ذكرى المورسيكي العائد/ ذكرى عيد الشعر في مرسية
حصاة النهر
سنطوفُ معا بالبيتْ
كم كان سخيّا
بيت طفولتنا في مرسيةَ
نخبِطُ في حجرات خاليةٍ
نشحذُ شيئا
كان لنا في البدءِ
(أكان حصاة النهرِ؟)
ونرجع ثانيةً
والشيب علا فَوديْنا
منتظريْن.. على ضوء الموتْ
أن نبصره يتوهّجُ
في ليل البيتْ
***
لحصاةِ النّهرِ إذنْ
أن تحفظ، في قرطاجنَّة، أو في مُرسيَةَ
ذِكْرى الماءْ
ولنا، نحْنُ المورسكيّينَ المطرودينَ
من البيتِ
نشيجُ أبي عبد اللهِ
يطوفُ بنا طولَ اللّيلِ
فلا نحن ظَفِرْنَا بحصاةِ النَّهرِ
ولا نحنُ استرجعنا رائحة الخبزِ
على مجرفةِ الصّندلِ.. أو حتّى طعم نبيذٍ
أندلسيٍّ.. عَتَّقَهُ عبد الرّحمن الثّاني.. في الأقباءْ
فسيفساء إيقاعيّة: هي / هو
هي:
الليل؟
هو:
امرأةٌ حبلى بالشمس
هي:
الليل في مرسيةٍ؟
هو:
طفولة النهار
هي:
الآبَنُوس؟
(ألمْ تقلْ.. يفتح ليل الآبَنُوس؟)
هو:
صنوبرٌ يزكو بثمرة العنبْ
هي:
الفجرُ؟
هو:
ظلٌّ ورماد
هي:
الجزيرةْ؟
هو:
حلم بحرٍ ثمل بالماء
هي:
البحر إذن؟
هو:
الراء جرْس الماء يجري بين بينْ
هي:حسنٌ! والباء؟ (كانت شفتي تسأله وردتها)
هو:
صَدَفٌ منفتحٌ حينا
وحينا حجر منغلقٌ
هي:
الحاء؟
هو:
ليلُ البحرِ يَطوي ليلَهُ
هي:
الحرْفُ؟
هو:
ظلّ الصوتِ… أو قوسُ الصدى
هي:
الإسمُ؟
هو:
حلْمُ الحرف
هي:
الصّورةُ؟
هو:
حلم الإسم
هي:
الصحراءُ؟
هو:
ماء
هي:
من ترى يسبحُ فيه؟
هو:
عطشي
هي:
La puerta Falsa
هو:
بابُكِ الخاطئُ… لوْ أبْلُغُهُ
هي:
مُرْسِيَةٌ؟
هو:
حَسْرَةُ النّبعِ الذي يخذله الماءُ
فلا يستكملُ المجرى إلى وردتِهِ
هي:
القيروانْ؟
هو:
زمنٌ يشْبهُني
هي:
وردة الصحراء؟
هو:
أنتِ
هي:
ماذا يُسِرّ الحبرُ للبياض؟
هو:
اللغةَ الخرساء
هي:
ما تجهل الحروفُ… المرأةُ؟
هو:
أرضُ ما وراء الليل
هي:
أيضا؟
هو:
شجرةْ
(بعادة حوليّة خضراء)
هي:
الأغصانُ؟
هو:
حبالٌ صوتيّة
هي:
الثمراتُ؟
هو:
حروفٌ تتدلّى
هي:
الظِّلُّ؟
هو:
رمادُ الضوء
هي:
إذن! أيّ بيت لظلّ الملاك الذي
يتنزّل في الليل؟
هو:
أغنيتي
هي:
بِمَ يحلم تمثال لوركا؟
أتذكر حين وقفنا به؟
كان ظلّي إلى ظلّه
هو:
أنْ تحطّ عليه العصافيرُ
حتى يطيرَ بأجنحة من نحاس
هي:
بمَ يحلمُ قوسُ قزحْ؟
كان يرقد كلّ خريف
على كتف الجامع الأغلبي
هو:
أن أعلّق في جرَسٍ منه… في عروةٍ
ظلّ أغنيتي
هي:
ماذا تسأل في هذا الليل الأندلسي؟
هو:
صاعقةً
حتى أشحذ ذاكرة الصحراء
في وردةِ رمل أو في حبّةِ رمل
هي:
أيضا؟
هو:
صاعقةً
فأرى عشبا أبيضَ في زبد الفخذين
هي:
أيضا؟
هو:
صاعقةً
فأرى حصْوةَ ملح سوداء
تتورّدُ في ظلّ النهدين
وأرى ماءً يسهرُ في الماء
هي:
الموتُ؟
هو:
طاقٌ زخرفيٌّ في جدار
نافذةٌ عمياء
هي:
…………
هو:
……….

مرسية / دمشق
ذكرى محيي الدين بن عربي
كان ليل الحديقة في بيته،
يتحدّرُ من قاسيونَ
يورّق منها تُويْجَ المصابيحِ
كانت أزاهيرها بحدائق بابل تحلمُ
أو بحدائق مرسيةٍ
وهو في الموت، مستيقظا، يتعلّمُ
من أوّل الضوءِ
من أوّل الظلِّ
كيف يكون له حجرٌ
يستريح إليه
حصاةٌ من النهرِ
تحفظ ذاكرةَ الماء أو طعمَه
من ينادي عليَّ بصوتي؟ يطوف بصمتي؟
أما كان نطفيَ فيهِ
إذا ما نطقتُ؟
وأحوال نفسيَ فيهِ
إذا ما سكتُّ؟
ألا بدّ من سلّم نرتقي فيهِ
أو سلّم منه ننزلُ؟
سلّمُهُ! صاعدا فيه أو نازلا
ما عرفت له أوّلا
ما عرفت له آخرا
لأقلْ
هذه لغة آن أن تتلامس والأرضَ
أن تتلاقى بها الكلماتُ
كما تتلاقى بصمت المرايا العيونْ
وكأنّ الذي كان بيني وبينك
رجْعُ الجفونْ
* * *
نتعلّم من أول الضوءِ
كيف يكون لنا بيتنا
حيث قوس الصدى يتجاذب والصوتَ
والوحشَ والكهفَ
لي منزل في بساتين مرسيةٍ
منه أمضي إلى حيث تمضي الحياةْ
نتعلّم من أول الظلِّ
كيف يكون لنا بيتنا
حيث لا بئرَ يُلقى بها قمرٌ
غير جثّتنا (منزلي في دمشقَ
ولا بدّ أن أتوقّف يوما به
لكأن الحياةْ
فسحةٌ بين بيتيْن أو بين صمتيْنِ
(ما أضيق البيتَ! ما أوسع الصمتَ)
والموت يأتي ويمضي بلا هيئةٍ
ربّما هو ضوء إذن
ظلّه نحنُ
أو هو صوتٌ
ونحن صداهْ
لكأنّ الحياةْ
فسحةٌ بين موتينِ
أو بين آه.. وآهْ
* * *
ليس إلاّ البساتين
تسحبها الطير من نومها
في دمشقَ
سوى بَرَدَى
وهو يقطعُ ذاكرة َالماء متئدا
(كلُّ ماء كتاب تورّقه الريحُ)
ليس سوى الجامع الأمويِّ
(وأصواتهم تتنادى)
سوى بابِ توما
وأشباحهم لم تكن غير أشجار سروٍ
يقفنَ على حافة النهر منتظراتٍ
سوى شمعةٍ حذو أيقونةٍ
تتقاطر في مائها
لأقلْ
كلّ إسمٍ قناع لأجسادنا
لأقلْ
هو مثلي ومثلك يحيا إذن ويموت
لأقلْ
وحدنا في العشاء الأخيرِ
ننادي علينا بأسمائنا
كاتب تونسي