ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬المتسلّط

حجم الخط
0

تنتابه‭ ‬الحالة‭ ‬كلما‭ ‬جلس‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬ليكتب،‭ ‬يمقت‭ ‬الضجيج،‭ ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬مفروغ‭ ‬منها‭ ‬منذ‭ ‬بدأ‭ ‬يتعلُّم‭ ‬كتابة‭ ‬الأحرف،‭ ‬لكنّه‭ ‬يمقت‭ ‬النّاس‭ ‬أيضا،‭ ‬يرفع‭ ‬سماعة‭ ‬هاتف‭ ‬البيت،‭ ‬يغلق‭ ‬جوّاله،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬دقّ‭ ‬أحدهم‭ ‬بابه‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭. ‬ثمّة‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬الباطن،‭ ‬يقلب‭ ‬مشاعره‭ ‬تجاه‭ ‬الذين‭ ‬يحبهم،‭ ‬فيتمنى‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬يتبخّرون‭ ‬ساعة‭ ‬تأتيه‭ ‬عفاريت‭ ‬الكتابة‭ ‬وتشتغل‭ ‬بمخه‭.. ‬هذا‭ ‬حقه،‭ ‬وهو‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقه‭ ‬ككاتب،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬لا‭ ‬يفهمون‭.‬

يعيش‭ ‬الكاتب‭ ‬حالته‭ ‬الخاصّة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستسلم‭ ‬لهدير‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬رأسه،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬نقلها‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬جهازه،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬معروفة‭ ‬بمقاهي‭ ‬كتابها،‭ ‬الذين‭ ‬يحبون‭ ‬زواياهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومناظر‭ ‬الشوارع‭ ‬والمارة‭ ‬أمامهم،‭ ‬فإن‭ ‬كتاب‭ ‬آخرين‭ ‬يحتاجون‭ ‬لعزلة‭ ‬كاملة‭ ‬حتى‭ ‬تمطر‭ ‬غيوم‭ ‬مواسم‭ ‬الكتابة،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬الأصعب‭ ‬حظا،‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تفهم‭ ‬جنون‭ ‬الكتاب‭ ‬وأهواءهم‭ ‬الغريبة،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أسوأ‭ ‬الأوساط‭ ‬التي‭ ‬تدمر‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتزاحم‭ ‬فيها‭ ‬الجهل‭ ‬والغباء‭ ‬معا،‭ ‬ولا‭ ‬مفرّ‭ ‬منها‭ ‬أبدا،‭ ‬بحكم‭ ‬الظروف‭ ‬المفروضة‭ ‬عليهم‭. ‬ما‭ ‬أصعب‭ ‬مواجهة‭ ‬البياض‭ ‬بالنسبة‭ ‬للكاتب،‭ ‬إنه‭ ‬العدو‭ ‬الأول‭ ‬والأقوى‭ ‬للكاتب،‭ ‬كون‭ ‬إيجاد‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬السحرية‭ ‬التي‭ ‬تتبعها‭ ‬كلمات‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬تتطلب‭ ‬أياما،‭ ‬أو‭ ‬أشهرا،‭ ‬وأحيانا‭ ‬سنوات‭.‬

ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬يخوضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬رؤوسهم‭ ‬لإيجاد‭ ‬المفاتيح‭ ‬اللغوية‭ ‬الضائعة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬كومة‭ ‬الأفكار،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخوضها‭ ‬كتاب‭ ‬كثر‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬كون‭ ‬الكتابة‭ ‬أصبحت‭ ‬مهنتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬وهم‭ ‬ينكبون‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬تحت‭ ‬الطلب،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬تلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬يكتبون‭ ‬مواضيع‭ ‬التعبير،‭ ‬ووفقا‭ ‬لهيكل‭ ‬كلاسيكي‭ ‬قديم،‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬مقدمة‭ ‬ملغّمة‭ ‬بلغز،‭ ‬ومتن‭ ‬تسير‭ ‬وفقه‭ ‬الأحداث‭ ‬نحو‭ ‬فكّه،‭ ‬وخاتمة‭ ‬ترضي‭ ‬القارئ‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬جماليات‭ ‬اللغة،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬عبقرية‭ ‬في‭ ‬البناء،‭ ‬ألم‭ ‬يشتهر‭ ‬باولو‭ ‬كويلو‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها؟‭ ‬وغيره‭ ‬كثر‭.‬ألم‭ ‬تبدأ‭ ‬الكتابة‭ ‬عندنا‭ ‬أيضا،‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬عباءة‭ ‬الأمزجة‭ ‬الغريبة‭ ‬للكُتَّاب،‭ ‬ألا‭ ‬يصدر‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬كتابا‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬كل‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬أحيانا؟‭ ‬ألم‭ ‬تصبح‭ ‬مهنة؟‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مداخيل‭ ‬الكِتَاب‭ ‬قليلة،‭ ‬ولا‭ ‬توفّر‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لصاحبها،‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬أصبح‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬تريحه،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جذب‭ ‬الأضواء‭ ‬إليه‭ ‬باختيار‭ ‬موضوعات‭ ‬حساسة‭ ‬تخترق‭ ‬الممنوع؟‭ ‬أليس‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬شبيه‭ ‬بتلك‭ ‬النقلة‭ ‬التي‭ ‬نشعر‭ ‬بها‭ ‬حين‭ ‬نقطع‭ ‬نهرا‭ ‬من‭ ‬ضفة‭ ‬إلى‭ ‬ضفّة؟

سلطة‭ ‬الكتابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬استحواذها‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يستسلم‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬مقلق،‭ ‬يعمل‭ ‬طيلة‭ ‬الوقت‭ ‬مثل‭ ‬نقرات‭ ‬عقارب‭ ‬السّاعة‭ ‬للتذكير‭ ‬بوجوده

يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬خلوة‭ ‬الوحي‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬ضرورية‭ ‬لكتَّاب‭ ‬اليوم،‭ ‬بعضهم‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬السّفر‭ ‬وكأنّ‭ ‬وحيه‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬الطائرات‭ ‬والقطارات،‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أعيش‭ ‬الحالة،‭ ‬لأن‭ ‬السفر‭ ‬جزء‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬وأعرف‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تهجم‭ ‬الفكرة‭ ‬عليّ‭ ‬فجأة‭ ‬حيثما‭ ‬أكون،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬حالي‭ ‬وأنا‭ ‬أعكف‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬نص‭ ‬طويل‭. ‬لطالما‭ ‬كتبت‭ ‬نصوصا‭ ‬شعرية‭ ‬قصيرة،‭ ‬تشبه‭ ‬حركة‭ ‬اقتطاف‭ ‬وردة،‭ ‬ولكنّي‭ ‬عاجزة‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬إتمام‭ ‬نص‭ ‬طويل‭ ‬بدأته‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنة‭.. ‬تتحوّل‭ ‬الكتابة‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬مفترس،‭ ‬يهجم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شريك‭ ‬يحاول‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬صاحبها،‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّها‭ ‬تغيّر‭ ‬ظروف‭ ‬حياته،‭ ‬وتتحكّم‭ ‬فيه‭. ‬الكتابة‭ ‬كائن‭ ‬متسلّط،‭ ‬غير‭ ‬متسامح،‭ ‬ولكنّه‭ ‬أيضا‭ ‬كائن‭ ‬جبان،‭ ‬مثل‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أمّه‭ ‬فلا‭ ‬يعتقها،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬وحدتها‭ ‬ولا‭ ‬خلال‭ ‬رفقتها‭ ‬للآخرين‭.‬

سلطة‭ ‬الكتابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬استحواذها‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يستسلم‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬مقلق،‭ ‬يعمل‭ ‬طيلة‭ ‬الوقت‭ ‬مثل‭ ‬نقرات‭ ‬عقارب‭ ‬السّاعة‭ ‬للتذكير‭ ‬بوجوده،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يتم‭ ‬بالموازاة،‭ ‬بدون‭ ‬ذلك‭ ‬الأزيز‭ ‬النّاعم‭ ‬المزعج‭ ‬الذي‭ ‬تصدره‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬الدماغ‭.‬

لا‭ ‬تفسير‭ ‬منطقي‭ ‬لتلك‭ ‬السلطة،‭ ‬أغلب‭ ‬الكتاب‭ ‬الذين‭ ‬دونوا‭ ‬تجاربهم‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬العالقة‭ ‬في‭ ‬شباكها،‭ ‬مفتونون‭ ‬بممارسة‭ ‬القص‭ ‬والاشتغال‭ ‬باللغة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حقولها‭ ‬الإبداعية،‭ ‬بدون‭ ‬فهم‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الإخلاص‭ ‬العجيب‭ ‬لها‭. ‬يخون‭ ‬الرّجل‭ ‬حبيبته،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يخون‭ ‬الكتابة‭! ‬وحدها‭ ‬رفيقته‭ ‬الأبدية‭… ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬نفهمه‭ ‬أكثر‭ ‬حين‭ ‬نرى‭ ‬النّساء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يتخلّى‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬بعد‭ ‬الزواج‭ ‬والإنجاب،‭ ‬إذ‭ ‬يتراجع‭ ‬الأدب،‭ ‬أمام‭ ‬اهتماماتها‭ ‬الجديدة،‭ ‬كونها‭ ‬تضع‭ ‬الرجل‭ ‬دائما‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬انشغالات‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬حين‭ ‬يأتي‭ ‬الأولاد،‭ ‬تزيحه‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬درجة‭! ‬قليلات‭ ‬هنّ‭ ‬النّساء‭ ‬اللواتي‭ ‬عرفن‭ ‬كيف‭ ‬ينصفن‭ ‬الأدب‭ ‬وعائلاتهن،‭ ‬بتنظيم‭ ‬وقتهن،‭ ‬بحِيَلٍ‭ ‬مختلفة،‭ ‬تُظهر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التّقصير‭ ‬والفوضى‭ ‬في‭ ‬حياتهن‭.‬

يتحدّث‭ ‬روسو‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬علاقته‭ ‬السيئة‭ ‬بالكتابة،‭ ‬فيصدمنا،‭ ‬حين‭ ‬يصفها‭ ‬بالخطأ،‭ ‬وهو‭ ‬يقصد‭ ‬تماما‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أمسك‭ ‬فيها‭ ‬القلم،‭ ‬بل‭  ‬يطلق‭ ‬اعترافا‭ ‬يهز‭ ‬النخبة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬معلنا‭ ‬توقفه‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تقلّده‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬الفخر‭ ‬الأحمق‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬وهبته‭ ‬إياه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدرك‭ ‬‮«‬أنّه‭ ‬فقد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المغامرة‮»‬‭ ‬،‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬الاعترافات،‭ ‬حين‭ ‬روى‭ ‬رفضه‭ ‬لعرض‭ ‬ليعمل‭ ‬في‭ ‬جريدة،‭ ‬قائلا‭:‬‮»‬‭ ‬كنت‭ ‬أخطط‭ ‬لمغادرة‭ ‬الأدب‭ ‬بالكامل،‭ ‬وخاصة‭ ‬مهنة‭ ‬المؤلف‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لي‭ ‬جعلني‭ ‬أمقت‭ ‬رجال‭ ‬الأدب‭ ‬تماماً،‭ ‬وأشعر‭ ‬بالاشمئزاز‭ ‬منهم،‭ ‬وقد‭ ‬شعرت‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬أمارس‭ ‬المهنة‭ ‬نفسها‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬أحتكّ‭ ‬بهم‭ ‬ويكون‭ ‬لديّ‭ ‬بعض‭ ‬الاتصالات‭ ‬معهم‭. ‬عشت‭ ‬حياتي‭ ‬مختلطا‭ ‬بشعوب‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬ولست‭ ‬ضد‭ ‬الحياة‭ ‬المختلطة،‭ ‬أنا‭ ‬بالكاد‭ ‬أرى‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬صنعه‭ ‬بعد،‭ ‬لهذا‭ ‬أنا‭ ‬مصمم‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬العظيم،‭ ‬وتأليف‭ ‬الكتب،‭ ‬وتجارة‭ ‬الأدب،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أغلق‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬لبقية‭ ‬أيامي‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬ضيق‭ ‬وهادئ‭ ‬وسلمي‭ ‬أشعر‭ ‬بأنني‭ ‬ولدت‭ ‬من‭ ‬أجله‮»‬‭. 

اعترافات‭ ‬روسو‭ ‬الذي‭ ‬حقق‭ ‬شهرة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬زمانه،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬فاقه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬فولتير،‭  ‬كانت‭ ‬صادمة‭ ‬فعلا،‭ ‬لكنّها‭ ‬أيضا‭ ‬الرّغبة‭ ‬الخفية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يبوح‭ ‬بها‭ ‬أغلب‭ ‬الكتاب،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬استنباطها‭ ‬من‭ ‬متون‭ ‬أعمالهم‭. ‬روسو‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬مزاجية‭ ‬مغايرة‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬محظوظ‭ ‬لأنه‭ ‬كاتب‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬هل‭ ‬قال‭ ‬ذلك‭ ‬إرضاء‭ ‬لكبريائه‭ ‬الذاتي،‭ ‬أم‭ ‬احتراما‭ ‬لتلك‭ ‬الطبقة‭ ‬المحاطة‭ ‬بوهم‭ ‬التميُّز،‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها؟‭ ‬لقد‭ ‬حاصرته‭ ‬الأسئلة،‭ ‬كما‭ ‬حاصرت‭ ‬غيره،‭ ‬وهو‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬كائن‭ ‬متطور،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬النمو،‭ ‬سواء‭ ‬توقف‭ ‬هو‭ ‬عن‭ ‬تعاطي‭ ‬الاشتغال‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يتوقف،‭ ‬فاللغة‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬توفّر‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬ستنبثق‭ ‬منه‭ ‬ليخاطب‭ ‬الكون‭ ‬حوله،‭ ‬وسيكتشف‭ ‬الأسماء‭ ‬وحده،‭ ‬ولسوف‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬دورتها‭ ‬بنفسه،‭ ‬وهو‭ ‬يحفر‭ ‬رموزها‭ ‬على‭ ‬المسطحات‭ ‬الصّلبة،‭ ‬محاولا‭ ‬ترك‭ ‬رسائل‭ ‬لبشر‭ ‬مثله،‭ ‬هو‭ ‬المدرك‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬وحيدا،‭ ‬وأن‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬أعماقه‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬لغة‮»‬‭ ‬لمخاطبة‭ ‬كل‭ ‬الأحياء‭ ‬حوله‭. ‬لا‭ ‬لمجال‭ ‬لخلوة‭ ‬نهائية‭ ‬في‭ ‬اعتقادي،‭ ‬إنه‭ ‬شعور‭ ‬واهم‭ ‬تفرضه‭ ‬الحاجة‭ ‬لإنهاء‭ ‬القول‭.  ‬ولأنّ‭ ‬لكل‭ ‬‮«‬قول‮»‬‭ ‬عمرا‭ ‬زمنيا‭ ‬محدّدا،‭ ‬فإن‭ ‬اكتماله‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يولّد‭ ‬تلك‭ ‬السلطة،‭ ‬إنها‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬الزمنية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬ولم‭ ‬يصل‭ ‬العلم‭ ‬بعد‭ ‬لفك‭ ‬ألغازها،‭ ‬والكتابة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نشاط‭ ‬بشري‭ ‬محض،‭ ‬تخضع‭ ‬لسلطة‭ ‬الزمن،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تستمدُّ‭ ‬سلطتها‭. ‬

لا‭ ‬تمسك‭ ‬القلم،‭ ‬لأنّك‭ ‬إن‭ ‬فعلت‭ ‬ستصبح‭ ‬عالقا‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬الكتابة‭.‬

لا‭ ‬تتفوّه‭ ‬بكلمة،‭ ‬لأن‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬لوحدها‭.‬

٭‭ ‬شاعرة‭ ‬وإعلامية‭ ‬من‭ ‬البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية