ذلك الجدار العالي الذي يفصل بين الافارقة

حجم الخط
0

سؤال لا يفتأ يتكرر: لماذا هذه القطيعة الثقافية بين الجزائر وجوارها في دول الصحراء الكبرى؟ لماذا يسهل أن نعثر على كتب من أصقاع بعيدة، في المكتبات، من دون أن نعثر على عناوين كتاب من دول قريبة، من مالي أو النيجر أو تشاد؟ أو من دول لها تاريخ في الصداقة الدبلوماسية والسياسية، مثل غانا أو نيجيريا أو غينيا؟ يحصل أن نجد القارئ المحلي ملماً بما يُكتب ويصدر في الشرق الأوسط، أو في الجنوب الأوروبي أو شماله، مطلعاً على ثقافة الشمال أو الشرق، غير مبالٍ بالالتفات إلى عمقه الافريقي.
سبق للجزائر أن نظمت حدثين مهمين، احتضنت دورتين مما أطلق عليه «المهرجان الثقافي الافريقي»، الأولى في 1969 والثانية في 2009. كنت شاهداً على الدورة الأخيرة، التي عجّت بفنانين وكتاب من دول جنوب الصحراء: آلان مابانكو، أوجين إيبودي، وغيرهما، كلهم حلوا في الجزائر العاصمة وأقاموا فيها بضعة أيام، تحدثوا عن أعمالهم ومن بينهم من أعيد طبع رواياتهم محلياً، أقيمت ندوات واشتدت نقاشات ودار سجال مهم، لكن بمجرد انتهاء الدورة عادت الأمور إلى سابقها، إلى ركود وقطيعة شبه مطلقة مع الجوار الافريقي، كما لو أننا لسنا من قارة واحدة، كما لو أننا في خصام مستديم. لقد طرحت مشاريع بغرض تأسيس أقسام في الجامعة تتخصص في الآداب الافريقية، وأن تخصص ميزانية في إعادة طبع كلاسيكيات الأدب الافريقي، لكن كل ذلك لم يخرج من حيز التنظير، كما لو أن هناك جدارا عاليا يفصل بيننا وبين جنوب الصحراء الكبرى، في تناسق مع الفكرة الكولونيالية التي فصلت طويلاً بين الطرفين، لكن هل تتحمل الجزائر وحدها وزر هذه القطيعة؟ إن الحكاية أطول من ذلك، تعود إلى أكثر من سبعين سنة مضت.

نحن «الزنوجة»، فمن أين جئتم أنتم؟

في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، التقى بعض الكتاب والشعراء الأفارقة، الذي كانوا يدرسون في باريس، مع نظرائهم من جزيرة المارتينيك (كلهم كانوا من بلدان ترزح تحت الاستعمار الفرنسي)، التقوا إذن وصاغوا لبنة حركة أدبية سميت «الزنوجة»، وكان على رأسهم اثنان من الشعراء المهمين: ليوبولد سيدار سنغور (الذي سيصير رئيساً لدولة السنغال) وإيمي سيزار (هو الذي صاغ مصطلح الزنوجة). سرعان ما التف حولهما جمع من أهم كتاب جنوب الصحراء الكبرى، جعلوا من لون البشرة معياراً في نضالهم الأدبي، رغبة منهم في تحرير الرجل الأفريقي الملون من النظرة الدونية التي يوجهها له المُستعمِر، ثم توسعت الفكرة لتضم كتاباً من المُستعمرات الأوروبية في افريقيا.

نذكر أيضاً الكاتب الكيني نغوغي وا نثيونغو، فعندما أصدر كتابه الشهير «تحرير العقل»، وهو بمثابة بانوراما للأدب الأفريقي، من خلاله ودع الكتابة بالإنكليزية وعاد إلى لغته الأم كيكويو.

اللافت في هذه الحركة ـ التي استمر نشاطها الميداني حوالي 20 سنة، أي إلى غاية بداية تحرر بعض الدول الافريقية ـ إنها لم تضم في صفوفها كتاباً من شمال افريقيا، رغم التقاطعات التاريخية بين الطرفين وانشغالهم في خط واحد، والمثقف الوحيد المحسوب على شمال افريقيا وهو فرانز فانون (عقب انضمامه إلى المقاومة الجزائرية) لم يطل مقامه إذ انسحب منها مرغماً، بعد خصام مع سنغور، ووصف حركة الزنوجة بأنها باب من أبواب ابتذال الاستعمار، بحكم أن خطابها لم يكن تحررياً، بل أرادت فقط منح الأفارقة حقوقاً أكثر ومساواتهم مع الأوروبيين الذين يحتلون أوطانهم. هكذا إذن استمرت أشهر حركة أدبية جمعت كتاباً من جنوب الصحراء الكبرى، من دون أن يرد في سجلاتها اسم كاتب واحد من شمال افريقيا.
نذكر أيضاً الكاتب الكيني نغوغي وا نثيونغو، فعندما أصدر كتابه الشهير «تحرير العقل»، وهو بمثابة بانوراما للأدب الأفريقي، من خلاله ودع الكتابة بالإنكليزية وعاد إلى لغته الأم كيكويو. في هذا الكتاب استعرض سيرة الأدب في القارة السمراء، من دون أن يأتي على ذكر أمثلة من أدب عربي، فبعد عامين من صدور «تحرير العقل»، تسلم نجيب محفوظ جائزة نوبل، ونغوغي ما يزال مرشحاً دائماً في الأكاديمية السويدية من غير أن ينالها. هكذا ندرك أن القطيعة مزدوجة بين الطرفين، ليست من جانب واحد، شمال القارة لا يقرأ لجنوب الصحراء الكبرى، والعكس صحيح، ما يبعث سروراً في قلب المُستعمر القديم، الذي فصل بينهما، وبعد خروجه ما يزال الجدار قائماً بين الحزبين.

محطات ترانزيت

في لقاء مع النيجيرية شيماماند نغوزي أديشي، استغربت تلعثمها بعد أن سألتها عن معرفتها بما تكتبه النساء في شمال القارة، وهي التي تقدم نفسها بوصفها كاتبة، وأيضاً نسوية مطلعة على الحركات الأدبية الملتزمة في العالم، شيئا فشيئا ندرك حجم القطيعة المزدوجة بين طرفي القارة الواحدة، فقبل شهر استمعت إلى الروائي تيرنو مونينمبو، يتحدث في الإذاعة الفرنسية عن سيرته الحياتية والأدبية، وهو الذي فرّ من بلاده غينيا زمن حكم أحمد سيكو توري. ذكر تيرنو كل محطاته الحياتية متجاهلاً محطة واحدة ومهمة في سيرته، حين وجد ملجأ بعد فراره في الجزائر، وهناك حيث عمل مدرساً، تحدث عن كل شيء سوى عن مرحلته في شمال القارة، كما لو أنه انتقل من غينيا إلى فرنسا ببساط الريح، من دون أن تطأ قدماه بلداً اسمه الجزائر أتاح له مأوى وعملاً، وكان سبباً في مواصلته شغفه بالكتابة. أحمدو كوروما نفسه، الذي كان لاجئا في الجزائر، وأقام وعمل في مدينة باتنة، فاراً من كوت ديفوار، لم يأت على ذكرها أبداً، نحن بالتالي إزاء رفض مبطن بين الجانبين، في الجزائر يندر أن نسمع شيئاً عن أدب جنوب الصحراء الكبرى، بل إن الطلبة في الجامعة يزاولون تخصص أدب مغاربي مثلاً، لكن أبداً لا يذكرون أدباً افريقياً، وإن ورد نص من القارة فإنما في باب التاريخ الأدبي، وفي الجانب الآخر من القارة يتجاهل الكتاب وجود نظراء لهم في الشمال، في مصر أو ليبيا او تونس أو المغرب، وتستمر سيرة القطيعة التي مهد لها الاستعمار وحافظ عليها أبناء الدول المستقلة.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية