ذاكرة الحياة

حجم الخط
3

في الرابعة من بعد ظهر السبت 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري، احتفلت قرية معلول الجليلية بذاكرتها عبر افتتاح أفلام «مهرجان 48 ملم» الذي تنظمه جمعية «ذاكرات» (زوخروت). المهرجان الذي يكرّم المخرج الفلسطيني ميشال خليفي، قرر أن يبدأ عروضه بفيلم تسجيلي أخرجه خليــــفي عام 1985 تحت عنوان «معلول تحتفل بدمارها». المفاجأة أن الفيلم عرض في الكنيسة الأرثوذكسية في القرية المدمرة، معلناً عودة الصورة إلى أرضها. كأن عودة الفيلم إلى قريته هي استعارة لحق العودة الذي سيبقى حياً ولن يموت.
سبق لي أن شاهدت الفيلم أكثر من مرة، فقد عُرض في أوائل تسعينيات القرن الماضي في «مسرح بيروت»، واستمرت عروضه التي كان آخرها العرض الذي قدمته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت في الشهر الماضي. هذا الفيلم القصير هو أحد أجمل الأفلام الفلسطينية. فخليفي، النصراوي، التقط في أفلامه بدءاً من «الذاكرة الخصبة»، نبض الألم الفلسطيني، وكان همه هو الاحتفاء بالحياة، لأن ذاكرة الألم هي جزء من آليات البقاء كأحد أشكال مقاومة الفلسطينيين لنكبتهم المستمرة.
عرض الكنيسة الذي جرى منذ أيام مختلف عن كل العروض السابقة لهذا الفيلم الرائع. أستطيع أن أتخيل كيف استعادت الصورة علاقتها بأرضها، وكيف استعاد سكان القرية الفلسطينية الذين طردوا من قريتهم يوم 15 تموز/يوليو عام 1948، أرضهم بشكل رمزي، وأعادوا حكاياتهم إلى مكانها المدمّر. أهل معلول الذين أقاموا، بعد طردهم، في قرية يافة الناصرة المجاورة أو في مدينة الناصرة، احتفلوا بالأمس بالعودة الرمزية وليس بالدمار، وهنا تكمن أهمية الثقافة الفلسطينية التي شكّلت وعاءً للوعي، وكان عليها أن تكون مقدمة لاستعادة اللغة عبر سدّ فجوات الفراغ بالكلمات والصور.
حكاية الفيلم بسيطة ومشحونة بالدلالات، ففي زمن الحكم العسكري، الذي فُرض بين عامي 1948 و1966على الفلسطينيين الذين بقوا في بلدهم، لم يكن يسمح «للحاضرين الغائبين» بزيارة قراهم المدمّرة التي صودرت أراضيها إلا في يوم واحد في السنة. ففي ذكرى «استقلال إسرائيل»، أي في ذكرى النكبة، كان هذا المنع يُرفع ليوم واحد. وفي ذلك اليوم كان أهل معلول يعودون إلى خرائب قريتهم كي يحتفلوا مع أولادهم وأحفادهم بذاكرة الألم.
التقط خليفي هذه اللحظة وبنى منها شعرية الصورة، معلناً ولادة السينما الفلسطينية الجديدة من رحم الشعر، وأخذنا إلى القرية مع أهلها الذين تحلّقوا حول لوحة زيتية رسمت تفاصيل المكان الغائب، ثم مشينا مع الناس وسط ما تبقى من الركام. العلاقة بين الصورة والكلام صنعت معجزة إعادة بناء القرية. نمشي وسط الخرائب، لكن الحكايات التي كان يرويها أهل القرية جعلت الحجارة تنهض وتصير حيطاناً للبيوت، فرأينا البيوت التي أعاد الكلام بناءها من جديد.
استنبط خليفي ما يمكن أن نطلق عليه اسم حاضر الذاكرة. أخذنا الفيلم إلى الحاضر الذي يرتطم بذاكرته. لحظات المشي وسط خرائب القرية هي ذاكرة الحاضر وليست ذاكرة الماضي، كما أن عرض الفيلم في القرية نفسها، التي لم يتبق منها سوى الكنيسة التي رُممت سنة 2015، أعاد الحكاية إلى «بئرها الأولى»، حسب تعبير جبرا إبراهيم جبرا.
استعادة أفلام ميشال خليفي في «مهرجان 48 ملم»، مناسبة للعودة إلى بدايات السينما الحديثة في فلسطين. فخليفي الذي ولد في الناصرة لأسرة كادحة، وذهب إلى بروكسل لدراسة المسرح والسينما حيث يقيم ويعمل، استطاع أن يؤسس للصورة السينمائية التي جاءت كمكمّل للتجربة الثقافية التي بنت من خلال الشعر والرواية اللغة الفنية الطالعة من آلام النكبة وجراحها.
من «عرس الجليل» إلى «الطريق 181»، مع إيال سيفان، نحن أمام تجربة فنية مثيرة اتخذت أشكالاً متعددة في أفلام روائية وتسجيلية، وصولاً إلى فيلمه الأخير «زنديق»، وهي تجربة لا يمكن فهمها إلا داخل السؤال الفلسطيني حول البقاء ومشروع بناء المقاومة الثقافية التي ترسم إطار هذا البقاء داخل تاريخ شعب يصنع تاريخه وسط الركام.
أعود إلى معلول، وإلى فيلمها: فالقرية سقطت في عملية ديكل، وخاض أهلها قبل النكبة معارك كبيرة مع مالكها من آل سرسق، الذي باع أغلب أراضيها إلى الصندوق القومي اليهودي في غفلة من فلاحيها. وبعد طرد السكان جاءت الجرافات لتسوي القرية بالأرض كي تمنع عودة سكانها إليها، وزُرعت القرية بالصنوبر من أجل محو معالمها. أما العرض السينمائي في كنيستها فقد أعاد الدمار إلى دلالاته، فأهل معلول ومعهم كل الفلسطينيات والفلسطينيين ببقائهم وذاكرة الحياة التي تصنع حياتهم، يذكّرون من فقد ذاكرته من عرب هذه اللحظة المنقلبة بأن الحق هو الحقيقة، وبأن مآسي الفلسطينيين المهجّرين والمنفيين هي جزء من مآسي المنافي العربية التي جعلت من أوطاننا منافي لنا.
شكراً لجمعية «ذاكرات» (زوخروت) لأنها صنعت بجرأتها هذا الحدث الفني والسياسي الكبير والفريد.
وتحية إلى ميشال خليفي، الصديق الذي رسم بأفلامه أفق الحقيقة والشجاعة.
،

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية