ذباب خاشقجي يحوم حول لقمان سليم… كيف يدافع «اتحاد الصحافيين» عن مذيعة معتقلة… وأيمن رضا حين يهاجم

حجم الخط
5

لن يضيف الفيلم الوثائقي «المنشقّ» من إخراج الأمريكي بريان فوغل، جديداً يذكر لمعلومات متابعي جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، على أهميته كعمل وثائقي متكامل عن الجريمة، لكن لا يمكن لمُشاهده ألّا يصاب بالذعر مجدداً؛ من هول الجريمة مرة، ومن هول محاولات إخفائها وتمويهها وتضليل الجمهور مرات. يستحيل أن تخرج من الفيلم من دون أن يعلق ذباب الكتروني برأسك. لا يصدّق حجم ذلك الجيش الموظف لتبديد الحقائق على مواقع التواصل الاجتماعي. الفيلم نفسه لم يسْلَم من جحافل الذباب، تلك التي حرمتْه حتى من تقييم لائق على المنصات السينمائية الاختصاصية، كما حرمتْه ضغوطات من العرض على كبرى منصات العرض كما كان مأمولاً.

جهد من التضليل وتمييع الجريمة يبذل اليوم إزاء الاغتيال المروّع للقمان سليم. إن عمارة هائلة من التزوير والاتهام بالعمالة بنيتْ بصبر على مدى السنوات السابقة للاغتيال!

جهد مماثل في التضليل وتمييع الجريمة يبذل اليوم إزاء الاغتيال المروّع للباحث والناشط اللبناني لقمان سليم، بل يمكن القول إن عمارة هائلة من التزوير والاتهام بالعمالة بنيتْ بصبر على مدى السنوات السابقة للاغتيال، وكان الرجل قد سمّى في بيان معروف ومتداول قاتليه بالاسم. كل ذلك بات معروفاً، إنما ما نجده أقسى يصدر اليوم من أناس يدينون الجريمة، لكن بلغة هي أقرب إلى القتل، الإلغاء، التبرير، تماماً كما حدث إزاء جريمة خاشقجي، عندما تبارى بعض نعاته باستخدام عبارة «على الرغم من» التي يليها ما شئت من أوصاف. تصوّر مثلاً أن تكون في خيمة عزاء الرجل (خاشقجي أو سليم) لتقول لذويه: «خالص العزاء على الرغم من أنني أختلف معه في مسألة تعدد الزوجات» أو «رحمه الله مع أنه كان عميلاً أمريكياً» أو «اغتيال لقمان سليم مدان مع أنه خصم فكري وسياسي» كيف يمكن لأي كائن مفكر أن يعيش يوميات حياته مسمّياً كل من لا ينتمي إلى أفكاره خصماً! مع أن الرجل لا يلوي إلا على الكتابة والقول والنشر والسينما والأرشفة، أليس في استخدام الكلمة نفسها «الخصم» تحضير لإلغائه، أو الانتصار عليه، وربما قتله؟
قد يكون الكلام صادراً عن أبرياء لا يقصدون تماماً كلماتهم، لعله حصيلة حروب أهلية وأمراض عقائدية وهويات قاتلة ليس بوسعها أن ترى في الآخر سوى خصم لها، لا مواطن وشريك عيش.
كلمات قد تتحوّل إلى نوع من الذباب، أو في خدمته.

سجون متلاصقة

بدا رئيس «اتحاد الصحافيين» في سوريا، وهو يتحدث لإذاعة «المدينة» السورية الخاصة بصدد اعتقال المذيعة هالة الجرف، بلا حول ولا قوة، كأنما جاء فقط ليؤكد نبأ توقيف الإعلامية السورية، وانتهاء التحقيق معها حول كتاباتها على مواقع التواصل الاجتماعي. لا اعتراض من قبله على حكم الأجهزة الأمنية، ولا جدال حول فحوى ما كتبت زميلته، وإن كان هناك ما يستحق فعلاً ما تسجن لأجله.

ليس لدى رئيس «اتحاد الصحفيين» في سوريا ما يقوله سوى تكرار ما تشيعه الجهات الأمنية بأن مذيعة التلفزيون ارتكبت مخالفة واضحة!

راح موسى عبدالنور، وهذا هو اسم رئيس الاتحاد، يكرر تقريباً عبارة واحدة: «تقول الجهات المعنية إن هناك مخالفة واضحة»! ولكن ماذا عنك؟ ماذا تعتقد؟ ما هو رأي اتحادك؟
لا جواب، ما بالربع من أحد، وهذا أمر متوقع في سوريا الأسد.
في العام 2000 صدر قرار (من وزير الاعلام محمد سلمان آنذاك) بنقل الصحافي عدنان علي من جريدة «الثورة» في دمشق إلى جريدة «الفداء» في مدينة حماه (وسط سوريا) عقاباً له على مقال كتبه «في جريدة «النهار» اللبنانية فيها نقد للإعلام السوري الحكومي» حسب ما كتب الصحافي علي لاحقاً عن التجربة، الذي قال: «راجعتُ وقتها رئيس اتحاد الصحافيين الدكتور صابر فلحوط بأن القرار تعسفي، وينبغي على الاتحاد مساندتي، لكن الدكتور فلحوط هون علي الأمر، وقال إن حماه مدينة جميلة، ويمكنني أن أستمتع هناك بالجبنة الحموية ونواعير حماه، وفهمت أنه لا ينوي التدخل بالأمر».
بالقياس إلى حادثة العام 2000 يبدو عبدالنور متقدماً في أدائه على سابقه فلحوط، فهو على الأقل كلّف نفسه عناء الزيارة ومتابعة مجريات التحقيق!
إذا عدنا إلى الحديث الإذاعي، ستجد المذيع (باسل محرز) يبذل جهداً في محاورة رئيس الاتحاد، كما لو أنه صاحب قرار فعلاً! لكن يبدو أن هذه الجدية في طرح السؤال، في النقاش، وفي انتظار جواب مقنع جزء من التمثيلية الكبرى بأن هناك بلداً فيه مؤسسات ونقابات، صحف، وإذاعات.. لا «سجون متلاصقة، سجان يمسك سجان».

عزت العلايلي

لا جدال في أن شيئاً لا يغيّر في تقييم موهبة مبدع، شاعراً كان أو ممثلاً أو سواهما، تماماً كما لم يبدّل مديح حاكم أو لهاث خلف إمارة من شعرية العديد من شعراء العربية، وإن تحدثنا عن شعراء معاصرين يمكن القول إن مديح الشاعر العراقي سعدي يوسف لمعمر القذافي، مشبهاً إياه بعمر المختار في قصيدة تحاكي مرثية أحمد شوقي الشهيرة: «ركزوا رُفاتَكَ…» لا ينقص من شعريته، بل من موقفه كإنسان.

إن شيئاً لا يغيّر في تقييم موهبة مبدع، شاعراً كان أو ممثلاً أو سواهما، تماماً كما لم يبدّل مديح حاكم أو لهاث خلف إمارة من شعرية العديد من شعراء العربية.. لكن للناس الحق في عدم احترام موقفه من قضايا الناس

كذلك الأمر عند النظر إلى الممثل المصري عزت العلايلي الراحل أخيراً، إذ يأسف المرء أن يقف فنان مؤثر يحتل مكانة رفيعة في ذاكرة الناس مع عبدالفتاح السيسي، فهو يقول في مقابلة صحافية عن ثورة 25 يناير/ كانون الثاني: «إذا كان لها من إيجابية، فهي أن الأحداث التي تلتْها قادت إلى تولي مسؤولية مصر قائد وطني مخلص اسمه عبد الفتاح السيسي». لا يخطئ العلايلي في موقفه من السيسي وحسب، وإنما أيضاً في إساءته لنضالات المصريين.

أيمن رضا

مانشيت صحافي عريض ينقل عن الممثل السوري أيمن رضا قوله: «اللبنانيون يسرقون الشعب السوري، ولولانا لما نجح نجومهم» وفي الخبر أن رضا تحدث عن أن «شهرة الممثل اللبناني هي بفضل الدراما السورية» وأن «ثلاثة أرباع اللبنانيين هم سوريون».
لا يرمي كلام الفنان السوري (العراقي الأصل) إلى تشريح العلاقات بين البلدين وتصويبها، إنما هو كلام يعزف على أوتار العنصرية المتبادلة عند البعض هنا أو هناك. كذلك لا يمكن النظر إلى كلام فنان بارز من وزن رضا، دخل ميدان الإنتاج التلفزيوني أخيراً، على أنه مجرد ثرثرة، فعندما يصل إلى عبارة «بالنسبة إلنا كل مصرياتهم التي في البنوك هي من سوريا» (الواردة في خطاب لبشار الأسد، وهي تفسيره الخاص لجوع المواطن السوري) تعرف أن كلامه ليس سوى انعكاس لنظريات يسمعها الفنانون فوق، في مكاتب الأجهزة.

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية