحة في الثقافة الإنسانية، وعدم قبول الاعتذار من أمّ تحاملت على نفسها كي تعتذر من ابنتها وتعرف البنت أنّ الذنب بسيط وتردّ على الاعتذار بعنف، هو أيضا ضرب من الوقاحة المتواضع عليها.
لكنّ ما يجمع بين التدميث والوقاحة، أنّ في كليهما ضربا من «التطرف» إذا ما قيسا إلى الخطاب العاديّ: التدميث خطاب متطرّف لأنّه واقع بعيدا عن الكلام العاديّ، لكن في طرف موجب بينما الوقاحة تقع في الطرف السلبي المقابل، ثمّ إنّ الجامع بين الاثنين هو أنّ كليهما يكسر قاعدة من قواعد «غرايس»Grice في الكلام، وهي المناسبة، التي تعني أنّ المتكلم يعمد إلى كلام مفيد ليس فيه تكسير للمألوف، فيسهل عليه الاستنتاج منه وبناء الدلالة المقصودة. يحدث تكسير المناسبة في الوقاحة بأن تصبح الرسالة مكسرة لمقامها، لأنّها بدلا من أن تكون قولا مناسبا لمقامها تكون أعتى منه.
في خطاب الدماثة تتكسر المناسبة بأن ينقلب خطاب الاعتذار مثلا إلى تقريع للنفس، وتقزيم لها فتتولد مع الاعتذار استنتاجات لا تتعلق بالموضوع فقط، وهو الاعتذار، بل بطبيعة الشخص المعتذر المختلفة عن الشخص المعتذر منه، ويصبح لدينا ضربان من الخطابات المتقارنة بينهما استدلال: أنا أعتذر لأنّي أسأت التصرف، وأنا أسأت التصرف لأني شخص غير سويّ، عليك أنت أن تقبل اعتذاري لأنك شخص سويّ، بل قادر على المسامحة لأنك الأفضل.
في خطاب الوقاحة يسير الاستدلال مع الموضوع والشخص الذاتي مع الشخص القائل الاجتماعي: أنا أتحداك إن كنت ستردّ عليّ إن رددت هزمتك، وإن سكتّ هزمتك. الدماثة الوقحة هي تسمية لضرب من الكلام يقع في منزلة بين المنزلتين فهو في الظاهر دماثة وفي المقتضى والضمني وقاحة، حين يقول لزوجه توأم روحه في سياق اعتذار: «لم كلّ هذا الغضب: أنا لم أخنك» وتجيبه: «لا عليك يا حبيبي ، لما تقول ذلك: هل نحن زوجان؟» فإنّ قولها يجمع بين مقدمة واستنتاج من جنس المقدمة جاء في شكل سؤال. المقدمة فيها تدميث كأنّه يقبل الاعتذار بهدم شرعيّته: (لا عليك يا حبيبي) يفهم منها في تأسيس الكلام وقبل الثورة عليه على أنّها قبول جذريّ للعذر بالإيهام بأنّه لا حاجة إلى الاعتذار من أصله، هذه دماثة وتلطيف للموقف لكنّ الكلام وبدلا من أن يسير إلى نتيجة مناسبة للتأسيس انتهى إلى قلب لموازين الكلام: إلى التشكيك في علاقة الزواج الشرعية. هذا ضرب من الكلام جمع بين الدماثة والوقاحة جمعا فيه مزج وخلط بين الأمرين. لأفترض أنّ من يطلب منه الاعتذار في هذا السياق لا يريد أن يسامح، ويريد في الآن نفسه أن يبيّن أنّ طالب الاعتذار رجل ناقص كما ادّعى، لكنّ نقصه لم يكتشف إلاّ بعد أن أذنب عندئذ يمكن أن ينخرط الخطاب في موجتي كلام موجة الوقاحة بشكل ضمني تري المعتذر أخطاءه ولا تراعي مقام الاحترام ولا مقام الاعتذار، ولا العلاقات الجيدة التي كانت تربط بين الطرفين، الدماثة الوقحة استعملت خطابا ظاهره تلطيف ودواء وباطنه تقريع وإيذاء.
لم نكن إزاء تقييم للكلام يفضي إلى أيّ شكل من أشكال البلاغة القديمة، فليس في الأمر لا مدح بما يشبه الذمّ ولا أسلوب حكيم، هذا نسق من الكلام يقرأ خارج الأنساق البلاغيّة القديمة في ثقافة أدواتها الحربية أكثر إيلاما من أدوات الحرب التقليدية.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية