الرباط – «القدس العربي»: قامت الدنيا ولم تقعد في المغرب، بعد تداول خبر حكم الإفراغ الذي صدر في حق أسرة ميكري الفنية، من مسكنها الذي تقطنه في حي الأوداية في العاصمة الرباط.
لم يكن الحكم وحده ما أثار زوبعة من ردود الفعل والتعليقات والمقالات والتغطيات المصورة التي سارعت إليها المنابر الإعلامية المغربية، ومعها صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى قيام سلطات تنفيذ القانون بزيارة للمنزل التاريخي وتبليغ الحكم الصادر والشروع في تنفيذه.
توالت الفيديوهات الموثقة للحظات انهيار الفنان نصر ميكري نجل الراحل حسن أحد مؤسسي مجموعة «الإخوان ميكري» في ستينيات القرن الماضي، وبالضبط عام 1962. كما توالت التعليقات والتدوينات المتضامنة مع الأسرة الفنية في محنة إفراغ مسكن يعتبر ذاكرة موسيقية بكل المقاييس.
في ذلك البيت الذي قد يصبح مجرد بناية أخرى فارغة الروح، كان ميلاد أجمل وأبهى الأغاني التي أبدعها محمود ويونس وحسن ومعهم شقيقتهم الوحيدة جليلة، من ذلك البيت خرجت إلى المغرب والعالم موجة ناعمة وهادئة من أغاني البوب بشكل مغربي منقح ومنسم بعطر العالمية.
كانوا عبارة عن ثورة حقيقية في الموسيقى المغربية والعربية ساعتها، أعلنوا للجميع انتصارهم للنغم والكلمة الرصينة والرومانسية الفنية التي ألهمت ذاكرة أجيال وليس جيلا واحدا فقط، فإلى اليوم ما زالت أغانيهم وأصوات محمود ويونس تصدح في أذن جيل جديد يكتشف أن من سبقهم بنى أرضا صلبة لمن لحق من عشاق الموسيقى.
الحكاية قد تبدو بسيطة من وجهة نظر القانون، هذا الأخير لا عواطف لديه، كما أنه لا يعترف بالذاكرة بقدر اعترافه بالدليل الدامغ، فالمسكن الذي احتضن تجربة رائدة في الموسيقى المغربية لأكثر من 50 عاما، هو مجرد مسكن مكترى وأصحابه باعوه إلى مالك أو مالكة جديدة، وكانت بداية الحكاية مع الإفراغ والدخول إلى المحاكم والنهاية يعرفها الجميع هي قرار الإفراغ والعمل على تنفيذه.
قد تكون المقاربة بعيدة الزمن إن قلنا إن القضية شبيهة ببيع المنزل الذي نسب لابن خلدون في فاس، لكن رغم البعد الزماني بين عصر المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون وبين الإخوان ميكري، إلا أن المجاورة في الفكرة وروح القضية يبقى ممكنا بل جائزا، فالذاكرة الإبداعية والعلمية والمعرفية هي نفسها، وروح مرحلة بكاملها تسكن في منزل ميكري وليس فقط عطاؤهم الموسيقي، هي تجربة تحتضنها الجدران ويغطيها السقف وتتنفسها نوافذ المنزل العتيق.
قبل سنوات انفك عقد الإخوان ميكري برحيل حسن، وبقي محمود ببحته العميقة ويونس بروعته المستمرة يواصلان المسير في درب الإبداع بكل إصرار وإلى جانبهما نجل الراحل حسن، الذي أطلق العنان لموهبته واستمد قبس تألقه من شعلة والده وأعمامه. نصر ميكري الذي برز خلال السنوات الأخيرة وتمكن من أن يحجز له مكانا ضمن صفوة الفنانين المغاربة ليس بالاعتماد على موروث مجموعة الإخوان ميكري فقط، بل حتى من خلال رغبته في أن يضيف تجربة جديدة لتجربة مستمرة منذ الستينيات. الحقيقة أن مد التضامن مع أسرة ميكري كان كبيرا وهائلا ويدعو إلى الإعجاب والوقوف باحترام للذاكرة الفنية المغربية، وخير دليل على ذلك هو الكم الهائل من التدوينات والتعليقات المرافقة لها في مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك عن تحول البيت المعني بحكم الإفراغ إلى قبلة الصحافة المغربية، تصريحات تلو الاخرى وتغطيات تسابق الزمن والأخبار تتوالى بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، ولعل أبرز هذه اللحظات هي انهيار نصر ميكري أمام الكاميرا وهو يمسك القيثارة ويبكي ويتأمل جدران المنزل العتيق الذي يكاد يضيع من ذاكرة جماعية للمغاربة وليس من ذاكرة أسرة واحدة فقط. ليس هناك سر في هذا الاهتمام الكبير، فالإخوة ميكري يستحقون ذلك بكل تأكيد، وما تركوها للأجيال المتتالية في المغرب يعد بحق ثروة يجب الحفاظ عليها من الضياع، وكنز يحتاج إلى العناية والرعاية، كما يحتاج ذلك البيت أن يظل مرتبطا باسم من صنعوا جزءا من التاريخ موسيقيا، لا أن يتحول إلى مجرد بناية اخرى خاوية من أنفاس التميز، لذلك أول ما يتبادر إلى الذهن أن يتحول ذلك البيت العتيق والأصيل إلى متحف ربما بعد مدة، حتى يكون حاضنا لتجربة رائدة في الموسيقي المغربية.
وللتدليل على أهمية هذه التجربة، يكفي أن نقول إن أغاني يونس ومحمود كانت محط إعجاب عالمي، حتى أن مقطوعة «ليلي طويل» تم غناؤها من طرف فرقة أوروبية وبالعربية أو بالأصح بالدارجة المغربية، ونالت الكثير من التجاوب شرقا وغربا، ولن ننسى باقي الأغاني التي ألهمت جيلا بكامله، وما زالت تفتح بوابة شاسعة للعابرين الراغبين في دخول تاريخ الموسيقى في المغرب.
أمام هذه المحنة التي تدخل في باب تطبيق القانون، يبقى الامل معقودا على تدخل من طرف المسؤولين في المغرب حتى يحولوا دون تنفيذ حكم الإفراغ، الذي لا علاقة له بإفراغ مستأجر من منزل، بل هو إفراغ ذاكرة ومرحلة وتجربة من حضنها الأم.